ناجي علوش

هل هناك إمكانية لسلام بين العرب والكيان الصهيوني؟ هذا موضوع مختلف فيه، لا من أيام منظمة التحرير الفلسطينية فحسب، بل من قبل ذلك، في أيام الهيئة العربية العليا والحاج أمين الحسيني.

فقد انفجر الخلاف بين المجلسيين والمعارضين عام 1936، حين كان المجلسيون بزعامة الحاج أمين الحسيني مع الثورة واستخدام السلاح، وكان المعارضون وعلى رأسهم راغب النشاشيبي والمحامي أحمد صدقي الدجاني ولويس شحادة صاحب جريدة "مرآة الشرق"، ضد الثورة.

"
لا إمكانية لسلام بين العرب والصهاينة، ليس لأن العرب لا يريدون سلاما، بل لأن فهم القيادات الصهيونية للسلام مختلف عن فهم العرب له
"
واشتد الصراع حتى قامت حركة اغتيالات اغتيل فيها النشاشيبي وأحمد صدقي الدجاني، لأنهم كانوا يدعون إلى التفاهم مع الإنجليز واستتباعا عمليا مع الصهيونيين.

وعندما طرحت قضية التسوية والحل المرحلي بعد 37 عاما في 1973، أثار نايف حواتمة الموضوع ولام الحاج أمين الحسيني لأنه لم يتجه إلى التسوية.

وكان من رأي حواتمة أن الحاج أمين أخطأ لأنه لو اتجه إلى التسوية لكانت هناك دولة فلسطينية اليوم، ولما كان شعبنا الفلسطيني في الشتات.

ونرى من الضروري أن نعود إلى المشكلة وأن نسأل: هل كانت حقا ثمة إمكانية لسلام؟

ونحن نقول لا إمكانية لسلام بين العرب والصهاينة، لا لأن العرب لا يريدون سلاما، بل لأن فهم القيادات الصهيونية للسلام مختلف عن فهم العرب له، وكان ذلك هو موقف بريطانيا، ثم الآن الولايات المتحدة ومن يأخذ برأيها.

فكل ما طرح من مشاريع للتسوية، بما في ذلك تقسيم 1947 كان استدراجا للتنازلات الفلسطينية والعربية، وإعطاء الشرعية للهجرة الصهيونية وقيام الكيان الصهيوني، بينما كان قادة المشروع الصهيوني يرون أن الكيان "الدولة" لا يقوم إلا باغتصاب الأرض وتهجير السكان، لأن قرار التقسيم لم يكن قابلا للتطبيق، إذ كيف تقوم دولة يهودية أغلب أرضها ملك للعرب وأغلب سكانها من العرب.

والسلام بالنسبة للولايات المتحدة ليس سلاما بين العرب والكيان الصهيوني، بل هو سلام أميركي يفرض على العرب والوطن العربي كله. ولو كان الموضوع يتعلق بالفلسطينيين لكان الأمر سهلا.

وقد قدم محمود عباس، وياسر عرفات من قبله، كل ما يجب أن يقدم من استعداد للاعتراف بالعدو والتفاوض معه والتنازل له. ولم يقتصر ذلك على القادة الفلسطينيين وحدهم، بل تقدم مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002 بصفقة شاملة، فلم تلتفت حكومة العدو ولا حكومة الولايات المتحدة إلى المبادرة العربية، ما اضطر القادة العرب إلى تكرار المبادرة في قمة ثانية.

"
العدو الصهيوني الأميركي لا يرى إمكانية للسلام ما دامت حماس قائمة ومسلحة، وما دام حزب الله موجودا ومسلحا، وما دامت هنالك ممانعة شعبية عربية، وأدنى أدنى ممانعة رسمية عربية
"
ولم يجد القادة العرب استعدادا لدى العدو الصهيوني ولا لدى الولايات المتحدة لمباحثتهم حول مبادرتهم، لأن الحكومات الأميركية وحكومة دولة العدو تريد أن يحل الاعتراف أولا ويسلم بالأمر القائم الآن، بما في ذلك الجدار والحدود، ويسبقه ثانياً إجراء تغييرات عميقة في الوضع العربي، كالذي جرى في العراق قبل حديث السلام.

وقد أتت ضربة العراق لتحدد معنى السلام.. تدمير كامل وإسقاط نظام الحكم، وحل القوات المسلحة، وتهديم بنية الدولة، والحديث عن فسيفساء طائفية بدل الدولة.

والذي جرى في العراق جزء من عملية السلام الصهيونية الأميركية، ولا يدري أحد متى يطبق مثل ما جرى في العراق على سوريا ومصر والجزائر والمغرب، وقد لا يفلت بلد عربي واحد من التجزيء.

وهذا هو ما يطبق جزئيا الآن في السودان، وبعدئذ قد ينظر العدو الصهيوني الأميركي في موضوع السلام.

ولهذا فإننا نقول للرؤساء العرب وللمولعين بحديث السلام، إن المطلوب منكم أن تدمروا بأيديكم ما لم يدمره العدو الصهيوني الأميركي، وما يجري العمل على تدميره.

إن العدو الصهيوني الأميركي لا يرى إمكانية للسلام ما دامت حماس قائمة ومسلحة، وما دام حزب الله موجودا ومسلحا، وما دامت هنالك ممانعة شعبية عربية، وأدنى أدنى ممانعة رسمية عربية.

"
ينبغي أن لا تُتعب القيادات العربية نفسها وأن لا يتعب المهووسون بالسلام أنفسهم لأن العدو يعرف ما يريد، فهو يريد أرضا مستنزفة وخاوية وقيادات وحكومات مستسلمة بلا مطالب
"
فالمطلوب الاستسلام الكامل لما يريده المشروع الصهيوني، ولذلك فإن الجهود منصبة الآن على تفجير حرب أهلية في لبنان وفلسطين والعراق وسوريا، وفي مصر والجزائر والمغرب، ليصبح السلام ممكنا.

فينبغي أن لا تتعب القيادات العربية نفسها وأن لا يتعب المهووسون بالسلام أنفسهم، لأن العدو يعرف ما يريد، وهو يريد أرضا مستنزفة وخاوية، وقيادات وحكومات مستسلمة بلا مطالب، لا قدس، لا قضية لاجئين، ولا مطالب أخرى، وعندئذ يجيء السلام الصهيوني الأميركي.

إن فهم قضية السلام بغير هذه الطريقة يجعل حديث العرب عن السلام غير مقبول ولا محل له من وجهة نظر أميركا. ومن ثمّ فإن المطلوب ليس تكرار مبادرة السلام العربية أو طرح قضية السلام على العدو، بل إعادة نظر شاملة في قضية ما يسمى السلام ومعرفة نوايا المعسكر الصهيوني الأميركي البريطاني الدولي.

يريدون سلاما مع أموات ومدن مخربة، ومع بقايا أحياء اقتتال بين سنة وشيعة ونصارى ومسلمين، ولا يريدون سلاما مع أحياء يبحثون عن وطن ووحدة وحرية وكرامة وحقوق مشروعة.

لقد عارضت مشروع السلام منذ طرح، وقلت ذلك عندما طرحت النقاط العشر في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974.. وأعود الآن فأكرر ما قلت ليسمعني، لا الفلسطينيون فقط، بل العرب كلهم أيضا، بعد ما جرى في العراق وفي السودان والحبل على الجرار.

ليس هدفي المعارضة وإن كنت معارضا، ولكن إيضاح المشكلة وتنبيه العقلاء في الوطن العربي، والحريصين على ما تبقى من الوطن العربي، والذين يريدون أن يتعلموا وأن يروا الحقيقة وأن يفهموا ما يجري، لأن مصلحة العدو أن تلتبس الأمور وأن تتراكم الأوهام وأن تختلط المفاهيم، وأن يصبح مفتاح كل القضايا في أيدي الضعفاء والمستسلمين.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة