راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية


ليس هناك نموذج أوروبي للديمقراطية واحد في تفاصيله، رغم الاشتراك في الهيكل العام للحكم، إذ هناك من حيث العلاقة بالدين اختلاف بين النموذج اللاتيني، وبالأخص الفرنسي المعروف على الأقل منذ 1905 بحدة الفصل بين الدين والدولة تأثرا بملابسات تأسيسه، مما أدى إلى الأزمة المعروفة بأزمة الخمار (غطاء الرأس) تعبيرا عن عسر اندماج ملايين المسلمين الفرنسيين، بينما لا أثر لمثل هذه الأزمة في ديمقراطيات غربية أخرى في إسكندنافيا أو في إنجلترا.

"
الديمقراطيات الغربية قامت منذ الأصل على خلل تكويني هو فكرة الدولة القومية التي ليس مشمولا بقيمها وحقوقها كل البشر بل المواطنون فقط
"
كما أن هناك اختلافا في مدى مركزية الدولة، حيث يبدو النموذج الفرنسي التدخلي متطرفا في نظرته للدولة على أنها صانعة وحارسة لهوية الأمة، بينما الأمر يختلف في الديمقراطيات اللامركزية أو الفدرالية.

الجدير بالملاحظة هنا أن جزءا من أزمة النظام العربي -وحتى التركي- عائد إلى تأثره أكثر بالنموذج الفرنسي بدل النماذج الأخرى مثل الأنغلوسكسوني، حيث الاعتراف واضح بالتعددية الثقافية داخل الدولة.

أحسب أن هذا النموذج هو الأقرب للتجربة الإسلامية في الحكم حيث كان أمراء المناطق يتمتعون بحرية واسعة إزاء المركز "الخليفة".

ولذلك فإن شدة مركزية الدولة في النموذج الديمقراطي الفرنسي وعدم اعتراف هذا النموذج بالتعددية الثقافية للسكان، جعله يعاملهم على أنهم أفراد بدل التعامل معهم على أنهم كيانات تحترم هوياتها داخل الدولة.

وهذا ما شكل أزمة النموج التركي شديد التأثر بالنموذج الفرنسي، بما عسر عليه هضم التعددية الإثنية والثقافية القائمة في البنية التركية، ممثلة في المجموعة الكردية مثلا، فأسلمها للجيش كي يدمجها بالقوة.

كما أن من السلبيات التي غدت بطول الإلف وكأنها جزء من هوية النظام الديمقراطي، أعني الفلسفة المادية والقيم العلمانية "الدنيوية" البحتة. والحقيقة أن لا تلازم حتميا بين الأمرين، فقد عملت الديمقراطية بنجاح في بئات دينية بينما تحركت أكثر من دكتاتورية على أرضية علمانية، وكذا على أرضيات دينية.

ومن ذلك اعتبار الاقتصاد في النموذج الديمقراطي الغربي المحور الأعظم -إن لم يكن الوحيد- للحياة السياسية والثقافية، به يقاس كل شيء، بما وفر له فرصا للنماء والتقدم، ولكن ذلك أخل بجملة التوازنات في المجتمع، إذ المال ليس كل شيء في حياة الإنسان بل ليس أثمن شيء.

الإنسان ليس جسدا وحسب، ولكن هذا الأنموذج يبدو وكأنه قام على تشييء الإنسان وجعله ينسى جوهره الأعظم أنه نفخة من روح الله.

للجسد مطالبه المشروعة إلا أن إشباعها ينبغي أن يتم وفق مطالب الروح ذات الحاجات المتأكدة التي يعمل النظام القيمي السابح في فضاء الديمقراطية العلمانية الذي تتنفس فيه على إنساء الانسان إياها وحذفها من جدول اهتماماته اليومية.

وقاد ذلك مما قاد إليه، إلى تمزق شبكات التواصل الاجتماعي في مدن الديمقراطية العظيمة التي تحولت إلى كتل إسمنتية ضخمة يكاد "الإنسان المتعالي" -الاجتماعي بطبعه- يختفي فيها، يعاني عزلة قاتلة، بعدما تم هدر كيان الأسرة لصالح مؤسسة الإنتاج الاقتصادي، فهي في طريقها إلى الانقراض.

ولأن الأسرة وقيم الروح والأخلاق ليست دخيلة على كيان الإنسان والمجتمع فإن تآكلها مؤشر على وجود أزمة بل على استفحالها، مما هو إيذان بغروب شمس حضارة.

لم يخطئ من اعتبر أنه من الوجهة الديمغرافية البحتة الغرب في طريقه إلى الانقراض والسائرون على هديه، لأن التناسل تعبير عن الأمل والثقة في المستقبل والثقة في الإنسان الشريك.

"
الانفلات الديمقراطي من عالم القيم، عدا قيم الربح والإنتاج واللذة والقوة، لم يقتصر بلاؤه على تفكيك الأنسجة التقليدية لكيانات المجتمع التي نسجت في ظل الديانات، بل امتدت شروره داخل هذه الديمقراطيات وخارجها
"
وهذه كلها عناصر روحية هي في طريقها إلى الاختفاء تاركة الغرائز -مثل الغريزة الجنسية- تعمل خارج دائرة الروح والأخلاق، بما زهّد في الزواج والإنجاب والأمومة والأبوة وما يقتضيه ذلك من تضحيات، لا يقدم اقتصاد وفلسفة للحياة قائمان على الربح والمنفعة دوافعها بل هما على الضد منها.

لقد أفسح تحرر الغرائز من دستور الأخلاق الفطري الذي جاءت الديانات تضبطه، المجال لكل شيء حتى للحديث عما يسمى "بالأشكال الجديدة للأسرة" مما أخذت تتنافس في إقراره الديمقراطيات الغربية، بما أوقع الكنيسة الإنجيلية في خطر التمزق بين منكر للزواج المثلي وبين مقر له حتى بين القساوسة على اعتبار المسيحية حبا، وهذا منه!

هذا الانفلات "الديمقراطي" من عالم القيم عدا قيم الربح والإنتاج واللذة والقوة، لم يقتصر بلاؤه على تفكيك الأنسجة التقليدية لكيانات المجتمع التي نسجت في ظل الديانات، وتسارع إليها التفتت بتسارع معدلات العلمنة في الديمقراطيات، بل امتدت شرورها داخل هذه الديمقراطيات وخارجها.

ففي الداخل اتسعت الهوة بين الشريحة الأغنى في المجتمع وبين الشريحة الأدنى باتساع دائرة الفقر إلى حد وجود ملايين من "الهوملس" (بلا مأوى) في أغنى دول العالم، كما أن أساسيات في النظام الديمقراطي أخذت تتآكل مثل احترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء وتقيد سلطة أجهزة الأمن بالقانون..

كل ذلك أخذت تحيف عليه قوانين مقاومة "الإرهاب" التي أخذت تميز بجلاء بين المواطنين، فتعتبر المسلم مثلا متهما سلفا، مما يغري حتى بإطلاق الرصاص عليه لمجرد الاشتباه.

أما في الخارج فإن الديمقراطيات الغربية قامت منذ الأصل على خلل تكويني هو فكرة الدولة القومية التي ليس مشمولا بقيمها وحقوقها كل البشر بل المواطنون فقط.

ثم إن قانونها المفترض فيه رعاية مصالح أولئك المواطنين هو المرجع الأعلى لما هو عدل أو ظلم، خير أو شر، وهو ما ورط أعرق الديمقراطيات في حروب استعمارية طاحنة وعمليات إبادة لشعوب وحضارات، كان أحدثها ما ارتكبه ويرتكبه الجيش الأميركي وحلفاؤه من فضائح أخلاقية في العراق وأفغانستان وفلسطين.. وفي سجونه السرية والعلنية وضد شعوب لم ترتكب جريرة في حقه.

ومن ذلك دعم الديمقراطيات الغربية لأسوإ أنظمة الحكم في العالم، ضمانا لمصالحها، على حساب طموح تلك الشعوب إلى التحرر والديمقراطية.

والموقف الداعم بإطلاق للكيان الصهيوني نموذج حي للظلم الغربي، ولتمرد السياسة على كل خلق ودين بلغ حد تجويع شعب فلسطين بعد تشريد معظمه والتنكيل بالبقية، لا لجريرة سوى ممارسته حقه في الديمقراطية.

هذا إذا لم نشر إلى طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية التي فرضتها الديمقراطيات الغربية على أغلبية شعوب العالم، والقائمة على النهب لصالح المركز الغربي.

مع أنه يمكن الاستمرار في تعداد مظالم الديمقراطيات الغربية داخل شعوبها وخارجها، إلا أن تقديرنا أن ذلك لم يكن ثمرة لطبيعة النظام الديمقراطي التي جاءت لتقدم معالجات جيدة لمعضلة تمركز السلطة في يد فرد أو أفراد، ولتعلي من قيمة الحرية وسلطة القانون وسيادة الشعب، وكل ذلك حق ونافع، وإنما هو ثمرة للفلسفة المادية التي مثلت الهواء والرحم الذي تخلّقت وتنفست فيه الديمقراطية.

"
المشكل لا يتمثل في إقناع حركات الإسلام بالديمقراطية فهي ترياقها، وإنما في إقناع الديمقراطيات الغربية بذلك، لتعول في ضمان مصالحها المشروعة على الممثلين الحقيقيين لأمة الإسلام لا على نخبة مهترئة فت في عضدها الفساد والاستبداد وتحولت إلى حقل تفريخ للإرهاب
"
ويمكن أن تنتعش الديمقراطية وتزدهر في فضاء آخر لفلسفة حياتية أخرى وتؤتي ثمارا يانعة مبرأة من السموم المذكورة.

تقديرنا أن الإسلام بما يتوفر عليه من رؤية شاملة للإنسان، فردا وجماعة وإنسانية، جسدا وروحا ورؤية لو فهمت على حقيقتها وتطهرت من أوشاب التطرف والتوظيف وسوء الفهم، لكانت جديرة بإنتاج معادلة الإنقاذ للتراث الحضاري في إطار ديمقراطية إنسانية أخلاقية مؤمنة.

إن الإسلام في مبادئه وقيمه الكبرى وتجربته الحضارية يشهد الكل على اتساع صدره لتعددية مطلقة دينية وعرقية وفكرية وسياسية لم تقص حتى عباد الأوثان مثل زيدية العراق، فلم يتلوث تاريخه بحروب تطهيرية استئصالية لأي عرق أو دين.

بل لا تزال بلاده رغم ما أصابها من تخلف وحيف على الأغلبية المسلمة تنعم فيها الأقليات بالأمن، وتشرف باحتضانها لأقدم البيع والكنائس وحتى المعابد الوثنية.

واليهود أنفسهم تمتعوا في أول نموذج للاجتماع الإسلامي قاده مؤسس الإسلام ذاته عليه السلام، بحقوق المواطنة، وفق دستور تعددي، ولم يتعرضوا للاضطهاد قط في ظل الإسلام، وكانت دار الإسلام ملجأهم كلما تعرضوا للاضطهاد في ديار الغرب.

ولا يزال العراق وهو قاعدة أقوى إمبراطورية إسلامية فسيفساء من الأعراق والمذاهب والديانات، ولم تنخرط مكوناته في تقاتل طائفي شنيع إلا في ظل الاحتلال، كما كانت سراييفو وسط أوروبا واحة للتعددية مقابل تطرف الصرب والكروات وضيقهما بالتعدد.

ولقد مثل مبدأ "لا إكراه في الدين" و"لكم دينكم ولي دين" أعظم المبادئ التي تأسس عليها الاجتماع الإسلامي. وجاءت إعلانات حقوق الإنسان في عصرنا أثرا مما بشرت به.

إن الاسلام لا يزال ينساب في العالم –رغم حماقة ردود أفعال بعض معتنقيه المسيئة له- دعوة هادئة تتفوق جاذبيته على كل المذاهب مع ضعف دوله وحضارته.

ولا تزال حركات الإسلام في خطها العريض رغم ما تتعرض له من ظلم وإقصاء، تعتصم بالصبر والوسائل السلمية وتبحث عن أي مساحة للحرية لتعمل من خلالها وتوسعها، رافضة الانجرار إلى أساليب القوة إلا دفعا لمحتل، وهو حق معترف به لدى الجميع.

وهي تجد في منظومة حقوق الإنسان وأساليب الديمقراطية في إدارة الاختلاف على الصعيد المحلي والدولي، بعيدا عن القمع والترهيب، خير تجسيد لقيم الشورى الإسلامية ولندائه القرآني للأخوة الانسانية {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} (الحجرات).

والمشكل لا يتمثل في إقناع حركات الإسلام بالديمقراطية فهي ترياقها، وإنما إقناع الديمقراطيات الغربية بذلك فتعول في ضمان مصالحها المشروعة على الممثلين الحقيقيين لأمة الإسلام، لا على نخبة مهترئة فت في عضدها الفساد والاستبداد وتحولت إلى حقل تفريخ للإرهاب.

مع أن فكر الإرهاب وأساليبه وجماعاته نتوءات نادّة عن السياق العام لا تخلو منها أمة ولا حضارة، وهي غالبا ما تتخلق في ليالي الظلم المديدة وأقبية سجون الطغاة. وكثيرا ما انقلب السحر على الساحر.

ينبني على كل ذلك أن الحديث عن إرهاب إسلامي لتسويغ دعم الدكتاتوريات، ونسبة فضل لها في أنها شريك فعال في مقاومته، كما يفعل حكام في الغرب في دعمهم وكيلهم المديح لحكام أنظمة قمعية فاسدة، حديث فاقد لكل مصداقية وعدوان سافر على الشعوب المقهورة وإسهام في تعميق جراحاتها.

وهذا هو ما يحمل على البحث عن خلفية أخرى لمثل هذه المواقف الذرائعية العارية من كل قيمة إنسانية أو مصلحة حقيقية معتبرة للغرب.

هل مرد هذه السياسة الذرائعية إلى قصر النظر انحباسا في العاجل عن الآجل، بدل التطلع إلى المستقبل، واعتبار مناصرة المبادئ والشعوب الضمان الأوفى بالمصالح ولعلاقات مستقبلية آمنة مع أمة الاسلام؟

"
حاجة المسلمين إلى الديمقراطية جهازا لتفعيل الشورى المعطلة منذ قرون، لا تقل عن حاجة الديمقراطية الغربية إلى منظومة قيمية روحية مادية واجتماعية سبيلا لإنقاذ التمدن المعاصر والاشتراك في بناء مستقبل تتجه التقنية قدما لتحويله إلى قرية واحدة
"
هل تكون جريمة شعوبنا التي لا تغتفر غربيا أنها بعدما نفضت يدها من الحصول على ثمرات الحداثة من طريق التمرد على الوحي والهوية والتاريخ والتراث، استدارت إلى الإسلام مدخلها إلى الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان والوحدة والعالمية والتحرر، في سياق منظور إيماني جامع يمثل قاعدة حوار ولقاء وتعايش وتثاقف بين كل الحضارات، وبالأخص بين أقرب حضارتين وديانتين إلى بعضهما حضارة الإسلام وحضارة الغرب.. الإسلام والمسيحية؟

هل تكون فلتات لسان بوش ومن لف لفه في العداء والبغض للإسلام واستهدافه، لا الحرب على "الإرهاب" و"الأصولية" دون تحديد دقيق للمقصودين، بل إن رئيس الحزب الحاكم وكذا المعارض في بريطانيا استهدفا تصريحا التيار الوسطي في الحركة الإسلامية ممثلا في اتجاه "الإخوان"..

هل تكون مواريث العداء للإسلام التي تمتاح من الأعماق المتعفنة، هي الخلفية الرئيسية وراء معظم السياسات الغربية تجاه الإسلام وحركاته ومؤسساته وحتى دوله، عدا الخانعة أو المهرولة في خطة الحرب على "الإرهاب والأصولية" الاسم الكودي للإسلام؟

عسى الأمر أن لا يكون كذلك بالنظر إلى حجم التداخل المتصاعد بين عالم الإسلام وعالم الغرب على نحو قد لا يبقى معه خلال عقدين فقط، معنى لهذه التقسيمات وبالأخص في بلد مثل فرنسا يتوفر على أكبر أقلية إسلامية في غرب أوروبا، ينتظر أن يتنامى دورها بما يرشح فرنسا لأن تمثل أمتن وأوسع جسور التواصل والتبادل واللقاء بين عالمين متسالمين يتمتعان سوية بالحرية والعدالة ويثري كل منهما الأخر بخصوصياته.

ألم يصنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سابقة حين طلب العضوية الشرفية في منظمة المؤتمر الإسلامي؟ وذلك ضمن قراءة نافذة للمستقبل في تواضع بعيد عن طموح مغرور لا يزال يساور بعض العلمانيين العرب والغربيين في تفكيك الإسلام وإعادة تركيبه وفق منظور دنيوي شرطا للقبول به وبحركاته عند اللزوم، ضيوفا على مأدبة الحداثة! في تجاهل لطبيعته العلوية الإلهية التي خولتنا سلطة الاجتهاد ولم تخولنا سلطة الخلق، وزودتنا بملكات التفكر لنعرف إلهنا -جل جلاله- فنعبده ونطيعه لا لنصنعه ونستخدمه {أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} (الصافات: 95).

إن حاجة المسلمين إلى الديمقراطية جهازا لتفعيل الشورى المعطلة منذ قرون مديدة، لا تقل عن حاجة الديمقراطية الغربية الهاربة من الله -بسبب ملابسات خاصة- والموظفة لصالح فئات وأقوام ضد مجموع البشرية، إلى منظومة قيمية روحية مادية واجتماعية سبيلا لإنقاذ التمدن المعاصر والاشتراك في بناء مستقبل تتجه التقنية قدما لتحويله إلى قرية واحدة..

وحتى لا تكون ساحة صراع بين سادة وعبيد، لا مناص من رؤية إنسانية توحيدية شاملة، لا تتوفر موضوعيا إلا في الإسلام مفهوما بعمق وصدق.. {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك