فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


في العاشر من هذا الشهر وبعد طول تمنّع، سوف تجلس وزيرة الخارجية الأميركية الآنسة كوندي (كوندوليزا رايس) أخيراً، إلى طاولة واحدة مع ممثلي الأمم المتحدة ووزراء خارجية روسيا وفرنسا، ومن حولهم العديد من زملائهم وزراء خارجية البلدان العربية ودول الجوار العراقي والمنطقة والعالم، لأجل مناقشة صريحة وغير مسبوقة لأوضاع العراق في إطار مؤتمر دولي موسع، أصبح فيه حضور طهران ودمشق أمراً واقعاً بل مرغوباً فيه.

"
مجرد قبول الأميركيين بفكرة انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت اللافت يعني من بين ما يعنيه أن واشنطن باتت أكثر تقبلاً لحقائق الواقع ومتطلباته ومعطياته على الأرض، وربما أكثر تفهماً لأهمية التعاطي معها ولو على مضض
"
ليس هذا المؤتمر الذي تعجّل الأميركيون عقده في بغداد، بينما ينفذ جنودهم خطة كبرى لتأمين العاصمة العراقية (على طريق تأمين العالم كله حسب منطوق النظرية الأمنية الجديدة)، سوى مؤتمر لمناقشة الطرق والأساليب الكفيلة بإنقاذ النموذج العراقي من السقوط نهائياً.

ومن غير شك فإن مجرد قبول الأميركيين بفكرة انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت اللافت، يعني من بين ما يعنيه أن واشنطن باتت أكثر تقبلاً لحقائق الواقع ومتطلباته ومعطياته على الأرض، وربما أكثر تفهماً لأهمية التعاطي معها ولو على مضض.

ثمة ثلاث وقائع سوف تكون حاضرة بقوة في مناقشات الضيوف للنموذج العراقي.

أولاها أن الولايات المتحدة الأميركية، وبعد أربع سنوات من غزو هذا البلد التعيس، لم تعد اللاعب الوحيد في الميدان الذي تلطخ كل ركن فيه بالدم، بل إن هناك لاعبين فرضتهم الظروف، أو تمكنوا هم بدهاء من استثمار أخطاء اللاعب الذي انفرد بالملعب، بينما سيحضر لاعبون هواة شاءت أقدار هذا البلد المنكوب أن يلعبوا في ملعبه، رغم أنفه أدواراً ما كان لهم أن يحلموا بها.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية لن تصبح بعد اليوم سوى طرف واحد بين أطراف كثيرة في مشكلة لم تعد مشكلة عراقية وحسب.

لكن الأميركيين وهم يجلسون إلى اللاعبين المحترفين والهواة على حد سواء، سوف يجدون أنفسهم مضطرين إلى طلب التقيّد بقواعد اللعب من الجميع.

إنه أمر واقع جديد لا تستطيع السياسة أو الآلة الحربية الأميركية الجبارة تغييره.

ها قد أصبح مهندس النموذج مجرد طرف بين أطراف أخرى مطالبة، إما بتغييره وإما بإقرار مبدأ وحق تعديله وتكييفه مع مصالح الشركاء الجدد.

كما أن واشنطن باتت كذلك، أكثر إدراكاً لحقيقة أن مشكلة النموذج العراقي لم تعد مشكلة (جوار عراقي) فضولي ومتطفل، أو إقليمي متدخل، أو "محرض من وراء ستار" أو مستفيد في الخفاء، وأنه- أي النموذج- دخل طوراً جديداً من تطوره هو الأكثر خطورة.

إنه على نحو ما نموذج مماثل في تركيبته لفيروس إنفلونزا الطيور، قابل لأن يتطور أو يتحول بسرعة مباغتة ليصبح بين ليلة وضحاها شبيهاً بالوباء الذي تنتقل عدواه بين الدول.

لقد غدا النموذج العراقي مشكلة دولية بالفعل، وفي هذا النطاق وحده فإن قبول الأميركيين بفكرة الجلوس إلى شركاء مضاربين (يزايدون عليهم في السر والعلن كما هو الحال مع بعض الزعماء الأوروبيين المتشفين بسقوط حلفائهم في المستنقع العراقي)، إنما يعني بوضوح قبولاً متأخراً بمشروع قديم سبق لهم أن رفضوه.

ليس هذا المشروع الذي سوف يعيد الأميركيون طرحه على الضيوف سوى مشروع تدويل مشكلة النموذج العراقي.

وعملياً الطلب من الأمم المتحدة أن تلعب دوراً أكبر وتقبل تسلم الملفات الأمنية المعقدة في عراق يغوص كل يوم في الوحل.

مثل هذا الطلب كان حتى وقت قريب أبعد ما يكون عن تفكير الأميركيين، إذ كانوا يحشدون العالم طوال السنوات الأربع الماضية حول مهمة (دعم النموذج العراقي) بوصفه موديلاً شرق أوسطي جذابا، وذلك عبر تقديم الهبات والقروض والمساعدات وكل أشكال التأييد السياسي.

واليوم بات الأميركيون يريدون من الشركاء الجدد وبإلحاح تقديم شيء آخر: إرسال قوات دولية إلى العراق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام النموذج. هذا هو المطلب الذي يجتمع العالم كله في بغداد لمناقشته.

ثانيها أن واشنطن تريد استباق الفشل في تطبيق خطة بغداد، ولنقل الاستعداد لمرحلة أخرى من تطور النموذج الذي أصبح حسب أعضاء الكونغرس نموذجاً مخيفا.

لقد أظهرت ستة عشر يوماً فقط من تطبيق الخطة أن شبح الانهيار والفشل يتبختر في شوارع بغداد، وأنه يتجول هناك بحرية حيث لا أحد تقريباً يملك القدرة على صّده أو ردعه.

لذلك فإن المهمة الثانية الكبرى للمؤتمر هي حشد المزيد من دول العالم، لتقديم تأييد سياسي علني يوفر غطاء كافياً يؤمن الظروف اللازمة الكفيلة بتعديل النموذج وجعله أكثر قابلية للحياة.

"
أكثر ما يخشاه عبد العزيز الحكيم ومن خلفه طهران ليس هو سقوط حكومة حزب الدعوة، وإنما تلاشي فرصة الائتلاف الشيعي التاريخية في الحكم، مع صعود نجم علاوي واقتراب الأميركيين من لحظة القبول بتفكيك العملية السياسية
"
إن التزامن المثير والمفاجئ بين انعقاد المؤتمر وتنفيذ خطة أمن بغداد، يدل على أن الأميركيين اقتربوا أكثر فأكثر من لحظة تعديل هذا النموذج من خلال إلغاء العملية السياسية القائمة على المحاصّة الطائفية، وإضعاف هيمنة الائتلاف "الشيعي" الشرس الوثيق الارتباط بطهران، وربما حل البرلمان وترحيل حكومة المالكي، بما يمهد الطريق أمام قيام حكومة مؤقتة بقيادة أكثر علمانية وأقل طائفية، تعمل بسرعة ودون تلكؤ على إلغاء قانون اجتثاث البعث وإلغاء الدستور الحالي أو تعديله، وتنظيم انتخابات عامة تطلق عملية سياسية جديدة.

ثالثها أن الترابط بين انعقاد المؤتمر الدولي وفكرة إرسال قوات "حفظ سلام"، وبين تفكيك العملية السياسية برمتها، أصبح متلازماً مع حاجة الأميركيين إلى ضمان فاعلية ترتيبات ما قبل الانسحاب من العراق. وهذا ما سوف يتوقف المؤتمر أمامه طويلاً.

عربياً، ستكون هناك مطالب بحماية الحدود العراقية الإيرانية لمنع أي محاولة إيرانية لابتلاع العراق في حال حدوث فراغ أمني ناجم عن انسحاب أميركي.

أميركياً، هناك حاجة موازية وملحة بدرجة أكبر وأهم من ذلك: ضمان أمن إسرائيل. وبالطبع من خلال مظلة أمنية واسعة ومحكمة عربية وإقليمية، تمنع تسلل المتشددين الإسلاميين أو رجال القاعدة من العراق إلى "دول الجوار" وبشكل أخص إلى لبنان عبر سوريا صوب الشمال الإسرائيلي.

ذلك ما تفسره سلسلة من الوقائع المترابطة، مثل إصرار واشنطن على أن الجلوس إلى طهران لا يعني الحوار التلقائي معها. الإيرانيون من جانبهم، سوف يقاومون فكرة "تعديل النموذج" وسيناورون طويلاً على جبهة ترحيل الحكومة، وقد يطرحون اسم عادل عبد المهدي كبديل عن المالكي، ولكنهم في النهاية لن يغضبوا واشنطن لأنها غاضبة عليهم بما فيه الكفاية.

ومن المحتمل أن يدور الحوار الأميركي الإيراني في الكواليس حول مسائل أخرى أبعد ما تبدو –شكلياً- عن المشكلة مثل لبنان، حيث المطلوب من طهران القبول الصريح بالمحكمة الدولية وتحويل حزب الله إلى حزب سياسي، والمساهمة في تأمين حدود إسرائيل الشمالية من خلال منع تدفق رجال القاعدة عبر أراضيها إلى العراق فسوريا ثم إلى لبنان، فهذه أفضل خدمة يمكن لطهران أن تقدمها لواشنطن على طريق تبريد الملف النووي.

ويبدو أن الإيرانيين استبقوا هذه المطالب وأرسلوا عبر المملكة العربية السعودية إشارات تؤكد استعدادهم لإقناع حزب الله بالمحكمة الدولية.

داخلياً، ثمة مؤشرات أخرى هامة على فشل العملية السياسية وانهيارها الوشيك بالتوازي مع فشل الخطة الأمنية.

المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، مثلاً أدرك قبل غيره من الجماعات أن النظام السياسي القائم يحتضر، وأن الائتلاف الشيعي يعيش مأزقاً خانقاً بفعل قوة الخصومة التاريخية، وبفعل التنافس الفلكلوري المفضوح بين أطرافه.

ولذلك فمن المرجح أن يستثمر أجواء المؤتمر وحضور طهران ليدفع باتجاهين:

الأول: تسريع عملية ترحيل المالكي واستبداله بعادل عبد المهدي، مما يعني الاستعداد لحقبة جديدة يظهر فيها اصطفاف سياسي قد لا تلعب فيه الأحزاب الشيعية دوراً مهيمناً.

وهذه المناورة ستكون مصممة لإحباط مناورات خصوم الائتلاف الشيعي (كالقائمة العراقية بقيادة علاوي العائد بقوة إلى واجهة الأحداث).

وفي هذا الإطار سيراقب الائتلاف الشيعي الكيفية التي يتطور بها هذا الاصطفاف قبل أن ينعقد المؤتمر الدولي، وسيلاحظ كيف أن علاوي -الذي هدد عشية المؤتمر بالانسحاب من العملية السياسية، وفوق ذلك راح يقدم نفسه من جديد كعلماني ضاق ذرعاً بالهيمنة الطائفية- يسعى هذه المرة من دون تردد إلى بناء تحالف سياسي عريض يضم الأكراد والسنة.

إن سلسلة الاجتماعات التي عقدها علاوي مؤخراً مع قادة التوافق والبرزاني، تشير بقوة إلى هذا المنحى من تطور الاصطفاف الجديد.

ولذلك فإن أكثر ما يخشاه عبد العزيز الحكيم ومن خلفه طهران، ليس سقوط حكومة حزب الدعوة، وإنما تلاشي فرصة الائتلاف الشيعي التاريخية في الحكم، مع صعود نجم علاوي واقتراب الأميركيين من لحظة القبول بتفكيك العملية السياسية.

"
قراءة متأنية في تصريحات أعضاء قياديين في المجلس مؤخراً بخصوص "حل المليشيات" تعني أن المجلس قد يبادر بنفسه إلى تبني هذا المطلب، ليس تفاديا للإحراج الذي يتسبب فيه وجود مليشيات فيلق بدر، وإنما من أجل التخلص نهائياً من جيش المهدي
"
في النهاية سيرحب الإيرانيون بترحيل المالكي بشرط استبداله بمرشح المجلس الأعلى عادل عبد المهدي، الذي هو الطلقة الأخيرة في جعبتهم.

وفي هذا النطاق يمكن تفسير الاتهام الخطير الذي أطلقه عبد المهدي بعد ساعات فقط من فشل محاولة اغتياله في وزارة البلديات.

حيث كان اتهام عبد المهدي لأحد وكلاء وزير الأشغال بأنه العقل المدبر والمنفذ للمؤامرة، موجهاً في الصميم لأحد أبرز قادة التيار الصدري حلفاء حزب الدعوة ورئيس الوزراء المالكي.

إن هذا الاتهام غير المسبوق ينطوي، ومن دون الحاجة إلى أي توظيف سياسي مباشر، على اتهام ضمني لحكومة المالكي نفسه بأنها "ضالعة في محاولة الاغتيال".

الثاني: تبني المجلس الأعلى وفي سياق المناورة السياسية ذاتها لمطلب حل المليشيات.

إن قراءة متأنية في تصريحات أعضاء قياديين في المجلس مؤخراً، بخصوص "حل المليشيات" تعني أن المجلس قد يبادر بنفسه إلى تبني هذا المطلب، لا تفاديا للإحراج الذي يسببه وجود مليشيات فيلق بدر، وإنما من أجل التخلص نهائياً من جيش المهدي.

من جانبه استشعر الصدر فور وقوع محاولة الاغتيال واتهام عبد المهدي، الخطر الذي بات يهدد جيشه بالفناء، ولذا أصدر تعليماته إلى قادة تياره بالتوجه بسرعة إلى طهران الملاذ الآمن الوحيد.

وبذلك يكون المجلس الأعلى، وفي إطار الاستعداد لحقبة ما بعد المؤتمر الدولي، قد دفع بحليفه المالكي إلى الهاوية وبخصمه الصدر إلى المنفى الإيراني.

وبالمقاييس البراغماتية سيبدو هذا التكتيك مناورة ذكية، بيد أن الأميركيين يريدون ما هو أبعد من مجرد محو الصدر وترحيل المالكي. إنهم على نحو ما يريدون من المجلس فك الارتباط العلني مع طهران. ذلك ما تفسره لنا واقعة إهانة عمار الحكيم.

لقد اختار الأميركيون مكاناً مناسباً لتوجيه الإهانة: الحدود الإيرانية العراقية حيث ألقي القبض على الحكيم الابن أثناء عودته من طهران، والذريعة بسيطة: انتهاء صلاحية جواز السفر.

في هذا الوقت ظهرت وقائع أخرى من شأنها إقناع الضيوف بضرورة "تفكيك العملية السياسية" وترحيل الحكومة، مثلاً الأزمة الناشبة بين الحزب الإسلامي وقائمة التوافق العراقية استطراداً، وبين حكومة المالكي وذلك حين اهتزت شوارب هؤلاء فجأة، بعد اغتصاب امرأة بدوية تحمل الاسم المستعار "صابرين الجنابي".

المسألة أبعد بكثير من اهتزاز الشوارب، إنها تتصل باهتزاز العملية السياسية برمتها.

ولأن الحزب الإسلامي يدرك هو الآخر أن حكومة الائتلاف الشيعي تحتضر، فقد تأهب لتجديد دوره في مرحلة ما بعد المالكي، أي الاستعداد لحقبة عراق ما بعد المؤتمر الدولي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك