محمد مورو

خلاف عقائدي وشخصي
دلالات توقيت صدور قرار الحرمان
خطورة التكفير الكنسي المعاصر
علاقة قرار الحرمان بخلافة البابا شنودة

وافق المجمع المقدس للأقباط الأرثوذكس بالكنيسة الأرثوذكسية المصرية "الكرازة المرقسية" بالإجماع على حرمان الدكتور جورج حبيب بباوي وفصله من الكنيسة الأرثوذكسية.

الاجتماع عقد برئاسة البابا شنودة الثالث بطريرك الكرازة المرقسية، وبحضور 66 أسقفاً يمثلون جميع الأبرشيات في الداخل وفي المهجر، وقال الأنبا بيشوي السكرتير العام للمجمع المقدس في مؤتمر صحفي عقب الاجتماع إن مبادئ جورج حبيب بباوي ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية إلى أن يتوب عنها، وإنه في حالة إعلانه ذلك عليه أن يقدم طلباً مكتوباً للمجمع المقدس ثم تنظر الكنيسة فيما يتم اتخاذه بشأنه.

لكن الدكتور جورج حبيب بباوي أعلن عقب صدور القرار أنه سيلجأ إلى القضاء الإداري ومجلس الدولة وهما أعلى هيئتين قضائيتين في مصر بالنسبة للقرارات الإدارية والجزائية الخاصة بعلاقة الأفراد بالهيئات.

واتهم قرار المجمع المقدس بعدم الدستورية، وبأنه صدر غيابياً دون أن يسمح له بالاطلاع على التهمة المنسوبة إليه، وإعطائه الحق في تفسيرها أو الدفاع عن نفسه بشأنها، أو الدخول في مناقشة مع كبار الكهنة حول صحة أو عدم صحة ما كتبه وقاله في هذا الصدد.

خلاف عقائدي وشخصي

"
جورج بباوي دعا البابا شنودة إلى توبة علنية واعتذار وتراجع عما كتب، ولكن الدوائر المؤيدة للبابا شنودة ترى أنه لا يجوز مخالفته لأنه البطريرك وحامي الإيمان المسيحي في العصر الحديث
"
نحن أمام قضية لها ملابساتها الطويلة، والمعروفة حول اجتهادات مجموعة معينة من داخل الكنيسة المصرية لها رؤيتها الخاصة والمختلفة شيئاً ما عن البابا شنودة ورجاله داخل الكنيسة. ونقصد بها مجموعة الأب "متى المسكين" الذي أطلق عليه البابا شنودة ذات يوم "متى المسكون".

وهو نوع من الغمز لا يخفى على أحد بالطبع. وكان الأب متى المسكين يرى عدم مشروعية ما يفعله البابا شنودة من تدخل في الأمور الدنيوية، وأن الكنيسة يجب أن تهتم بالأمور الروحية فقط.

كما يرى أن الكنيسة تحولت في عهد البابا شنودة إلى ناد اجتماعي وحزب سياسي وشركة اقتصادية، وهو ما يخالف العقيدة الأرثوذكسية للكنيسة المصرية، ويخالف تقاليدها العريقة التي أصبحت علماً عليها منذ تأسيسها على يد القديس مرقص وحتى آخر الباباوات.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأب متى المسكين كون مدرسة من تلاميذه في دير الأنبا مقار، وأصدر عدداً من الكتب اللاهوتية والكراسات الإيمانية طبعها دير الأنبا مقار واعتنقها تلاميذه وكانت مختلفة فيما يخص العقائد اللاهوتية الأرثوذكسية عما يعتقده ويقوله البابا شنودة.

وقد علق البابا شنودة على كتاب الأب متى المسكين المعنون بـ"الأصول الإيمانية الأبائية الأرثوذكسية" وقال إنه "تعليم خاص بفئة خاصة تتشبه بالشيطان".

هذا الصراع العقائدي الذي تحول إلى صراع شخصي بين الأب متى المسكين الأقدم في سلك الكهنوتية وبين البابا شنودة الذي اعتلى كرسي البطريركية عام 1971، مرّ بمحطات كثيرة منذ سبعينيات القرن الماضي واستمر حتى وفاة الأب متى المسكين في بداية القرن الحالي.

ورغم قول البابا شنودة إن الأب متى المسكين وتلاميذه يرددون كلاماً خاصاً بفئة تتشبه بالشيطان فإن المجمع المقدس لم يصدر قراراً بحرمان الأب متى المسكين، ولكن تم عزله عن المجتمع المسيحي في دير الأنبا مقار.

واكتفى بأن يكون تأثيره على مجموعة من تلاميذه، ومن هؤلاء التلاميذ جاء الدكتور جورج حبيب بباوي الذي عمل مدرساً في الكلية الإكليريكية بمصر، ثم في جامعتي توتنهام وكامبريدج في إنجلترا، ثم أصبح عميداً لمعهد الدراسات الأرثوذكسية بالولايات المتحدة الأميركية، وقد أصدر في رحلته الطويلة عدداً من الكتب والدراسات التي تعكس تأثراً واضحاً بفكر الأب متى المسكين واختلافاً مع البابا شنودة.

واتهم الدكتور جورج حبيب بباوي البابا شنودة شخصياً بأنه يهاجم الإيمان الذي دونه آباء الإسكندرية، وأنه يمزق المسيح الواحد إلى اثنين، ويكتب بيده ذات إيمان أريوس، وأن حقده على الأب متى المسكين وتلاميذه من كهنة دير الأنبا مقار حتى وصف إيمانهم الذي هو إيمان الكنيسة الجامعة (أثناسيوس وكيرلس بل والقديس بطرس وبولس الرسول أنفسهم) بأنه نوع من الشرك بالله.

ويضيف جورج حبيب بباوي أن هذا الذي قاله وفعله البابا شنودة يعتبر توجيها للجماعات المتطرفة المسيحية إلى ذبح وقتل رهبان دير الأنبا مقار.

ودعا جورج بباوي البابا شنودة إلى توبة علنية واعتذار وتراجع عما كتب. وبديهي أن الدوائر المؤيدة للبابا شنودة والمدافعة عنه ترى أنه لا يجوز مخالفة البابا شنودة لأنه البطريرك، وأن البابا شنودة هو حامي الإيمان المسيحي في العصر الحديث وأن أحداً لا يستطيع أن يصل إلى العلم اللاهوتي الذي وصل إليه.

دلالات توقيت صدور قرار الحرمان

"
الخلاف العقائدي بما وصل إليه من حدة واتهام بالكفر والشيطنة لجورج بباوي ليس أمراً جديداً، بل يرجع تاريخه إلى القرن الماضي
"
هذا التلاسن والخلاف العقائدي بما وصل إليه من حدة واتهام بالكفر والشيطنة وغيرها -بل بما وصل إليه من اتهام بعض أنصار شنودة في قناة "أغابي" المسيحية لجورج بباوي بأن أمه يهودية- ليس أمراً جديداً فتاريخه يرجع إلى القرن الماضي.

ولكن صدور قرار الحرمان بحق بباوي في 21/2/2007 يدعو إلى التساؤل عن ما الذي جد في المسألة حتى يحدث ذلك. وفي الحقيقة فإن عدداً من الملابسات تحيط بالموضوع منها أن الدكتور جورج حبيب بباوي كان قد شن حملة قوية على البابا شنودة شخصياً على صفحات جريدة روز اليوسف اليومية المصرية تطرقت إلى سوء الإدارة المالية والإدارية للبابا شنودة في الكنيسة ولكنها لم تتطرق إلى المسائل العقائدية.

فهل جاء قرار حرمان بباوي عقابا له على نقده للإدارة المالية والإدارية للبابا شنودة، وإن لم يتضمن القرار هذا السبب، بل بحث عن آراء جورج بباوي العقائدية القديمة المعروفة وجعل حرمانه استناداً إليها. ومن المفارقة أن آراء بباوي تلك هي ترديد لآراء الأب متى المسكين الذي لم يصدر قرار حرمان بشأنه.

وهذا الأمر يذكرنا بالعديد من الأحداث والمواقف التي حدثت لبعض المسيحيين في مصر عندما تجرؤوا وانتقدوا فساد بعض المقربين من البابا شنودة في إدارة الكنيسة أو اعترضوا على أسلوب الإدارة هذا أو رفضوا آراء البابا السياسية، حيث تعرضوا للعقاب البابوي.

فالسيد جمال أسعد عبد الملاك عضو مجلس الشعب سابقا وأحد الرموز السياسية والقبطية في مصر، حين جاهر برفضه لتدخل البابا في الشأن السياسي معتبراً ذلك غير مشروع ومضرا بقضية الأقباط وبقضية المواطنة وبمصر عموماً، عاقبه البابا بإصدار قرار يمنع حضور أي كاهن أو رمز مسحي رسمي لأي مؤتمر أو حديث له في مكان عام.

ووصل الأمر إلى حد منع جمال أسعد من الكلام في وجود أحد الكهان بمؤتمر لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي بالإسكندرية رغم أنه كان أحد قيادات هذا الحزب في ذلك الوقت.

وقد رصد الكاتب والباحث المسيحي الدكتور رفيق حبيب عدداً من تلك الوقائع والأحداث. وتجربته الشخصية هو نفسه في كتاب تحت عنوان "اغتيال جيل، الكنيسة وعودة محاكم التفتيش –تجربة ذاتية" الصادر عن دار يافا في مصر عام 1992. ولكن الأكثر خطورة ودلالة هو ما حدث بالنسبة للأب إبراهيم عبد السيد كاهن كنيسة حدائق المعادي، والذي انتقد بعض التصرفات الخاصة ببعض رجال الكنيسة، فتم طرده من الكنيسة.

وظل مطروداً إلى أن مات عام 1999 وعندما مات رفض البابا شنودة أن يصلي عليه أو يسمح لأحد من الكهنة بالصلاة عليه أو حتى بدخول جثمانه إلى إحدى الكنائس في طول مصر وعرضها، وقد تنقل جثمان الرجل من الإسكندرية إلى القاهرة ولم يتم السماح بدخوله أي كنيسة.

ثم اضطر أهله إلى إقامة الصلاة على جثمانه بالشارع وعن طريق أحد "العلمانيين" أي غير رجال الدين المسيحي وتم دفنه!! وهو ما أثار وقتها نوعاً من الشعور بالغثيان والأسى داخل المجتمع المصري.

خطورة التكفير الكنسي المعاصر

"
الكنيسة عند المسيحيين تمثل إرادة الرب ولذلك فإن قرار الحرمان يعني الطرد من الملكوت المسيحي ودخول جهنم، وهو مختلف عن التكفير في الإسلام, الذي هو اجتهاد يخطئ ويصيب
"
التكفير ومحاكم التفتيش ليس شيئاً جديداً على المسيحية في العالم، فلقد شهدت القرون الوسطى محاكم التفتيش الكنسي التي بحثت في الضمائر وعاقبت وحرقت وقتلت بلا هوادة كل من يخالف الرأي الرسمي للكنائس، ليس في القضايا اللاهوتية فقط، بل في القضايا العلمية أيضاً.

وبالنسبة للكنيسة المصرية فإن تيار التكفير ليس جديداً عليها كذلك، فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن تيار الأب دانيال الذي يعمل في كنيسة المنيا هو تيار تكفيري بامتياز يقول عنه الباحث الدكتور رفيق حبيب في كتابه المسيحية السياسية في مصر "إنه تيار يتميز بالحساسية الشديدة تجاه كل من لا يتفق معه وإن تعريفه للمؤمن يخرج من دائرة الإيمان كل التيارات الفكرية المسيحية، ولا يبقي في هذه الدائرة إلا التيار الذي يمثله".

ولكن هذا التيار يظل تياراً محدوداً لا يمثل الرأي الرسمي للكنيسة رغم كون أحد رموزه هو أب أرثوذكسي معترف به داخل الكنيسة.

أما انزلاق الكنيسة الرسمية إلى التكفير في القرن الواحد والعشرين فهي مسألة خطيرة، لأن الكنيسة من الناحية الدينية تمثل إرادة الرب ومن ثم فقرار الحرمان يعني الطرد من الملكوت المسيحي ودخول جهنم.

وهو هنا غير التكفير في الإسلام، لأن التكفير في الإسلام اجتهاد فرد أو مؤسسة تخطئ وتصيب فلا عصمة لفرد ولا لمؤسسة في الإسلام إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم فهو قرار غير ملزم لله تعالى –حاشا لله– وبالتالي فمن الممكن أن يصدر قرار أو رأي بتكفير أحد الناس، ولكنه يظل مؤمناً بالنسبة لله تعالى، والله أعلم بالنوايا.

وهذا خلاف جوهري بالطبع يجعل من الخطورة بمكان تسلل فكرة التكفير والحرمان إلى الكنيسة المصرية الرسمية بهذه الطريقة.

علاقة قرار الحرمان بخلافة البابا شنودة
يفسر بعض المراقبين صدور قرار الحرمان بحق الدكتور جورج حبيب بباوي في هذا التوقيت بالذات، بأنه رسالة قوية من الأب بيشوي –الرجل الحديدي والقوي والطامح إلى خلافة البابا شنودة– إلى الوسط الكنسي على طريقة "اضرب المربوط يخاف الآخرون".

"
يفسر بعض المراقبين صدور قرار الحرمان بحق الدكتور بباوي في هذا التوقيت بالذات بأنه رسالة قوية من الأب بيشوي –الرجل الحديدي الطامح إلى خلافة البابا شنودة– إلى الوسط الكنسي
"
والأب بيشوي هو السكرتير العام للمجمع المقدس، ويحاول أن يجمع المؤيدين من حوله، ويبدد شمل معارضيه. وقد قام مؤخراً بتحويل الأب كيرلس أسقف نجع حمادي إلى التحقيق ولكن ضغوطاً من أهالي نجع حمادي ووساطات كنسية نجحت في إلغاء تلك المحاكمة وإعادة الأنبا كيرلس إلى أسقفية نجع حمادي.

وكانت أوساط كنسية وجبهة الإصلاح الكنسي قد هاجمت الأنبا بيشوي من خلال عدد من المنشورات متهمة إياه باستغلال النفوذ وإثارة القلاقل بين الأقباط والانفراد بالسلطة داخل الكنيسة ودعت إلى عزله لانفراده بالتحقيقات والمحاكمات الكنسية.

ومن ثم فإن توقيت صدور القرار الخاص بحرمان الدكتور بباوي هو نوع من إظهار العضلات من البابا بيشوي المسيطر الحقيقي على المحاكمات والتحقيقات والكثير من شؤون الكنيسة، على أساس أنه يتوعد كل من يعارضه بإمكانية صدور نوع من العقاب له، وذلك في إطار استعداده لخلافة البابا شنودة الذي يعاني من التقدم في السن وسوء الحالة الصحية.
ـــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة