محمد مصطفى علوش

- سياسة الابتعاد عن الشرق الأوسط
- دور المغرب العربي في قضايا الأمة
- من وراء هذا التراجع المغاربي؟

لم تستطع الحقبة الاستعمارية في بداية القرن العشرين تمزيق وحدة العالم العربي والإسلامي بالشكل المطلوب والمرضي لديها، على الرغم مما فعلته بريطانيا من إطلاق تسمية "الشرق الأوسط" على القسم الشرقي من العالم العربي لفصله سياسياً واجتماعياً كغيره من تركة الخلافة الإسلامية التي استعاضوا عنها بتأسيس "الجامعة العربية" كي تضم الدول الناطقة بالعربية لإبعادها عن هموم سائر الأمة الإسلامية والانكفاء على الانشغال بهمومها تحت مسمى "الأمة العربية" عملاً بما ساد آنذاك من طفرة "الدول القومية" و "الأمة المتفوقة" كما حدث مع الألمان والطليان وكذلك الفرنسيين.

ثم بعد ذلك محاولات فرنسا وإسبانيا وإيطاليا في تغريب "المغرب العربي" وفصله هو الآخر عن العالم العربي وتسخير العلم في سبيل ذلك، إذ ادعت فرنسا أن الجزائر قطعة من الأراضي الفرنسية زحفت أثناء الحقب الجليدية من تكوين القارات.

حاولت فرنسا فرنسة المجتمع الجزائري بمنح الجنسية الفرنسية للشعب الجزائري، وفرضها بالقوة على الرغم من الفتوى الشرعية التي صدرت آنذاك من علماء جزائريين بتحريم الحصول على الجنسية الفرنسية واعتبار حاملها "مرتدا" وذلك حفاظا على الهوية العربية والإسلامية ومقاومة فرنسة الجزائر والمغرب العربي ككل.

لقد عملت الدول الأوروبية المستعمرة على تخريب البيئة الجزائرية والمغربية والتونسية وإثارة النعرات العرقية بين العرب والبربر من خلال تغريب المناهج التربوية التي وضعت، وتبادل البعثات العلمية والتدخل المباشر في سياسات هذه الدول خلال نصف قرن.

ورغم ذلك لم تنجح هذه الدول مجتمعة في تغريب المجتمع العربي المسلم في المغرب العربي، ولا في سلخه عن محيطه العربي والإسلامي.

وإذا كان لهذه السياسات من نجاح فهو قليل مقارنة بما ينفق عليها من جهد ومال، إلا أنه طرأ في بداية التسعينيات تبدل جديد في سياسات هذه الدول المستعمرة، عبر بعض القادة الأفارقة في المغرب العربي حين بدأ التفكير حقيقة في الابتعاد عن المشرق العربي، والتقوقع على الذات وتضخيم القواسم المشتركة بين دول المغرب العربي مقارنة بالقواسم التي تجمعها مع المشرق العربي لتبرير هذا التوجه.

"
الإستراتيجية الغربية تجاه العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة حتى يسهل التحكم فيه بعد أن قسمت ما يعرف بالعالم الإسلامي إلى مناطق ودول
"
سياسة الابتعاد عن الشرق الأوسط
بدأ هذا التوجه على يد زعماء دول في المغرب كان من المفترض أن يكونوا أمناء على الهوية العربية والنزعة الإسلامية في دولهم، غير أن بعضهم تحول إلى الدعوة لفصل المغرب العربي عن الأمة العربية وانكفائه على قضاياه الداخلية أو دفعه نحو مصير مجهول عبر الانخراط التام في منظمة "الاتحاد الأفريقي" على أمل أن تصبح هذه المنظمة يوماً على غرار منظمة الاتحاد الأوروبي في تطورها.

لعل أبرز من يمثل هذا التوجه المفضي إلى الابتعاد عن مشاكل الأمة في فلسطين والعراق ولبنان هو القائد الليبي معمر القذافي الذي ينفذ، بقصد أو بغير قصد، ما تخطط له الدول الاستعمارية السابقة بعد انضمام الولايات المتحدة للتنافس معها على القارة السمراء.

وقد بدا هذا جليا وواضحا في كلمة القذافي في القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في السودان، حين دعا دول المغرب العربي إلى الابتعاد عن الشرق الأوسط ومشاكله، لأنه يرقد على بركان يوشك أن ينفجر، واصفاً منطقة الشرق الأوسط بأنها "خطيرة ومتفجرة ومليئة بالنزاعات والأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل".

وأضاف في وثيقته أن "الأرض التي عليها النزاع في الشرق الأوسط ليست معروفة، وأكثر من ذلك أن المنطقة تقع خارج القارة الأفريقية، فهي في شرق البحر الأبيض المتوسط في آسيا، ولا علاقة لها بأفريقيا".

ولم يكتف القذافي بتمويه الحقائق ونسف المسلمات حول القضايا الثابتة والمحورية للأمة العربية والإسلامية في فلسطين، بل حذر من أن ربط الشرق الأوسط بأفريقيا يعني أن تصبح أفريقيا متورطة في مشاكل الشرق الأوسط المتفجرة التي يسودها التمزق والقنابل الذرية وأسلحة الدمار الشامل وعمليات الإرهاب ومنظمات التهريب، على حد تعبيره.

ويعتبر القذافي أن ذاك الربط في حال حدوثه سيحول القارة إلى فوضى عارمة، وأن الحفاظ على التجانس الأفريقي السائد الآن يحتم على القادة الأفارقة النأي ببلادهم عن تلك المنطقة.

كلام القذافي لا يختلف مع ما يراه المنظرون الغربيون من أن المشرق العربي مجرد جغرافيا بلا تاريخ ولا تراث مشترك تقطنها جماعات دينية وإثنية لا يربطها رابط وليس لها ذاكرة تاريخية ولا إحساس بالكرامة.

بل إن الإستراتيجية الغربية تجاه العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة، حتى يسهل التحكم فيه بعد أن قسمت ما يعرف بالعالم الإسلامي إلى مناطق ودول في منصف القرن التاسع عشر.

وما زرع إسرائيل في قلب هذه المنطقة إلا ضمانة لاستمرار هذا المخطط، لأن أي وحدة حقيقية بين الأنظمة العربية ستشكل ثقلا إستراتيجيا واقتصاديا وعسكريا وحتى اجتماعيا يشكل رافعة لقضايا الأمة الإسلامية ومكسبا حقيقيا للشعوب المضطهدة وخصوصاً لجهة ما تملك الأمة العربية من موارد تشكل ضغطاً ثقيلاً على أي مشروع يفبرك في الأمم المتحدة لصالح قوى الهيمنة والاستكبار فضلاً عن لجم الأطماع الاستعمارية الغربية.

"
دول شمال أفريقيا والمغرب العربي تبنت دائما الاقتراحات وقدمت المبادرات في سبيل لمّ الشمل العربي وتوحيده أمام قضاياه المصيرية
"
دور المغرب العربي في قضايا الأمة
لو تتبعنا تاريخ العلاقة بين شمال أفريقيا أو ما يعرف بدول المغرب العربي مع سائر البلاد العربية في الشرق الأوسط لرأينا أن دول شمال أفريقيا والمغرب العربي تبنت دائما الاقتراحات، وقدمت المبادرات في سبيل لمّ الشمل العربي وتوحيده أمام قضاياه المصيرية.

فاتفاق الطائف الذي أوقف الحرب اللبنانية كان ثمرة جهود سعودية ومغربية وجزائرية، وخطة السلام العربية الأولى عام 1981 لحل القضية الفلسطينية تبلورت في قمة فاس المغربية، ولاءات الفلسطينيين تحولت إلى قبول الأمر الواقع في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، كما كان النزوح الثالث للفلسطينيين من الأراضي المحتلة إلى لبنان ثم في اتجاه تونس مطلع ثمانينيات القرن الماضي.

هذا إذا استبعدنا الدور المصري الحاضر والفاعل في كل القضايا العربية منذ تشكل الكيانات السياسية للعالم العربي وحتى الآن.

إلا أن المراقب لأداء دول شمال أفريقيا، باستثناء مصر في السنوات القليلة الماضية، يجد أن هناك انكفاء مغاربيا عن قضايا العرب المركزية والتوجه نحو البيت المغربي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من وراء هذا التراجع المغاربي عن القضايا المحورية للأمة العربية؟

من وراء هذا التراجع المغاربي؟
لسنا نحتاج إلى بعد تأمل لندرك أن الولايات المتحدة الأميركية تحاول منذ 11 سبتمبر/أيلول فصل العالم العربي والإسلامي بعضه عن بعض، والتعامل معه ككيانات سياسية لها مصالحها الوطنية الخاصة، وذلك إسهاما في مزيد من التفكك العربي والإسلامي، مما يدفع بتمرير مشاريع الهيمنة والوصاية التي كان آخرها خريطة جديدة للشرق الأوسط تولد فيه دول وتموت فيه دول.

والرابح دوما واحد هو إسرائيل الوكيل الحصري لكل مشاريع الهيمنة الغربية في المنطقة.

وبما أن الولايات المتحدة تعتمد "سياسة شد الأطراف" لتفتيت الثوب الواحد، كان لا بد من التوجه نحو شمال أفريقيا، لأن الموقع الإستراتجي وأهمية المنطقة من ناحية الثروة النفطية الواعدة من خلال ما تأكد من بحوث وتنقيبات لشركات أميركية وأوروبية، دواع تؤكد أن منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا تعدها الولايات المتحدة الأميركية لفصلها عن العالم العربي.

ويؤكد ذلك أيضا التقارب الأمني بين بلدان المنطقة وحلف شمال الأطلسي من جهة والزيارات المكوكية لوزير الدفاع الأميركي ومدير وكالة المخابرات إلى بلدان المغرب العربي في الآونة الأخيرة، كما يؤكده إجراء العديد من المناورات العسكرية التي شاركت في بعضها إسرائيل.

لقد نشطت الدبلوماسية الأميركية في إقناع كل من المغرب والجزائر وتونس بالانخراط في الإستراتيجية الأميركية المتعلقة بالإرهاب الدولي، خصوصا الجزائر التي كثفت من اتصالاتها مع واشنطن وعقدت اتفاقيات للتعاون الأمني معها، نظرا لظروفها الداخلية.

بل إن المعطيات تشير إلى أن دولة المغرب تُعد لأن تكون قائد هذه المجوعة من الدول لتقارب نظامها الملكي مع سياسات الولايات المتحدة.

وتقوم الولايات المتحدة بتقسيم دول المغرب العربي إلى قسمين وهما: القسم الشمالي الذي يضم تونس والجزائر والمغرب، وتتعامل معه على أساس أنه هيكل الاتحاد الذي ترغب في إحيائه عن طريق تشجيع التعامل الاقتصادي، وترسيم علاقات التعاون الأمني والاستخباري.

"
إذا بدت دول المغرب منكفئة على قضاياها الداخلية فإن ذلك لا يعدو فتوراً تعانيه شعوب وأنظمة المنطقة العربية في ظل تراجع الفكر القومي وانحساره لحساب الوطنية
"
أما القسم الجنوبي فيشمل موريتانيا وليبيا وتتعامل معه الولايات المتحدة وفق مشروع بلدان الساحل، ضمن إطار إستراتيجية الحرب على الإرهاب كما تسميها أميركا، وهي تشمل أيضاً إلى جانب هذه البلدان كلاً من النيجر ومالي والسنغال وتشاد والسودان.

وفي أحدث تقرير أصدره "المركز الأوروبي للاستخبارات الإستراتيجية والأمن" تم تناول أهمية شمال أفريقيا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، مع رصد تزايد النفوذ الأميركي المتجه نحو التنافس مع الوصي القديم على المنطقة وهي فرنسا.

التقرير الذي حمل عنوان "جبهة البوليساريو.. شريك مفاوضات ذو مصداقية أم مخلفات حرب باردة وعرقلة لحل سياسي للصحراء الغربية؟" يقول: يعرف الجميع أن منطقة المغرب العربي والساحل الإفريقي كانت منذ سنوات عدة أحد المواضيع الكبرى التي تشغل الإدارة الأميركية، وكانت هذه الأخيرة تسعى إلى ضمان استقرارها وبخاصة تحقيق المصالحة بين الإخوة الأعداء المغاربة والجزائريين بهدف الحيلولة دون تنامي الإسلام المتشدد والتحكم في حالة اللاأمن التي تسود المنطقة.

وبحسب الأستاذ الجامعي التونسي الاختصاصي في العلاقات الدولية أحمد أنيس فإن لكل من أوروبا والولايات المتحدة مصالح في هذه المنطقة التي تحتل "موقعا إستراتيجيا يزداد بروزا".

ورغم وحدة الانتساب التاريخي واللغوي للعالم العربي، فإن المستعمر القديم الجديد صنفه من ضمن ما يصنف الصانع منتوجاته إلى دول الخليج والهلال الخصيب وامتدادات وادي النيل وأفريقيا الشمالية.

والرغبة في مزيد من التمزيق نراها عبر تكامل سيناريوهات الحرب على العراق التي لم يكن وارداً أن تقف عند ضفتي نهري الرافدين، لأن الأخطر في أي احتلال من هذا النوع يكمن في تجريد البلد الواقع تحت الاحتلال من مقومات هويته ووجوده.

وعلى الرغم من بؤر التوتر الموجودة في الخريطة العربية، كما في السودان والصومال ولبنان، فإننا لا نستطيع أن نجزم بأن الولايات المتحدة قد نجحت بشكل تام في فصل المغرب العربي عن قضايا المشرق العربي.

وإذا بدت دول المغرب منكفئة على قضاياها الداخلية فإن ذلك لا يعدو فتوراً تعانيه شعوب وأنظمة المنطقة العربية، في ظل تراجع الفكر القومي وانحساره لحساب الوطنية.

غير أن الترابط العقائدي بين شعوب العالم العربي والإسلامي ربما يجعل من البعيد حقاً أن تفلح أي إستراتجية تسعى لفصل المغرب عن المشرق العربي على الأقل على المستوى المنظور.
__________________
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة