بشير موسى نافع

أربع سنوات مرت على غزو واحتلال العراق، والحرب لم تزل مستمرة. الصورة التي ظهر بها الرئيس بوش الابن بعد أسابيع من احتلال بغداد على ظهر سفينة حربية أميركية معلناً النصر ونهاية الحرب، لم يعد لها من معنى اليوم سوى التذكير بحجم الإخفاق الذي آل إليه المشروع الأميركي في العراق والمنطقة.

وحتى الخطاب الذي وجهه الرئيس للشعب الأميركي في الذكرى الرابعة للغزو جاء خلواً من ادعاءات النصر ومسوغات الغزو، وقد شابته عبارات التوسل والدعوة إلى الصبر والتحذير من عواقب الانسحاب السريع من العراق.

على أن الإخفاق الأميركي لم يفتح بعد نافذة من الأمل للعراقيين والمنطقة العربية والإسلامية. الغزو والاحتلال والإخفاق الأميركي أدخل الولايات المتحدة، والعراق، والمنطقة ككل في أزمة بالغة التعقيد، ليس ثمة أفق واضح للخروج منها. والسبب الرئيس يكمن في الدافع الأميركي الأهم وراء غزو العراق واحتلاله.

الأهداف الأميركية المعلنة للغزو تغيرت من وقت إلى آخر؛ من إخلال العراق بالتزاماته الدولية واحتفاظه بأسلحة الدمار الشامل، إلى المسؤولية الأميركية الأخلاقية نحو تخليص العراقيين من نظام دكتاتوري، إلى إقامة دولة ديمقراطية نموذجية، تحتذي بها المنطقة العربية والإسلامية ككل.

"
بعد أربع سنوات من الغزو والاحتلال لم يعد هناك من يتحدث عن أسلحة دمار شامل إلا ساخرا، وقد أنتج الاحتلال نظاما سياسيا ليس دكتاتوريا ربما ولكنه أسوأ من ذلك, أما وعد الديمقراطية فقد انقلب إلى كابوس لا نهاية له من الدمار والمجازر اليومية
"
بعد أربع سنوات من الغزو والاحتلال، لم يعد هناك من يتحدث عن أسلحة دمار شامل إلا ساخرا، وقد أنتج الاحتلال نظاما سياسيا ليس دكتاتوريا ربما ولكنه أسوأ من ذلك بكثير، تتحكم في مقاليده عصابات ومليشيات مسلحة وقتلة ولصوص، من طبقة الوزراء إلى صغار الموظفين والضباط. أما وعد الديمقراطية، فقد انقلب إلى كابوس لا نهاية له من الدمار والمجازر اليومية.

انكشاف عملية التزييف التي مارستها أطراف الإدارة الأميركية لتسويغ الغزو والاحتلال، ومن ثم فشل المشروع على جميع مستوياته، أدى إلى تقويض السلطة الأخلاقية للإدارة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ولكن حجم الخسائر الأميركية المادية والبشرية في العراق، والتي لا يبدو أن لها من نهاية، لا يقل فداحة.



المشكلة التي تواجهها إدارة الاحتلال في العراق اليوم متعددة الأبعاد. هناك، من جهة، تحول سياسة فرق تسد، التي وضع أسسها بول بريمر في بداية الاحتلال، إلى حالة من انقسام طائفي، ساهمت مساهمة رئيسة في تأجيج العنف وتدمير صورة الاحتلال ووعوده الديمقراطية.

وهناك، من جهة ثانية، هشاشة الطبقة السياسية العراقية الحليفة للاحتلال، وعجزها عن بناء نفسها كقيادة وطنية، وانقساماتها وصراعاتها الداخلية، وانهماكها في واحدة من أضخم عمليات النهب التي عرفها التاريخ لأي وطن كان.

وهناك، من جهة ثالثة وأكثر أهمية، واحدة من أكثر حركات المقاومة الوطنية فعالية وتجاوزا لكل شروط المقاومات الوطنية الحديثة. فالمقاومة العراقية تكاد تكون المقاومة الوطنية الوحيدة خلال أكثر من قرن التي ولدت واستطاعت الاستمرار والنمو بدون دعم خارجي من دولة كبرى أو قوة إقليمية رئيسية.

هذه المستويات الثلاثة للمشكلة الأميركية في العراق لاتزال كما هي منذ شهور الاحتلال الأولى وحتى نهاية العام الرابع للاحتلال، ومنذ ما قبل تطبيق الإستراتيجية الأميركية الجديدة والزيادة الكبيرة في تعداد قوات الاحتلال، وإلى ما بعد شهرين على بدء تطبيق هذه الإستراتيجية.

الاعتقاد الذي تروج له الإدارة الأميركية حول إمكانية تحقيق الانتصار خلال ما تبقى من هذا العام ليس أكثر من وهم، فالخسائر الأميركية في ازدياد، والعملية العراقية السياسية أبعد ما تكون عن الطابع الوطني، والتدافع الأهلي الدموي ملايزال على حاله، حتى وإن خفت وتيرته قليلاً.

الاستنتاج التلقائي لمثل هذا الوضع هو اعتراف الإدارة الأميركية بالإخفاق في العراق، ومن ثم انسحاب قوات الاحتلال وترك العراق للعراقيين، سواء على أمل توصلهم إلى توافق سلمي حر وطوعي، أو أن تفعل توازنات القوى فعلها إلى أن تنتصر رؤية ما لمستقبل البلاد.

ولكن الواضح أن الإدارة الأميركية لن تبادر سريعاً إلى مثل هذه الخطوة، وذلك لسبب رئيس.

"
التفسير السائد لحقيقة الغزو الأميركي للعراق يتمحور حول مسألة النفط. ولأن الطلب على النفط يتصاعد بوتيرة أعلى من الكميات المتوفرة فعلا في السوق, فإن نظرية السعي الأميركي للسيطرة على النفط العراقي تجد مصداقية في العديد من الأوساط
"
يتمحور التفسير السائد لحقيقة الغزو الأميركي للعراق حول مسألة النفط. ولأن التقديرات العلمية تؤكد أن العراق يسبح على بحيرة من النفط، من شماله إلى وسطه وجنوبه، حتى أن دوائر النفط العالمية تعارفت منذ زمن على أن آخر برميل نفط يستخرج في العالم سيكون نفطاً عراقيا.


ولأن الطلب على النفط يتصاعد بوتيرة أعلى من الكميات المتوفرة فعلاً في السوق، بحيث يمكن القول إن الطاقة ستكون محدداً رئيساً للقوة في مستقبل النظام العالمي، فإن نظرية السعي الأميركي للسيطرة على النفط العراقي تجد مصداقية في العديد من الأوساط.





الحقيقة، أن خسارة الولايات المتحدة المتصاعدة في العراق أخذت تفوق كل ما يمكن تصوره لفوائد أميركية خاصة من النفط العراقي.



وليس ثمة شك في أن النظام العراقي السابق ما كان سيرفض مقايضة ما لفك حصار الثلاثة عشر عاما مقابل إعطاء الأولوية لشركات الطاقة الأميركية في تطوير حقول النفط العراقية.

وإن وضعنا في الاعتبار أن المنافسة العالمية على الطاقة هي في النهاية منافسة أميركية/صينية (ذلك أن روسيا، القوة العالمية الأخرى، هي أحد أكبر مصدري النفط والغاز)، فإن حسم المنافسة مع الصين في مجال توفر مصادر الطاقة لم يكن، ولا هو يستدعي، هذا الحجم من الخسائر السياسية والمالية والبشرية في العراق.

الدافع لغزو العراق واحتلاله كان من صنف آخر، حتى إن بدا هذا الدافع للوهلة الأولى غريباً على العقل السياسي الرأسمالي الحديث.

الحقيقة أن إدارة بوش لم تصل إلى البيت الأبيض ببرنامج تدخل عالمي، بل ببرنامج انسحاب نسبي من الشأن العالمي لصالح تعزيز القوة الأميركية، بما في ذلك الانسحاب من معاهدة الحد من التسلح النووي، ورفض التوقيع على اتفاقية حماية البيئة العالمية، والذهاب في مشروع حرب النجوم إلى أقصاه.

كانت رؤية إدارة بوش الإستراتيجية، بكلمة أخرى، تستند إلى استعادة لأسس فكرة التفوق التقليدية القائمة على التفوق المطلق في حقل التسلح غير التقليدي.

ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول لتفتح ملف المنطقة العربية الإسلامية على مصراعيه. وهنا وقعت الانتقالة الجوهرية في التوجه الإستراتيجي للإدارة.

ربما كان غزو العراق على جدول أعمال بعض أطراف الإدارة قبل هجمات سبتمبر/أيلول. وربما كان معسكر المحافظين الجدد في الإدارة يرغب فعلا في تأجيج الصدام بين الولايات المتحدة والشعوب العربية والإسلامية، واضعا مصلحة الدولة العبرية أولوية قصوى له.

ولكن تلك الرغبات لم تكن سياسة رسمية. ما فتح المجال لتحويل هذه الرغبات والمخططات إلى توجه إستراتيجي رسمي للإدارة كان الهجمات على واشنطن ونيويورك، وبدأ بالتالي العمل على تسويغ هذه الإستراتيجية وتزويدها بخطاب نظري وسياسي.

جوهر هذا الخطاب أن الولايات المتحدة باتت تحمل عبء "المعركة التاريخية الكبرى" بين الكتلة الغربية الأوروأطلسية والعالم العربي الإسلامي، المعركة التي لم يقم الغرب بحسمها في الحرب العالمية الأولى، إما لأن القوى الغربية لم تدرك آنذاك حجم التحدي العربي الإسلامي، أو لأن العرب والمسلمين يرفضون الاعتراف بالهزيمة التاريخية وحقائق موازين القوى العالمية.

بهذا المعنى، جاء غزو العراق باعتباره غزواً شاملاً، يستهدف تغيير سياسات أنظمة أخرى في المنطقة أو إطاحتها، ونشر الديمقراطية، أو على الأصح نشر نموذج حكم متسق مع التصور الأميركي للعالم، وتغيير مناهج ومؤسسات التعليم، ودعم القوى الداعية إلى التحديث بتصوره الغربي.

"
لايزال أمام العراقيين وشعوب المنطقة والعالم شهور وربما سنوات قبل أن تنفرج الأزمة ويظهر الضوء في نهاية النفق. وإذا نفذت الولايات المتحدة بالفعل مخطط توجيه ضربة جوية واسعة النطاق لإيران فستدخل المنطقة مرحلة أعلى من التصعيد والموت والدمار
"
بيد أن الأمور لم تسر كما خطط لها، لا المعركة التاريخية الوهمية كسبت، ولا الانقلاب النهائي في بنية المنطقة وقع. بل أكثر من ذلك؛ فبينما كانت الإدارة الأميركية تحاول بكل الوسائل إنقاذ مشروع العراق، حتى في صيغته المتواضعة، كانت قوى منافسة مثل روسيا والصين تعزز من تقدمها الاقتصادي وإعادة بناء قاعدتها العسكرية.

خلال السنوات الأربع الماضية، تحولت الصين بالفعل إلى عملاق اقتصادي، بفائض مالي هائل سيوظف جزءا كبيرا منه في تطوير القدرات العسكرية الصينية، في الوقت الذي ساعد ارتفاع أسعار النفط والغاز على خروج روسيا نهائياً من عنق الزجاجة الاقتصادي، وهي التي لم تكن تحتاج الكثير للمنافسة العسكرية مع الولايات المتحدة.

الاعتراف بالإخفاق في العراق، أو على الأصح بالهزيمة، يعني القبول بإخفاق إستراتيجي شامل، على مستوى مستقبل المنطقة العربية الإسلامية وعلاقة الولايات المتحدة بها، وعلى مستوى العالم ككل، وموقع الولايات المتحدة ودورها فيه.

وليس هذا بالأمر الهين، لا بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية ولا بالنسبة لكل الطبقة السياسية الأميركية، بغض النظر عن مماحكات الديمقراطيين ضد الإدارة في الكونغرس.

ما أن جعلت الإدارة الأميركية العراق في مركز سياستها الخارجية حتى أصبحت عواقب النجاح والفشل في العراق هائلة بالتأكيد. لهذا، فليس من المتوقع أن يشهد العراق نهاية سريعة للاحتلال، وللموت والدمار الذي تسببه.

لايزال أمام العراقيين وشعوب المنطقة والعالم شهور، وربما سنوات، قبل أن تنفرج الأزمة ويظهر الضوء في نهاية النفق. وإذا نفذت الولايات المتحدة بالفعل مخطط توجيه ضربة جوية واسعة النطاق لإيران، فستدخل المنطقة مرحلة أعلى من التصعيد والموت والدمار.

الأزمات الكبرى في تاريخ القوى العظمى لا تنتهي عادة بسهولة ويسر، بل بأثمان باهظة للذات والعالم.
ـــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة