عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


سلسلة تبدأ ولا تنتهي من الجواسيس
أهداف تبدأ بالأمن ولا تنتهي بالبورصة!
أثر التجسس في موقع إسرائيل الجيوسياسي

كشفت الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات الأخيرة عن شبكات تجسس إسرائيلية متعددة في أنحاء مختلفة من العالم، بدأت بالعواصم العربية، مرورا ببعض الدول الأوروبية، وانتهاء بالولايات المتحدة، كان آخرها الجاسوس المصري الذي حكم عليه بالسجن مؤخرا من قبل محكمة أمن الدولة.

فقد مرت الجاسوسية الإسرائيلية بمختلف بقاع العالم، بما فيها الدول الصديقة والحليفة، وتلك التي تربطها بإسرائيل علاقة وجودية بكل ما للكلمة من معنى.. فما هي أبرز شبكات التجسس التي كشف النقاب عنها، وما أهداف الدولة العبرية منها، وأين تقع تلك الشبكات في الخارطة الأمنية الإسرائيلية في الداخل والخارج.

سلسلة تبدأ ولا تنتهي من الجواسيس
اجتهدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ممثلة بجهاز الموساد في تفعيل خلايا التجسس، من خلال تجنيد العملاء والجواسيس لها في مختلف البلدان، ويمكن في هذه العجالة سرد أهم شبكات التجسس التي كشف النقاب عنها:

1- شكلت مصر الهدف المفضل للمخابرات الإسرائيلية للعمل في صفوف مواطنيها، بالرغم من اتفاقية السلام بين البلدين التي تمر عليها هذه الأيام ثلاثون عاما، وقد وصل عدد جواسيس الموساد، الذين تم تجنيدهم والدفع بهم إلى مصر نحو 70 جاسوساً، 75% مصريون، و25% إسرائيليون، وقد زخرت ملفات محاكم أمن الدولة المصرية بعشرات من قضايا التجسس لصالح المخابرات الإسرائيلية، ومن أهمها:

- شبكة التجسس الشهيرة التي أعلن ضبطها عام 1985، المكونة من 9 أفراد، وتم تجنيدهم ضمن أحد الأفواج السياحية.

- القبض على شبكة تجسس أخرى عام 1986، ضمت عددا من العاملين بالمركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة، إلى جانب سيدة أميركية تعمل في هيئة المعونة، أواخر عام 1986 تم ضبط أربعة جواسيس في منطقة شرم الشيخ الساحلية.

- عام 1987 تم ضبط شبكة تجسس من السياح الإسرائيليين أثناء زيارتهم لشرم الشيخ.

"
عدد جواسيس الموساد الذين تم تجنيدهم والدفع بهم إلى مصر وصل نحو 70 جاسوساً، 75% مصريون، و25% إسرائيليون، وقد زخرت ملفات محاكم أمن الدولة المصرية بعشرات من قضايا التجسس لصالح المخابرات الإسرائيلية
"
- عام 1990 إلقاء القبض على جاسوس مصري لاشتراكه مع ضابط مخابرات إسرائيلي في تحريض فتاة مصرية على التخابر، إلا أنها رفضت، وأبلغت أجهزة الأمن.

- عام 1991 تم القبض على جاسوسين في عمليتين منفصلتين.

- عام 1992 سقوط شبكة عائلة مصراتي، المكونة من 4 جواسيس.

- أواخر عام 1996 إلقاء القبض على الجاسوس عزام عزام وشريكه المصري، وقد نجحت تل أبيب في الإفراج عنه بعد ضغوط سياسية مورست على القاهرة.

- منتصف عام 1997، الكشف عن جاسوس خلال ارتدائه زي الغوص، حيث كانت مهمته التنقل عائما بين مصر وإسرائيل.

- عام 2000، كشف عن جاسوس مصري تم تجنيده لصالح الموساد في ألمانيا.

2- في الأردن تم الكشف خلال عام 1997 عن عملاء الموساد الذين حاولوا اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، حيث أطلق سراحهم مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة من سجون الاحتلال.

3- في لبنان كشف النقاب خلال السنوات الأخيرة عن مجموعة من شبكات التجسس التي عملت لصالح الموساد، وأنيط بها بعض المهمات الأمنية والاستخبارية.

4- الجاسوس الإسرائيلي الشهير "إيلي كوهين" في سوريا الذي أعدمته الدولة، ومازالت إسرائيل تطالب بجثته حتى اليوم.

5- العراق الزاخر بشبكات التجسس الإسرائيلية، وعلى المكشوف، بعد الاحتلال الأميركي.

6- كشف النقاب مؤخرا في إيران عن مجموعة من يهودها المرتبطين بالموساد.

أهداف تبدأ بالأمن ولا تنتهي بالبورصة!
ما كشف النقاب عنه من شبكات للتجسس الإسرائيلي، كشفت معه سلسلة من الأهداف الخفية والمعلنة، ومن حق المرء أن "يتفهم" بعض الأهداف، لكن أهدافا أخرى من حقه أن يبدي استغرابه لوضعها على أجندة الموساد الإسرائيلي، ومنها:

1- جمع المعلومات الأمنية والاستخبارية عن دول بعينها، لاسيما المواقع العسكرية والمحطات الأمنية، التي تعتقد إسرائيل أنها قد تشكل خطرا عليها مستقبلا في أي مواجهة عسكرية، حيث تم ضبط عدد من الجواسيس خلال قيامهم بأعمال التصوير ورسم الخرائط لأماكن ممنوعة، وضبطت بحوزتهم كمية من الأفلام والصور ومحطة إرسال واستقبال ومعامل تحميض، وتبين أن هذه الصور تم التقاطها لوحدات من الجيوش العربية أثناء الليل باستخدام أشعة الليزر.

2- تدريب جواسيس الموساد على أحدث الأجهزة الإلكترونية، وتحديدهم للأماكن والمخابئ السرية والشقق البديلة التي يستخدمها زعماء المقاومة، لاسيما في لبنان، حيث كشفت حرب يوليو/تموز الأخيرة ضد حزب الله، أن عملاء إسرائيل وضعوا علامات إلكترومغناطيسية وفوسفورية على الأماكن التي يجب أن يستهدفها القصف، إضافة لزرع أجهزة التنصت في أماكن متعددة من الضاحية الجنوبية، وإمداد إسرائيل بكافة المعلومات حول الأنفاق والمواقع التابعة للمقاومة.

"
تقارير الأمن المصرية تفيد بأن 86% من جرائم التهريب وتزوير العملات ارتكبها إسرائيليون، كما نشرت التقارير الاقتصادية عن اكتشاف معلبات اللحوم الحمراء الإسرائيلية  في الأسواق العراقية وبأسعار منخفضة، وهي إما تحمل فيروسات "جنون البقر" أو منتهية الصلاحية أو تحتوي على مواد سامة
"
3- النيل من رموز المقاومة والممانعة في الدول العربية، لاسيما لبنان وسوريا والعراق، وقد نفذت إسرائيل سلسلة من هذه الاغتيالات، بدأت بخليل الوزير، وعباس الموسوي، فتحي الشقاقي، عز الدين الشيخ خليل، وجملة من الرموز العراقية المناوئة للاحتلال الأميركي.

4- إمداد أجهزة الأمن الإسرائيلية بالمعلومات الاقتصادية وأهم المشروعات الاستثمارية، ومنها ما هو سياحي وزراعي، وحركة البورصة وتداول الأوراق المالية، فضلا عن الحصول على معلومات تخص بعض رجال الأعمال.

فقد أفادت تقارير الأمن المصرية بأن 86% من جرائم التهريب وتزوير العملات ارتكبها إسرائيليون، كما نشرت تقارير اقتصادية عن اكتشاف معلبات اللحوم الحمراء الإسرائيلية تم ضخها بكميات كبيرة في الأسواق العراقية وبأسعار منخفضة، وهي إما تحمل فيروسات "جنون البقر"، أو منتهية الصلاحية، أو تحتوي على مواد سامة، يؤدي تناولها للإصابة بأمراض العقم, والكوليرا, والتيفوئيد, والتسمم المعوي.

كما تم قبل نحو عامين إحباط محاولات إسرائيلية؛ لتسريب أدوات تجميل وصبغات شعر تحتوي على مواد مسرطنة للأسواق العربية، عبر دول أوروبية.

5- القيام بعمليات تخريب اجتماعي وأخلاقي، بهدف التخريب، لاسيما على صعيد نشر كميات هائلة من المخدرات بمختلف أنواعها، ورعاية شبكات الدعارة الدولية، وتجارة الرقيق الأبيض.

حيث تشير تلك التقارير إلى أن أعداد قضايا المخدرات المتهم فيها إسرائيليون خلال 10 سنوات بلغت 4457 قضية فقط في مصر لوحدها، ومما يدل على ذلك اعتراف مصدر إسرائيلي بأن مصر يدخلها 500 طن مخدرات سنوياً عن طريق بلاده!

وفى السياق نفسه نشرت صحيفة "معاريف" أن أكثر من 5000 طفل يعيشون في إسرائيل، تم خطفهم أو سرقتهم من الدول المجاورة لها، ثمَّ تم تهويدهم.

أثر التجسس في موقع إسرائيل الجيوسياسي
هكذا، شكل التجسس لإسرائيل، ومازال، سياسة ثابتة تجاه جيرانها، ذلك أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعتقد أن التجسس سيبقى عنوانا أساسيا لسياستها الخارجية، انطلاقا من محددات عدة لا يمكن أن تختفي بين يوم وآخر، وهي:

1- على الصعيد العسكري وفي ضوء تزايد احتمالات الصراع المسلح بين إسرائيل والأطراف العربية المجاورة لها، لاسيما لبنان وسوريا وإيران، وتلويحها بشن حرب إقليمية خلال الصيف أو الخريف القادمين على أكثر تقدير.

2- الفتور الذي أصاب علاقة إسرائيل بالدولتين المجاورتين لها، مصر والأردن، لاسيما تخوف مصر وتحفظها الشديد من التهديدات العسكرية، وتلويح بعض قيادات الدولة العبرية بتوجيه تهديدات مباشرة باستهدافهما عسكرياً، لاسيما مصر.

3- النظرة الإستراتيجية الإسرائيلية المستقبلية للعراق، ورغبتها في أن تكون لها "حصة" في كعكة تقسيم العراق بين الطوائف والعرقيات والأديان، ولعل الاختراق الإسرائيلي الأمني والسياسي والاقتصادي لبلاد الرافدين، بدا واضحا منذ دخول أول جندي احتلالي أميركي إليها، مما يشكل لها إطلالة مفصلية وكبيرة على جيران العراق، سوريا والخليج وإيران.

"
الشرق الأوسط يبدو عبارة عن خلية من الجواسيس تشغلهم أجهزة الأمن الإسرائيلية، يعملون في حرب خفية يظهر من خلالها طرف صغير فوق سطح الأرض، وهي الشبكات التي تم كشفها
"
وقد تبين لاحقا أنه من بين 870 وثيقة للمخابرات الأميركية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة وأماكن وجودها، وهي الوثائق التي كانت المبرر الرئيس للحرب، كان 810 وثائق تم الحصول عليها من إسرائيل ورجال الموساد!

4- رغبة إسرائيل في أن تكون على متابعة مكثفة وحثيثة دائمة لما يدور حولها، لاسيما وأنها تدرك جيدا أن المحيط العربي معاد لها، وأن أنظمة الحكم التي تبدو محايدة لها –في أسوأ الأحوال- وحامية لحدودها –في أحسنها- قد لا تدوم طويلا.

وبالتالي فإن الكابوس القادم بدلا منها يتمثل في قوى الإسلام السياسي كما تسميها، أو في نماذج لا تتصورها إسرائيل تفرض سيطرتها على حدودها شمالا وجنوبا وشرقا، على غرار ما حدث حين تسلمت حركة حماس زمام السلطة في الأراضي الفلسطينية، علما بأن الإحصائيات تشير إلى أنها ستعيش بعد عقد من الزمن في وسط 500 مليون عربي لا يرغبون في رؤية اسمها على خارطة الوطن العربي!

لهذا كله، يبدو الشرق الأوسط عبارة عن خلية من الجواسيس تشغلهم أجهزة الأمن الإسرائيلية، يعملون في حرب خفية يظهر من خلالها طرف صغير فوق سطح الأرض، وهي الشبكات التي كشفت.

حرب الجواسيس الإسرائيليين مستمرة على الرغم من أنه لم تطلق خلالها رصاصة واحدة حتى الآن، ولم تشغل فيها قنبلة، حرب ذكاء ومراوغة تنجح فيها إسرائيل حينا بفضل نجاحها في جمع معلومات عن الطرف الآخر، وتفشل أحيانا حين تتنبه لها القوى الحية، الأمر الذي يحتم عدم التقليل من أهمية الاستخبارات في تصميم تاريخ هذه المنطقة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات