ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

قوة القاعدة وعلاقتها بالمقاومة
شكوى الجيش الإسلامي من القاعدة
استهداف المنضوين في العملية السياسية
التفجيرات العبثية
خطر الحوار مع الأميركان
كيف تستوعب قوى المقاومة الموقف؟

تنهض المقاومة العراقية كواحدة من نماذج المقاومة الفريدة في التاريخ، ليس فقط بسبب مواجهتها لأكبر إمبراطورية في التاريخ البشري (الولايات المتحدة) وهي في ذروة قوتها، وإنما بانطلاقها واستمرارها من دون إسناد من قوة كبرى، بل ولا حتى إسناد من قوة إقليمية مهمة، من دون أن يعني ذلك الغياب الكامل للدعم الخارجي، لكنه دعم لا يساوي الكثير إذا ما قورن بحجم التآمر الذي تتعرض له من قبل قوى داخلية وخارجية.

إلى جانب هذا البعد، يمكن القول إن المقاومة العراقية قد تمردت على واقع داخلي بالغ الأهمية، لا يتمثل فقط في غياب الإجماع الشعبي من حولها، بل فيما هو أسوأ ممثلاً في استهدافها على نحو محموم من قبل كثيرين وجدوا فيها خطراً على طموحاتهم. ويشكل هؤلاء كتلة كبيرة من السكان الذين انخرط أبناؤهم عملياً في الأجهزة الأمنية المتخصصة في مطاردتها.

لم يتوقع كثيرون في الداخل والخارج أن تندلع مقاومة في العراق، وحين اندلعت لم يتوقعوا استمرارها، فضلاً عن تصاعدها. وقد سمعنا الكثير من السياسيين -العرب السنّة فضلاً عن الآخرين- ينظرون بالكثير من الازدراء إلى تلك المقاومة عند اندلاعها أو وضوح اندلاعها خلال الشهر الثاني من نهاية الحرب. والسبب هو قوة الخصم وشراسته من جهة، إضافة إلى غياب الإجماع الشعبي واستهداف الآخرين لها من جهة أخرى.

لكن كثيراً من هؤلاء السياسيين ما لبثوا أن غيّروا موقفهم، فيما تابعنا بعضهم يكيل لها المديح، الأمر الذي تطور وصولاً إلى الدعوة للحوار معها.

الآن، وبعد نحو أربع سنوات على اندلاع المقاومة العراقية يبدو المشهد صعباً إلى حد كبير، ليس لجهة قدرتها على ضرب العدو، وإنما لجهة الظروف الموضوعية التي تهدد استمرارها.

مع العلم أن البعد الأول قد تطور على نحو لافت للنظر خلال العامين الماضي والحالي، إذ تبدت القدرة على استهداف الطائرات، إلى جانب العبوات الناسفة القادرة على ضرب الدبابات والآليات، بما في ذلك كاسحات الألغام، فضلاً عن صعود دور القناصة القادرين على اصطياد جنود الاحتلال من دون التعرض للأذى.

"
من أهم الظروف التي صاغت تحولات القاعدة لتشمل مجموعة من الأهداف هو الشعور الطاغي بالقوة، إذ لا شك في أن القاعدة في العراق اليوم هي الأقوى مالياً وعسكرياً بين التنظيمات الجهادية، وهي الأقدر على فرض شروطها
"

قوة القاعدة وعلاقتها بالمقاومة
ليس بوسع أي مراقب منصف إنكار الدور الذي لعبه عناصر القاعدة (التوحيد والجهاد قبل ذلك) في إطلاق الشرارة الأولى للمقاومة في الفلوجة وما حولها.

يومها لم يكن لهؤلاء أي دور آخر خارج سياق استهداف القوات الأميركية، الأمر الذي جرّأ الآخرين على إطلاق الفعل المقاوم، وأفسح المجال لظهور فصائل المقاومة، الواحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى تبلورها في عدد من الفصائل الكبيرة، مع ضرورة لفت الانتباه إلى ما تقوله بعض الفصائل من أن عملها قد بدأ قبل التوحيد والجهاد.

بعد ذلك بدأت التحولات في خطاب القاعدة وفعلها على الأرض، فمع أنها واصلت استهداف القوات الأميركية، فإن الكثير من جهدها قد تحول نحو استهداف الجيش والقوات الأمنية العراقية، قبل أن يطال عموم الشيعة، وهو الموقف الذي برّره الزرقاوي بقوله: إنهم هم الذين "بدؤونا بالقتال"، إلى أن تطور في الآونة الأخيرة ليطال بعض المنضوين في العملية السياسية من العرب السنّة، وأحياناً فصائل المقاومة الأخرى بعد رفضها مبايعة ما عرف بدولة العراق الإسلامية.

ما تنبغي الإشارة إليه هنا أن هذا التحول في عمل القاعدة وفعلها لم يأت فقط بسبب الخطاب والخلفية الفكرية، وإنما بسبب الظروف الموضوعية المحيطة، وهي ظاهرة معروفة في الحركات السياسية، إذ لا يتحدد السلوك على الأرض تبعاً للأفكار وحدها، وإنما -وهو الأهم- تبعاً لتأثير الظروف المحيطة.

من أهم الظروف التي صاغت التحولات المشار إليها ما يتعلق بالشعور الطاغي بالقوة، إذ لا شك أن القاعدة في العراق اليوم هي الأقوى مالياً وعسكرياً بين التنظيمات الجهادية، وهي الأقدر على فرض شروطها.

ولا يحدث ذلك بسبب المدد الخارجي، وإنما الداخلي أيضاً، حيث أصبح معظم عناصرها من العراقيين، الأمر الذي يبدو طبيعياً في سياقه العام، فحين تنتشر فرق الموت ويغدو القتل بطبعاته الأكثر بشاعة هو قوت العراقيين في مناطق العرب السنّة، لا يمكن إلا أن يذهب أبناؤهم نحو الخطاب الأكثر شراسة في الرد والثأر، فالدم يستسقي الدم والعنف يستجلب العنف.

والحال أنه لو وجد العرب السنّة فيما يسمى العملية السياسية ملاذاً لهم لما احتضنوا خيار المقاومة على هذا النحو الحاسم، فضلاً عن خيار العنف بكل أشكاله، كما يتجلى في سلوك القاعدة.

شكوى الجيش الإسلامي من القاعدة
بعد شكوى كتائب ثورة العشرين من تجاوزات القاعدة، جاء بيان الجيش الإسلامي الذي تحدث عن تجاوزات مماثلة بحق كوادره وكوادر قوى المقاومة الأخرى، وتحدث بالطبع عن رفض الاعتراف بدولة العراق الإسلامية.

والجيش الإسلامي واحد من أهم فصائل المقاومة في العراق، بل لعله أهمها على الإطلاق وأكثرها تأثيراً على صعيد استهداف قوات الاحتلال، وحين يجأر بالشكوى فلا شك أن الأمر يستحق التوقف.

جاء رد القاعدة على بيان الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين في ثنايا بيان مطول لأمير الدولة أبو عمر البغدادي بمناسبة مرور أربع سنوات على الغزو، وكان لافتاً للانتباه أن يأتي الرد مهذباً وتوفيقياً بحق الجيش والكتائب وجيش المجاهدين وجيش أنصار السنة، وهي المجموعات الكبيرة كما هو معلوم، الأمر الذي يبشر بنزع فتيل الفتنة بين القاعدة وتلك المجموعات.

"
ليس من العقل ولا المنطق أن يبادر المعنيون بملف المقاومة واستهداف الاحتلال إلى تكثير أعدائهم باستهداف المنضوين في العملية السلمية, لاسيما أن كثيراً منهم يناصر المقاومة، وكم من هؤلاء من استشهد بيد قوات الاحتلال أو بيد فرق الموت
"

استهداف المنضوين في العملية السياسية
بقتل واستهداف العديد من العاملين في الحقل السياسي من العرب السنة، كما هو حال سلام الزوبعي نائب رئيس الوزراء، ومن بعده عملية المنطقة الخضراء (تفجير كافتيريا البرلمان)، وبعد ذلك استهداف بيت مسؤول جبهة التوافق العراقية عدنان الدليمي، يمكن القول إن نهجاً جديداً قد كرسته القاعدة يتمثل في استهداف مبرمج للناشطين في العملية السياسية. وما من شك أن ذلك كله سيؤثر أيضاً على الحاضنة الشعبية للمقاومة.

صحيح أن العملية السياسية لم تقدم الكثير للعرب السنة، لكن ذلك لا يعني أنها لا تحظى بدعم أحد، إذ تنضوي فيها العديد من الفعاليات المهمة وأبناء العشائر. وما من شك أن جعل هؤلاء أهدافاً برسم القتل لن يؤدي إلا إلى تعميق الخلافات في أوساط هذه الفئة المجروحة من جراء استهداف الاحتلال والمليشيات الشيعية في آن.

ليس من العقل ولا من المنطق أن يبادر المعنيون بملف المقاومة واستهداف الاحتلال إلى تكثير أعدائهم على هذا النحو، لاسيما أن كثيراً من العاملين في الميدان السياسي -خاصة الكوادر- يناصرون المقاومة، وكم من هؤلاء من استشهد بيد قوات الاحتلال وبيد فرق الموت، وكم منهم من استشهد وهو في سياق مواجهة عملية مع قوات الاحتلال.

بل لعل الميزة الأهم للعملية السياسية هي منحها العديد من الناس فرصة الابتعاد عن ميدان الاستهداف رغم مساعدتهم للمقاومة أو انخراطهم فيها. صحيح أن لبعض العاملين في السياسة موقفا سلبيا من برنامج المقاومة، لكن هؤلاء لا يشكلون الغالبية.

الذي يعنينا فيما سبق هو تأثيره على الحاضنة الشعبية للمقاومة، إذ يعلم المعنيون أنه من دون تلك الحاضنة لن يكون بوسع المقاومة -بما فيها القاعدة- المضي في العمل، وحين تكثر الخلافات وتندلع التصفيات سيتعب الناس وسيشرعون في التخلي عن رجال المقاومة، ما سيتركهم في العراء ويسهل على الأعداء اصطيادهم.

ويخطئ البعض إذا اعتبروا أن بوسعهم المضي في عملهم بمجرد الحصول على دعم بعض القلة من الناس، أكانوا من الداخل أم من الخارج، إذ ما من مقاومة على وجه الأرض تمكنت من الاستمرار والنمو من دون حاضنة شعبية.

ولعلنا نشير هنا إلى التضحيات الكبيرة التي دفعها العرب السنة من جراء احتضانهم للمقاومة، بدليل عشرات الآلاف من الأسرى والشهداء والجرحى، فضلاً عن أشكال المعاناة الأخرى.

في ذات السياق يمكن القول إن بيان البغدادي، وإن لم يشر صراحة إلى هذه القضايا، فإن روحيته العامة ربما بشرت بنفس جديد في التعامل مع الفعاليات الأخرى في المجتمع العربي السني، من سياسيين ورجال عشائر، لكن حقيقة الموقف ستتبدى لاحقاً على الأرض.

التفجيرات العبثية
من المخاطر التي تتهدد المقاومة عبر الإساءة إليها وتشويه صورتها ما يتعلق بالتفجيرات العبثية التي تطال الأسواق والحسينيات، إذ لا تكتفي هذه بجلب ردود الفعل الثأرية من قبل الأطراف الأخرى، الأمر الذي يكلف العرب السنة المزيد من الدماء والمعاناة.. بل تضيف إلى ذلك أيضاً إساءة واضحة لبرنامج المقاومة الذي لا يمكن أن يستهدف الأبرياء، أكانوا من الشيعة أم من سواهم. ولو فكر القوم على نحو أفضل لاكتشفوا أن ألف تفجير وتفجير لن تغير في واقع الحال على الأرض شيئاً، وأن حقائق الديمغرافيا والجغرافيا أكبر من أن تغير بهذه الطريقة.

والأسوأ هو ما أشرنا إليه، أعني العمليات الثأرية التي دفعت أعداداً كبيرة من العرب السنة للهجرة من مناطقهم إلى خارج العراق، بدليل أن الجزء الأكبر من المهاجرين هم من هذه الفئة.

على هذا الصعيد أيضاً لم يكن بيان البغدادي واضحاً في تجلية الموقف، لكن تركيزه على عصمة دماء "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا" قد يشير إلى نهج جديد، وإن بدا أن تغيير الموقف على هذا الصعيد ليس مرجحاً إلى حد كبير، لكنه غير مستبعد أيضاً عندما تعمل قاعدة المصالح والمفاسد.

"
التركيز على الخطر الإيراني يفضي إلى دفع الناس نحو القناعة بأن الأميركان هم الحضن الدافئ الذي ينبغي اللجوء إليه هرباً من المليشيات المدعومة من إيران، الأمر الذي سيضرب الحاضنة الشعبية للمقاومة
"

خطر الحوار مع الأميركان
من المخاطر التي تهدد المقاومة في العراق ما يتعلق بالحوار مع الأميركان، ولا شك أن العديد من القوى السياسية ما زالت تلعب أدواراً سلبية على هذا الصعيد، إذ تميل إلى إقناع بعض قوى المقاومة بمقولة أن إيران هي الخطر الأكبر وليس الاحتلال، في حين تميل من جانب آخر إلى إقناعها بأن الأميركان في صدد الانسحاب ولا بد من الحوار معهم من أجل قطف الثمرة.

والحال أن كلا البعدين خطير، فبينما لا تشير أغلب المعطيات إلى أن الأميركان بصدد الانسحاب حتى لو جاء الديمقراطيون إلى السلطة بسبب تداعيات ذلك على نفوذ وهيبة الإمبراطورية الأميركية، يفضي التركيز على الخطر الإيراني إلى دفع الناس نحو القناعة بأن الأميركان هم الحضن الدافئ الذي ينبغي اللجوء إليه هرباً من المليشيات المدعومة من إيران، الأمر الذي سيضرب الحاضنة الشعبية للمقاومة.

لا يعني ذلك غياب الخطر الإيراني، لكننا ندرك أن استدراج المقاومة نحو التوقف عن فعالياتها من أجل تشجيع الأميركان على ضرب إيران كما تريد بعض الدول العربية، تؤيدها في ذلك بعض القوى السياسية العربية السنية..

ندرك أن أمراً كهذا قد يؤدي إلى اندلاع مقاومة شيعية قد تبدأ في استنزاف الأميركان، وإذا ما انسحبوا بعد عجزهم عن تحمل الخسائر كما هو متوقع، فستربح المليشيات الشيعية معركة الغالبية السكانية التي تبشر بها.

كما ستربح صورة المقاومة أمام العالم الإسلامي بعدما خسرت صورتها في المرحلة الماضية، في ذات الوقت الذي ستربح معركة التحرير، بينما يخسر العرب السنة كل شيء.

لذلك ينبغي أن يكون واضحاً أننا لا نتحدث في البعد الإيراني خوفاً على إيران، مع أن ذلك ليس عيباً، وليت الأوضاع كانت سليمة وكان الحوار سبيل التفاهم بين المسلمين، لكننا نتحدث خوفاً على جميع العراقيين وعلى العرب السنة وعلى وحدة البلد وهويته العربية والإسلامية.

ولعل من العبث القول إن ثمة لقاء في الأهداف بين الإيرانيين وبين الأميركان في العراق، لأن أميركا لن تستوعب تحول العراق إلى فضاء إيراني من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية، بما يحول إيران إلى دولة إقليمية كبرى، لاسيما في ظل احتمال نجاحها في الاحتفاظ ببرنامجها النووي، فيما نعلم أن أصل مشروع الغزو كان ينص على أن تكون طهران هي المحطة التالية قبل أن تفشله المقاومة.

"
المقاومة هي الضامن الأساسي لحرية العراق ووحدته وهويته العربية الإسلامية، وهي الضامن لإفشال المشروع الأميركي الذي يستهدف الأمة بأسرها، ما يعني أن على أي مخلص أن يدعم وحدتها واستمرارها حتى تتحقق جميع أهدافها
"
كيف تستوعب قوى المقاومة الموقف؟
في ضوء ما تقدم يمكن القول إن مخاطر حقيقية ما زالت تواجه برنامج المقاومة، وإن من الضروري الانتباه إليها والرد عليها بالوسائل الناجعة كي لا تذهب كل تلك الجهود والتضحيات هدرا.

لعل أهم وسائل الرد على تلك المخاطر ترشيد المقاومة من حيث الأهداف، وذلك بالتركيز على قوات الاحتلال والعاملين بشكل مباشر تحت ولايتها ممن يتخصصون في استهداف رجال المقاومة.

ولن يحدث ذلك دون قدر من التنسيق بين الفصائل المجاهدة، ودون التركيز على الإشكالات القائمة بينها وبين تنظيم القاعدة، أو ما يعرف بدولة العراق الإسلامية.

على أي حال، فإن ما ينبغي أن يتفق عليه الجميع هو عدم توفر قطاف يستحق العراك، لاسيما أن جميع الفصائل إسلامية المنهج، وهو ما يعيدنا إلى مسألة الحوار مع الأميركان، وهو حوار ينبغي أن يتم -في حال إقراره- من خلال مجلس تنسيق موحد، ومن خلال شروط واضحة، أهمها جدولة انسحاب القوات الأميركية، إلى جانب الاعتراف بالمقاومة كممثل للعراقيين، فضلاً عن شروط أخرى لعل أهمها إعادة الجيش السابق.

أما العاملون في الميدان السياسي فعليهم أن يثبتوا أنهم سند للمقاومة وليسوا متخصصين في استدراجها إلى الحوار العبثي مع الأميركان، الأمر الذي لم يثبت عملياً خلال المرحلة الماضية بدليل عدم تحقيق أي تقدم في ملفات المعتقلين واستهداف مناطق العرب السنة، فضلاً عن التهميش السياسي لهم في أروقة الدولة.

خلاصة القول أن المقاومة هي الضامن الأساسي لحرية العراق ووحدته وهويته العربية الإسلامية، وهي الضامن لإفشال المشروع الأميركي الذي يستهدف الأمة بأسرها، ما يعني أن على أي مخلص أن يدعم وحدتها واستمرارها حتى تتحقق جميع أهدافها بعون الله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك