راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

قد لا نختلف نحن النهضويين، بل قل ممثلي التيار العريض في الحركة الإسلامية (تيار الوسطية) عن أسلافنا الإصلاحيين منذ الأفغاني وعبده والكواكبي وخير الدين وبيرم الخامس والثعالبي والفاسي والبنا ومالك بنبي وابن عاشور.. في الإعجاب بالنموذج الديمقراطي الغربي باعتباره جملة من الترتيبات الحسنة لتطبيق الشورى الإسلامية وتحقيق مقاصد الإسلام في العدل والحرية، ومعالجة آفة استبداد الحكم التي سادت في تاريخنا وتاريخ كل الأمم وكانت العامل الرئيس في ما آل إليه أمر الاجتماع الإسلامي من الضعف والانحطاط بسبب إفراغ الشورى من مضمونها باعتبارها حكم الأمة المخاطبة بشرع الله.

"
قد لا يبدو اختلاف بين رجال الإصلاح الإسلامي وبين خصومهم من قادة التغريب من حيث الإعجاب بالنموذج الديمقراطي الأوروبي والرغبة في "الاقتباس" منه سبيلا لإصلاح الاجتماع الإسلامي، إلا أن ذلك تشابه خادع
"
قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط"، فلم يكن عجبا إذن أن يرى رجال الإصلاح منذ بدايات القرن التاسع عشر في النموذج الأوروبي للديمقراطية حلا لمعضلة الاستبداد وبالتالي حلا لأزمة الحضارة الإسلامية المتوقفة.

وقد لا يبدو على هذا الصعيد اختلاف بين رجال الإصلاح الإسلامي هؤلاء عن خصومهم من قادة التغريب أمثال سلامة موسى ولطفي السيد وشبلي شميل وطه حسين ومصطفى كمال وبورقيبة والشرفي.. فضلا عن العروي وأمثاله، من حيث الإعجاب بالنموذج الديمقراطي الأوروبي والرغبة في "الاقتباس" عنه، بلغة خير الدين، سبيلا لإصلاح الاجتماع الإسلامي، إلا أن ذلك تشابه خادع.

فرق بين من يقتبس مواد من بيئة أخرى لإصلاح بيته موقنا بأن هندسة البيت في أصلها جيدة ولاتزال تستجيب لحاجات أصحاب البيت وبين كاره لتلك الهندسة معتقد أنها لم تعد تلبي الحاجات، فلا مناص من نسف البيت جملة لإعادة بنائه وفق النموذج القيمي والثقافي الأوروبي.

ولا مانع من أن تستبقى من النموذج المحلي "الإسلامي" بعض المواد القابلة لأن تسبك في البناء الجديد، ولكنه سيفقد بالضرورة صفته المرجعية، وهو ما يرفضه الإصلاحيون الإسلاميون الذين يصرون على أن الاقتباس من كل ما ثبت نفعه من التجارب البشرية يجب أن يتم في سياق خدمة الإسلام وبشروطه لتجديد آليات عمله وليس للحلول محله.

هذا الفرق جلي في وثائق الإصلاحيين مثل "أقوم المسالك" للوزير خير الدين التونسي، في التعبير عن الثقة البالغة في الإسلام وشريعته وحضارته.

يبرز ذلك في المشاريع الإصلاحية المنبثقة من هذا التصور مثل النص الرسمي المؤسس للمدرسة الصادقية في تونس التي طالما اعتبرت البوتقة الأساسية للتحديث في تونس، حيث يرد التأكيد على أن تعلم العلوم واللغات في هذه المدرسة إنما هو لتأكيد الثقة في القرآن ومحبة الله ورسوله.

الإصلاح هنا وإن انبثق من الإعجاب بالنموذج الغربي فإنه يتعامل معه وفق توجيهات وضوابط مرجعية الإسلام ومقاصده، ولخدمتها بتمكينها من أدوات تفعيل لبعض قواها المعطلة.

بينما الإصلاح في التصور الثاني ينطلق من تجاوز المرجعية الإسلامية القيمية والفلسفية والتشريعية، بل ينظر إليها في العمق باعتبارها عقبة في طريق الإصلاح المنشود، لا بد من التغلب عليها بضرب من ضروب "التأويل" أو "الاجتهاد" المدعى، دون أدنى انضباط بقواعد الأصوليين، من مثل أنه لا اجتهاد مع النص، وإذا تعذر "الاجتهاد" بسبب وضوح النص وقطعيته، فالعمليات الجراحية جاهزة، إذا لم يكن من الأمر بد.

"
الإصلاح هنا وإن انبثق من الإعجاب بالنموذج الغربي فإنه يتعامل معه وفق توجيهات وضوابط مرجعية الإسلام ومقاصده، ولخدمتها بتمكينها من أدوات تفعيل لبعض قواها المعطلة
"
نحن مطمئنون لوجود توافق كبير جدا بين الآليات الأساسية للحكم الديمقراطي الحديث وبين قيم الإسلام في العدل والشورى والتكريم الإلهي لإنسانية الإنسان التي يعد حفظها مقصدا من مقاصد شريعة الإسلام (انظر مقاصد الشريعة لابن عاشور، ومقاصد الشريعة بأبعاد جديدة: لعبد المجيد النجار).

ولا نرى علاقة حتمية بين هذا النموذج للحكم بما هو احتكام للشعب وفق الآليات المعروفة، وبين منظور فلسفي محدد مثل الفلسفة المادية اللبرالية وما انبثق عنها من قيم علمانية.

فهذا النموذج يمكن أن يعمل بنجاح في سياق فلسفات متنوعة مختلفة سواء أكانت علمانية معتدلة أم متطرفة أم كانت دينية: مسيحية أو يهودية أو إسلامية أو بوذية أو هندوسية، وذلك إذا تم احترام كرامة الإنسان ومبدأ المواطنة أساسا لتوزيع الحقوق والواجبات في الدولة.

والجدير بالملاحظة هنا أمران: الأول أن مشروع الحداثة القائم على الثقة المطلقة في العقل إلى حد تأليهه وما انبثق عنه من علوم وتقنيات أن ذلك كفيل بالإحاطة بقوانين الكون والمجتمعات وتسخيرها لصالح سعادة الإنسان، وذلك في استقلال كامل عن أي نور أو توجيه أو عون إلهي.

إن رهان الحداثة هذا أو الدين الوضعي على ما حقق من إنجازات باهرة، قد انتهى إلى كوارث طامة غدت مصدر تهديد حقيقي للمصير البشري قاطبة، فمزقت الأنسجة المجتمعية التي كان الدين لحمتها وسداها، وأطلقت العنان لقوى السوق والنهب المستخدمة في يد القلة لامتصاص عرق الكثرة ولو بتدمير البيئة وإشعال نيران الحروب وفرض العزلة والاغتراب والقلق على الإنسان حتى درجة الانتحار.

وهذا هو ما دفع العقل الغربي إلى القيام بمراجعات نقدية أساسية لمقولاته التأسيسية، بما اتجه إلى الحد من تقديس العقل إلى حد تأليهه، واتجه إلى إعادة الاعتبار في سياق فلسفات ما بعد الحداثة إلى قوى الإنسان الأخرى المعطلة كالوجدان والتجربة الروحية والدين الفردي، لما هو إنساني من أخلاق ودين.. بحثا عن اليقين في عالم قد اهتز فيه كل شيء وحد من تأليه العقل والعلم والتقنية.

ثانيا إن هذا الاختلاف بين المنظورين للإصلاح أو للتحديث المتصارعين منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا، هذا الاختلاف يغلب عليه الطابع النظري، لأن مشكلنا نحن الإصلاحيين الإسلاميين ليس مع التطبيق الحرفي للنموذج الغربي للديمقراطية -ومع أنه سيئ، فياليته حدث- فهذا ما ظل التغريبيون العرب يتنكبون عنه، مصرين على فرض استعادة الأنماط التقليدية ما قبل الحداثية للحكم الفردي الإقطاعي مع صبغها بأصباغ حديثة.

"
الإصلاح في التصور الثاني ينطلق من تجاوز المرجعية الإسلامية القيمية والفلسفية والتشريعية، بل ينظر إليها في العمق باعتبارها عقبة في طريق الإصلاح المنشود لا بد من التغلب عليها بضرب من ضروب "التأويل" أو "الاجتهاد" المدعى
"
وفي هذا الصدد فإن بورقيبة مع شدة إعجابه بأتاتورك قد عاب عليه أمرا واحدا، أنه أعلن علمانية الدولة، بما ترك ثغرة لنشوء قطاع ديني مستقل عن الدولة.

وكان عليه بحسب بورقيبة أن يعلنها دولة إسلامية ويجعلها في الواقع علمانية سدا للباب في وجه نشوء قطاع ديني مستقل عن الدولة حسب تصوره اليعقوبي الشمولي المؤله للدولة.

كما ينقل عن بورقيبة أنه في أول يوم لانتصابه رئيسا رقص أمام المرآة مستحضرا والدته من قبرها "قومي يا فطومة ولدك أصبح بايا" (لقب حكام تونس السابقين)، إذ أنه قد اتخذ من الصلاحيات ما كان للبايات الذين لم يكن لهم سلطان ديني على تفسير نصوصه، فتلك مهمة العلماء.

بينما ادعى بورقيبة الاجتهاد لدرجة دعوته شعبه إلى انتهاك حرمة الصوم بتعلة الجهاد ضد التخلف، كما أنه استولى على مؤسسة الوقف العتيدة، وأمم المساجد وأجهز على التعليم الديني مما لم يكن في وسع أي دكتاتور تقليدي غير حداثي أن يقدم عليه، ناهيك عن الغلو في انتهاك الحريات حتى أن السجون لم تعرف كما من زوارها السياسيين وعددا من ليالي الإقامة فيها وحجما من النكال، مماثلا في أي عهد سابق، بما جعل الوجه البارز للاستقلال هو تداول النخب على السجون وليس على السلطة.

ولقد أبى إلا أن يماثل البايات في صفة الحكم مدى الحياة، وسار خليفته سيرته بل أفدح.

مشكلنا مع هؤلاء لا يتمثل في أنهم حداثيون ديمقراطيون أكثر من اللازم بل في أنهم أكثر دكتاتورية من أي نموذج سابق، إذ تعاملوا مع النموذج الغربي بانتقائية شديدة، واستعاروا مسوحا من قيمه المادية، وبخاصة من النموذج الفرنسي والفاشي المتطرف، معرضين عن جوهر الحداثة: احترام كرامة الإنسان والمواطن والاحتكام للعقل وللمصلحة ولإرادة الشعب وتوزيع السلطات وتوازنها وتداول السلطة عبر انتخابات تعددية نزيهة، مما نطالب به نحن الإسلاميين ونرى فيه ترجمة جيدة لقيم الإسلام في الحكم.

وهم من أجل ذلك يضطهدوننا ويقصوننا لأن وجودنا كفيل بأن ينقل الديكور الديمقراطي القائم حقيقة إلى ديمقراطية فعلية، تضع حدا لحكم الفرد ولمافيا الفساد.

ومع ذلك لايزال في الغرب من هو مقتنع أو يزعم ذلك أن هؤلاء امتداد لنموذجه الديمقراطي!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك