عبد الله الحسن

- مظاهر التحول
- ملامح مجتمع المعرفة في إسرائيل
- أرض استقبال
- عود على بدء

تقف إسرائيل على حافة تحول بنيوي تاريخي يأخذها من نموذج المجتمع الإسبرطي القائم على تمجيد الجيش وتقديس القوة، إلى ظلال مجتمع المعرفة القائم على استغلال المعرفة كأهم مورد لتنمية جميع القطاعات الاقتصادية والنماء الاجتماعي بصفة عامة علاوة على كون صناعة المعرفة قطاعا اقتصاديا قائما بذاته، تشغل فيه القوى اللينة مكانة موازية وربما متقدمة على حساب القوى الصلدة، برعت إسرائيل في استخدامها بطرق مستترة وغير مباشرة أو بطرق علنية وسافرة.

ويتكئ هذا التحول على رؤية إسرائيلية مبكرة لأهمية دور العلم والمعرفة في صياغة حياة المجتمعات الإنسانية، وهي رؤية تختزلها أقوال عدد من القادة الإسرائيليين أبرزها قول حاييم وايزمان أول رئيس لإسرائيل، حيث يقول "العلم هو سلاحنا ومصدر قوتنا ودرعنا" كذلك قول شمعون بيريز "المعلومة أقوى من المدفع".

يضاف إلى ذلك ما جاء على لسان إسحق نافون رئيس إسرائيل الأسبق من أن "تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن أي ترتيبات عسكرية".

"
تمتلك إسرائيل العديد من ملامح وخصائص مجتمع المعرفة الذي لم يستكمل تخلقه بعد حتى في الولايات المتحدة، إذ هي الأولى عالميا في نسبة الإنفاق على البحوث والتطوير
"
مظاهر التحول

ينطوي هذا التحول على مظاهر عدة أهمها:
1- تراجع مكانة الجيش في نظر الكثير من الإسرائيليين، إذ لم يعد مركز اجتذاب للكفاءات، ما جعل قادته وضباطه تعبيرا عن الحالة الوسطية في المجتمع وليس الحالة العليا.
2- التحول في دور الجيش من "جيش الشعب" أو "الأمة المجندة" إلى جيش من المحترفين.
3- تراجع مفهوم البطولة وحوافز القتال مقابل الأهمية الكبيرة التي يعطيها المجتمع الإسرائيلي للحفاظ على الحياة.

ولعل أصدق التوصيفات دقة في التعبير عن العلاقة بين هذه المظاهر والصيرورة المجتمعية القائمة ما جاء في نص استقالة رئيس الأركان السابق الجنرال دان حالوتس عندما قال "إن أحد الأمور المركزية التي تعلمنا فيها من التحقيقات هو أن المنظومات العسكرية الإسرائيلية تتأثر بشكل عميق من الصيرورات بعيدة المدى، وأحيانا لا يتم الإحساس بهذا الأثر، وبالتالي لا ندرك نحن عواقبها، فلهذه الصيرورات عواقب على المجتمع الإسرائيلي عامة وعلى القدرة الشاملة للجيش خاصة".

ويتابع حالوتس قائلا "إن منعة الجيش الإسرائيلي تنبع من الدعم الشعبي الذي يحظى به، وللأسف الشديد فإن تآكلاً قد طرأ على هذا المجال في السنوات الأخيرة".

4- تحول المجتمع الإسرائيلي من مجتمع متقشف كما كان عليه الحال في الخمسينيات إلى مجتمع وفرة ورفاه بدءاً من التسعينيات وما أسفر عنه ذلك من تلاشي مفهوم المستوطن الرائد (الحالوتس) لصالح مفهوم الاستيطان (الديلوكس) حسب المفكر عبد الوهاب المسيري.

5- تراجع الهويات التقليدية، كالهوية الصهيونية التقليدية للرواد الأوائل أو الحريدية الدينية المتزمتة لصالح صعود هوية جديدة ما بعد صهيونية ذات طابع ليبرالي فرداني استهلاكي صارخ، تسعى بصورة خاصة إلى الحياة المريحة والممتعة ويستهويها الربح.

ملامح مجتمع المعرفة في إسرائيل
تمتلك إسرائيل العديد من ملامح وخصائص هذا المجتمع الذي لم يستكمل تخلقه بعد حتى في قاطرة الموجة الثالثة، رائدة الثورة المعرفية الولايات المتحدة.

وأبرز هذه الملامح:
1- احتلال إسرائيل المرتبة الأولى عالميا في نسبة الإنفاق على البحوث والتطوير بالنسبة إلى الناتج المحلي، وفي هذا الصدد يقول يائير أوفيك المدير العام لمؤسسة التصدير الإسرائيلية "إن إنفاقنا على البحث والتطوير يرتفع إلى 4.8% من إجمالي الناتج المحلي في حين تبلغ هذه النسبة في فرنسا 2.1%".

2- امتلاك إسرائيل أعلى نسبة من المهندسين في العالم بعد ألمانيا، إذ يبلغ معدل المهندسين في إسرائيل البالغ عدد سكانها (6.8) ملايين نسمة 140 مهندساً لكل ألف من السكان بينما في الولايات المتحدة المعدل هو 83 مهندساً لكل ألف نسمة.

3- استحواذ إسرائيل على المرتبة الثانية في مستوى أودية السيلكون المنتشرة عالميا، إذ لا يفوق وادي السيلكون بين حيفا وتل أبيب والقدس إلا وادي السيلكون الأميركي.

4- كما تشغل إسرائيل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث عدد الشركات الصغيرة المدرجة في قائمة شركات التكنولوجيا المتقدمة (ناسداك) التي يجري تداول أسهمها في بورصة نيويورك.

5- تحتل المرتبة السادسة في عدد براءات الاختراع المسجلة بالنسبة لعدد السكان، وهي تفوق في ذلك دولا متقدمة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

6- هي في المرتبة الرابعة في عدد براءات الاختراع المسجلة في أوربا وأميركا.

7- المرتبة رقم 12 في مؤشر الجاهزية الشبكية، وهي تسبق في هذا دولا متقدمة مثل سويسرا وفرنسا واليابان وإسبانيا وإيطاليا والنرويج.

8- المرتبة الأولى في تطوير نظم وحماية أمن البيانات وتحصين مواقع الإنترنت ضد الاختراق.

9- المرتبة الأولى في نسبة صادرات السلاح إلى إجمالي الصادرات.
10- المرتبة الخامسة بين عمالقة الدول المصدرة للسلاح.
11- المرتبة الثانية فيما يخص بعض نظم الدفع الصاروخي لحمل الأقمار الصناعية إلى مداراتها في الفضاء الخارجي.

"
إسرائيل تسعى بكل ما أوتيت إلى أن تتحول لأرض استقبال مميزة لعمالقة التكنولوجيا العالمية والتشريعات الإسرائيلية تقوم على تشجيع الاستثمارات الأجنبية، ما أتاح لها منافسة إيرلندا وسنغافورة
"
إلى هذه الملامح يمكن أن نضيف النسبة المرتفعة لمالكي الكمبيوتر في إسرائيل، حيث تبلغ 47 كمبيوترا لكل 100 شخص.

أما نسبة مستخدمي الإنترنت فهي 16% من عدد السكان، إضافة إلى تمتع الفرد الإسرائيلي بمستوى دخل مرتفع يناهز 20 ألف دولار سنويا.

وفيما يخص النشر العلمي هناك 11.7 بحثا منشورا لكل 10 آلاف من السكان، أما عدد الكتب المترجمة إلى العبرية سنويا فيبلغ 100 كتاب لكل مليون إسرائيلي. كما تمتلك إسرائيل مراكز جامعية مميزة مثل مركز (تخنيون) في حيفا.

وفي تصنيف لأفضل 500 جامعة في العالم احتلت إسرائيل المرتبة 12، وصنفت 6 من جامعاتها بين أفضل الجامعات، في حين لم تنل أي جامعة عربية موقعا في ذلك التصنيف.

حتى الجيش الإسرائيلي لعب دورا حاضنا لانخراط إسرائيل في الثورة المعرفية، إذ إن هناك العديد من منتسبي المؤسسات المتخصصة في مجال الأمن والاتصالات أمضوا سنوات في مراكز أبحاث وحدات النخبة (تساحال).

وهذه هي حال "شكيونيت" الرقم واحد عالميا في مجال أمن المعلومات، أو "كومفرس" الأول في المجيبات الهاتفية المخصصة لمستقبلي الهاتف الجوال.

أرض استقبال
تسعى إسرائيل بكل ما أوتيت من قدرة إلى أن تتحول إلى أرض استقبال مميزة لعمالقة التكنولوجيا العالمية، وقد حققت نجاحات لافتة في هذا المجال، إذ لم تعد شركة (غوغل) تكتفي بأن تكون محرك الأبحاث الأكثر شهرة في إسرائيل بل قررت إنشاء خامس مركز للأبحاث والتطوير خارج الولايات المتحدة.

وغوغل ليست شركة التكنولوجيا العالية التي تنشأ في إسرائيل، بل هناك مجموعات أوروبية عديدة مثل "ساب" و"سيمنز"، ومجموعات أميركية مثل I.B.M وموتورولا وسكاسيسكو ومايكروسوفت أنشأت مراكز أبحاث وتطوير لها على جانب كبير من الأهمية.

وتعتبر شركة (أنتل) الأكثر استثمارا، فمنذ العام  1974-وهي الرقم واحد عالميا في مجال صناعة الحواسيب الصغيرة- أنشأت أربعة مراكز بحث وتطوير في إسرائيل إضافة إلى مصنعين.

يقول المدير العام في أنتل إسرائيل إلكسي كورنوزر "هنا وضعنا أشهر حواسيب أنتل الدقيقة مثل البتيوم، سنترينو وأخيرا دويل كور".

وفي أغسطس/ آب 2005 أعلنت الشركة عن نيتها في توظيف 3.5 مليارات دولار، وهو أعلى استثمار تم في إسرائيل، وذلك في بناء مصنع ثالث سيبدأ إنتاجه عام 2008.

تجدر الإشارة إلى أن التشريعات الإسرائيلية تقوم على تشجيع الاستثمارات الأجنبية، ما أتاح لها منافسة إيرلندا وسنغافورة.

كما تقدم الحكومة الإسرائيلية الدعم المالي للشركات المستثمرة في إسرائيل، فعلى سبيل المثال لا الحصر خصصت الحكومة عام 2005 مبلغ 525 مليون دولار دعما لشركة أنتل التي أفادت منذ العام 1974 من مساعدات حكومية إجمالية مقدارها 1.275 مليار دولار لقاء استثمارات إجمالية مقدارها 5.5 مليارات دولار، وذلك بصرف النظر عن الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية.

كما تسهم في جذب كل هذه المجموعات العالمية اليد العاملة الإسرائيلية الماهرة والرخيصة الكلفة، حيث كلفتها أقل من نصف مثيلتها في الدول الأوروبية، إضافة إلى نسيج صناعي إلكتروني يستخدم 58 ألف إنسان يتوزعون على نحو 2500 مؤسسة.

وعن المكانة التي يحتلها اقتصاد المعرفة في إسرائيل نشير إلى ما قاله مدير أحد المراكز الصناعية الإسرائيلية المتخصصة في البحث والتطوير المدعو يائير إميتاي "في بداية التسعينيات كانت الحمضيات الصناعة الأولى في البلاد، أما اليوم فهي التكنولوجيا العالية التي تمثل أكثر من 12% من إجمالي الناتج المحلي. ويذهب 80% من هذه النسبة للتصدير، لكن مراكز الاستيراد ستكون أعلى عندما يقوم سلام مع جيراننا العرب".

وحسب التجمع الإسرائيلي لصناعة الإلكترونيك والمعلوماتية بلغت مبيعات هذا القطاع العام 2005 16.6 مليارا بزيادة 6% عن العام الذي سبقه، أما في العام 2006 فقد بلغت 18.8 مليار دولار بزيادة في النمو وصلت إلى 10%.

"
أضافت إسرائيل إلى التفوق الإستراتيجي على العرب في المجال العسكري تفوقا إستراتيجيا على الصعيد غير العسكري سيضمن لها تفوقا اقتصاديا وتقدما اجتماعيا وتعليميا وثقافيا يدعم مواقفها السياسية
"
عود على بدء
ما يجري في إسرائيل من صيرورة انتقال من المجتمع الإسبرطي إلى ظلال مجتمع المعرفة هو حصيلة جهد وتراكم تاريخي يعود إلى البدايات الأولى لتأسيس المشروع الصهيوني على فلسطين.

فمنذ نهاية القرن الـ19 بدأت الوكالة اليهودية في تأسيس مدارس التقانة والصناعة لنشر العلم والتكنولوجيا بين الطوائف اليهودية في أنحاء العالم فكان إنشاء الجامعة العبرية في العام 1918 وتأسيس مركز الهندسة التطبيقية، معهد تخنيون عام 1924، وقد أصبح الآن في مقدمة مراكز البحوث العلمية والتكنولوجية على مستوى العالم.. إلخ.

وقد بدأت هذه الإستراتيجية تؤتي ثمارها فور إعلان قيام إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948، فكانت من أوائل الدول التي أنتجت الكمبيوتر حيث قام معهد وايزمان عام 1949 بإنتاج أول كمبيوتر باسم (ويزاك) وأنتج تاليا نسخة معدلة عنه في العام 1963 وكان لذلك أثره المستقبلي، إذ جعل إسرائيل في صدارة الدول بعد الولايات المتحدة المهيأة للالتحاق بجيل الإنترنت الثاني.

في ضوء ما تقدم يبرز السؤال التالي: هل يعني كل ذلك أن إسرائيل تغيرت جذريا عما كانت عليه منذ قيامها وبالتالي لم تعد مجتمعا عسكريا كولونياليا ذا عقيدة قومية يهودية متطرفة؟ الجواب بالتأكيد هو لا، لكنه بالتأكيد يضيف أبعادا جديدة للصراع العربي الإسرائيلي، ويطرح على العرب تحديات جديدة!

فقد أضافت إسرائيل إلى التفوق الإستراتيجي على العرب في المجال العسكري تفوقا إستراتيجيا على الصعيد غير العسكري سيضمن لها تفوقا اقتصاديا وتقدما اجتماعيا وتعليميا وثقافيا يدعم مواقفها السياسية.

وهذا التفوق يجعل من إسرائيل المركز المهيمن للتكنولوجيا المتطورة في المنطقة، والوسيط الوحيد الذي سيعبر من خلاله ما يتم استيراده من تقنيات من الولايات المتحدة واليابان وأوروبا الغربية، دونما حاجة لمخططات معلنة، شرق أوسطية كانت أم أميركية عولمية ضمن تلك التي تحاك لأمتنا العربية والإسلامية.
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة