صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


بعد الغزو الأميركي للعراق وجدت الأنظمة السياسية العربية نفسها في وضع لم يسبق للمنطقة أن مرت به منذ صارت جزءا من إستراتيجية الغرب، فقد وقعت حروب واحتلال وغزو كان الغرب هو الفاعل أو المدبر لها وكانت الأنظمة السياسية العربية أطرافا فيها، سواء حسب قانون التبعية للغرب أو حسب قانون الصراع والتآمر ضد بعضها البعض.

"
الإدارة الأميركية تدرك أن انتصارها العسكري السريع في العراق تحول إلى ورطة ومستنقع شل حركتها نحو أهداف أجندتها التي أعدتها قبل الحرب
"
ولكن الأمور كانت دائما واضحة من حيث أطرافها وحدودها وأهدافها بعكس ما أضحى عليه الوضع بعد الغزو الأخير رغم وضوح أهدافه في البداية، ما دفع الكثير من هذه الأنظمة إلي المساهمة في الغزو على كل الأصعدة.

فقد ساهمت بداية بمشاركات دبلوماسييها وخبرائها في إسداء النصح والإرشاد أثناء جلسات إعداد خطط الغزو في واشنطن حسب تعبيرات بوب وود ورد في كتاب "حالة إنكار"، وانتهاء بوضع أراضيها ومياهها وأجوائها تحت تصرف قوات الغزو.

ولم تكن أي من الأهداف الحقيقية للغزو تثير شكوك أي من الحكام العرب المتعاونين مع الغزاة، لأن إسرائيل والبترول وخرائط سايكس بيكو كلها مقدسة لديهم مثلما هي لدى الولايات المتحدة، وما كان أحد منهم يشك في أن أهداف الغزو ومراميه تخرج عن هذه الدوافع، ونظام الرئيس العراقي صدام حسين لم يكن معروفا عنه تبني سياسات تحوز رضى الغرب في ما يخص هذه القضايا الثلاث.

غير أن إدارة الرئيس بوش الابن التي لم يسبق لهؤلاء أن تعاملوا مع مثلها، فاجأتهم بما لم يكن في حسبانهم، فبعد إعلانها الحرب على الإرهاب والحرب على أسلحة الدمار الشامل، أعلنت حرب الديمقراطية التي لن ينجو منها أحد من أتباعها المخلصين في حال نجاحها، فكان ذلك بمثابة الصاعقة التي وقعت على رؤوس الجميع.

ولم يكن أمامهم خيار آخر سوى التظاهر بالانخراط في الإصلاح الديمقراطي، لأن إدارة الرئيس بوش بدت مصممة وجادة في هذا الاتجاه، لأنها ترى فيه استكمالا لحربها على الإرهاب ولا يمكن أن تجني ثمارها ما دامت الأنظمة السياسية العربية تمارس طريقتها السابقة في الحكم بما تمثله من تسلط وقمع وكبت، وهي الشروط المثالية لتوفير البيئة الحاضنة للتطرف.

ولكن لحسن حظ هذه الأنظمة جاءها الفرج من الظلمة الحالكة، فقد خرجت المقاومة العراقية من وسط غبار نصر التقنية الأميركية الخاطف، وأخذت مع مرور الوقت تفرض نفسها كمتغير مؤثر ليس على واقع الاحتلال في العراق فقط، بل على مجمل القضايا في المنطقة بما في ذلك علاقة الإدارة الأميركية بالأنظمة السياسية العربية المفجوعة من التغير المفاجئ للأطروحات الأميركية في المنطقة من عدة وجوه.

أولا- أدت شراسة المقاومة واستمرارها إلى جعل الإدارة الأميركية تدرك أن انتصارها العسكري السريع في العراق تحول إلى ورطة ومستنقع شل حركتها نحو أهداف أجندتها التي أعدتها قبل الحرب.

كما حد ذلك من قدرتها على مواجهة ما تعتبره تحديات خطيرة لإستراتيجيتها الكونية في مناطق أخرى من العالم، سواء القريبة من مسرح عملياتها العسكرية في العراق مثل إيران وأفغانستان أو البعيدة عنها مثل كوريا الشمالية.

ثانيا- نتج عن هذا الوضع تململٌ ثم نقد وتمرد على سياسة الرئيس بوش الخارجية، ليس فقط من قبل خصومه السياسيين وإنما أيضا من بين أنصاره وأعضاء حزبه، فقد رأوا أن بلادهم رغم ما تمثله من قوة وتفوق قد أصبحت مكروهة ومحل سخرية في آن واحد، وذلك ليس بسبب ضعفها بل بسبب ما أضحت تتخبط فيه إدارتها من سياسات عرجاء.

ثالثا- بدأت الإدارة الأميركية تتراجع عن أطروحتها الديمقراطية تدريجيا كلما غاصت أقدام المارينز في مستنقع العراق وازدادت صعوبة الحركة والسيطرة على مسرح العمليات، فأحست بحاجتها مرة أخرى إلى حلفائها بكل معايبهم الديمقراطية لضبط حركة المتطوعين الذين ينضمون إلى المقاومة عبر حدود صحراوية شاسعة لم تكن هناك حماسة حقيقية لتشديد الرقابة عليها.

"
الحكمة في هذه المرحلة تقتضي من الأميركيين الصبر على استفزاز الأنظمة وتحديها لمشروع الديمقراطية عل ذلك يضمن تعاون هؤلاء بإخلاص كي يتحقق نصر أميركي واضح على المقاومة العراقية وتعود عجلات القطار الأميركي إلى سكة مشروع الشرق الأوسط الجديد
"
وقد وجدت هذه الأنظمة في تعاظم قوة المقاومة الدرع التي قد تقيها من سيف الديمقراطية الأميركي المسلط فوق رؤوسها، ولهذا غضت البصر عما يجرى عبر حدودها رغم تظاهرها بالتعاون في ضبطها وعدم تبنيها لأفعال هذه المقاومة وأطروحاتها، لأن الذي يهم هذه الأنظمة ليس تحرير العراق الذي شارك معظمها في غزوه واحتلاله، بل ما يهمها هو أن تثخن جراح المقاومة جسد هذا الفيل الأميركي الهائج الذي أصيب فجأة بحمى الديمقراطية.

رابعا- توصلت الإدارة الأميركية وهذه الأنظمة إلى اتفاق ضمني يقضي بتخلي الإدارة عن ادعاءاتها الديمقراطية وترك حلفائها يمارسون طريقتهم المعتادة في الحكم، مقابل التعاون بشكل فعال ومخلص ضد المقاومة عن طريق اختراقها طائفيا وضبط الحدود وتجفيف منابعها داخل بلدانها بالمطاردة والسجن لكل من تشتم فيه رائحة الرغبة في التطوع.

أما من يضبط متلبسا بالدعوة إلى التطوع علنا فعقوبته الإعدام أمام محاكم عسكرية أبوابها مفتوحة للمتطوعين والمعارضين السياسيين على حد سواء، وذلك إمعانا في إحراج راعي الديمقراطية الذي تجري تحت بصره هذه المشاهد وغيرها من قمع المظاهرات والاعتقالات وتعديل الدساتير وإغلاق المنابر الإعلامية دون أن يحرك ساكنا، لأن الوقت بالنسبة للرئيس بوش هو وقت الحكمة وإن كانت متأخرة.

ولا شك في أن الحكمة في هذه المرحلة تقتضي الصبر والمصابرة على مثل هذه الاستفزازات والتحديات لمشروعه الديمقراطي كي يضمن تعاون هؤلاء بإخلاص، ويحقق نصرا أميركيا واضحا لا غبار عليه ضد المقاومة العراقية، ويعيد عجلات القطار الأميركي إلى سكة مشروع الشرق الأوسط الجديد، وبعد ذلك سيكون لكل حادث حديث.

لعل أزمة الأنظمة السياسية العربية قد انفرجت وانزاح عن صدور حكامها جميعهم كابوس الديمقراطية الأميركي، غير أن المقاومة التي كانت سببا في انفراج كربة هؤلاء أضحت بالنسبة إليهم معضلة لا تقل خطورتها على وجودهم عن خطورة مشروع الديمقراطية الأميركي وذلك لعدة أسباب:

1- أنه في حالة التعاون الفعال مع الاحتلال الأميركي ضد المقاومة والقضاء عليها نهائيا، فإن ذلك سيعني انتصارا نهائيا للمشروع الأميركي -وإن كان متأخرا- وبثمن.

وفي هذه الحالة لا أحد يضمن عدم عودة هذه الإدارة إلى أطروحتها الديمقراطية من جديد، ولاسيما أنها لم تعلن رسميا تخليها عنها، بل صمتت فقط وغضت الطرف عن تصرفات حلفائها في هذه المرحلة العصيبة.

لكنها بمجرد أن تنتهي من المقاومة وتستقر في العراق، قد تشهر سيفها الديمقراطي مرة أخرى وهي في وضع أقوى، ولن تعدم حلفاء حسب مقاساتها الديمقراطية في سوق النخب والأحزاب السياسية العربية.

ولهذا فإن هذه الأنظمة رغم تعاونها، لا تتمنى رؤية نصر أميركي حاسم، بل ترغب في حل -تكون هي طرفا فيه- ينقذ ماء الوجه الأميركي ويضمن له انسحابا مشرفا، ويحرم في الوقت نفسه المقاومة من أي نصر حقيقي.

"
أقصى ما تتمناه وتعمل من أجله الأنظمة العربية في هذا الوقت وهى تقف بين نارين، أن تنكسر الشوكة الأميركية إلى الحد الذي يجعل الولايات المتحدة لا تتطلع إلى أكثر من الحفاظ على نفوذها، دون أن يسمح ذلك للمقاومة بتحقيق نصر مدو
"
فهذه الأنظمة المتصالحة مع حال الهزيمة التاريخية لا تستطيع أن تتحمل أي نصر مهما كان ضئيلا تأتي به أي قوة في المنطقة، إذ كاد بعضها يعلن الحرب في الصيف الماضي إلى جانب إسرائيل لمجرد أن المقاومة اللبنانية استطاعت أن تقف في وجه الجيش الإسرائيلي شهرا كاملا، فما بالك بطرد الوحش الأميركي من بلاد الرافدين.

2- في حالة تحقيق المقاومة نصرا حقيقيا ضد الوجود العسكري الأميركي في العراق، فإن ذلك يعد أكثر خطورة على هذه الأنظمة من الديمقراطية الأميركية، لأن هذه المقاومة لم تحظ بأي اعتراف رسمي من قبل الأنظمة العربية بل تبرأت منها وخلطت بينها وبين الإرهاب تزلفا وخوفا من الولايات المتحدة، ومنعت مواطنيها من مؤازرتها ماديا ومعنويا واعتبرت التطوع في صفوفها جريمة عقوبتها الإعدام.

ولذلك فإن انتصارها سيختلف عن انتصار المقاومة الجزائرية التي كانت تتبناها كل الحكومات العربية رسميا آنذاك، ولم يكن أحد يخشي انتصارها وقيام دولتها في شمال أفريقيا على أنقاض المشروع الاستيطاني الفرنسي.

إذا قيض للمقاومة أن تطرد الوجود العسكري الأميركي الذي يمثل رمز سيادة الغرب وعنجهيته فإنها وبطريق أولى لن تخشى ما دون ذلك من القوى الإقليمية.

ولهذا فان نصرا بهذا الحجم -إذا ما قيض له أن يحدث- لن يبقى بعده أي شيء في المنطقة مثلما كان عليه في السابق بما في ذلك الأنظمة السياسية، ولاسيما تلك التي تتهمها المقاومة العراقية بأنها تآمرت وحرضت وشاركت في غزو بلادها وتدميرها.

إن أقصى ما تتمناه وتعمل من أجله الأنظمة العربية في هذا الوقت وهى تقف بين نارين، أن تنكسر الشوكة الأميركية إلى الحد الذي يجعل الولايات المتحدة لا تتطلع إلى أكثر من الحفاظ على نفوذها وحلفائها السابقين في المنطقة، دون أن يسمح ذلك للمقاومة بتحقيق نصر مدو لن تكون عقابيله محمودة على الجميع ودون استثناء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك