عبدالجليل زيد المرهون

روسيا وأمن الخليج
ضرب إيران تهديد للمصالح الروسية
ثلاث دوائر للتعاون الروسي الخليجي
هل تفتح روسيا مخازن صواريخها لدول الخليج؟

يعود الاهتمام الروسي بمنطقة الخليج إلى عهد روسيا القيصرية. ولقد برز في القرن الـ19 ما عرف بنظرية "العظمة"، التي كان مفادها أن من يسيطر على (قلب) أورآسيا يضمن السيطرة على العالم.

بيد أن تلك النظرية لم تتحقق، إذ إن التوسع الروسي باتجاه وسط آسيا لم يحقق حلم الروس بالوصول إلى المياه الدافئة.

وبعد الحرب العالمية الثانية تغيرت معادلة الصراع الدولي، حيث بدأت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء، التي تصدت ضمن أمور أخرى لمحاولات التمدد السوفياتي باتجاه المياه الدافئة، وحيث مثلت منطقة الخليج الجناح الجنوبي للحزام الشمالي الذي أقامه الغرب في وجه السوفيات.

روسيا وأمن الخليج
وفي العام 1979 مثل الغزو السوفياتي لأفغانستان ذروة محاولات موسكو للوصول إلى المياه الدافئة، كما جاء في هذا الإطار دعم السوفيات للمحاولات الانفصالية التي كانت قائمة في بلوشستان.

وفي السياق نفسه، يمكن أن نشير إلى أن إحدى المخاوف التي برزت لدى المخططين الأميركيين، بعد سقوط الشاه في إيران، قد تمثلت في إمكانية حدوث التقاء إيراني سوفياتي يحقق لروسيا حلمها بالوصول إلى المياه الدافئة.

بيد أن هذا الافتراض استند إلى الخلط بين ما هو سياسي وما هو أيديولوجي، فالثورة التي أسقطت الشاه كانت ستفقد مبرر وجودها إن هي دخلت في تحالف مع موسكو على خلفية عدائها لواشنطن.

كذلك ما يمكن قوله في الوقت نفسه هو أن حسابات طهران الأيديولوجية قد حالت بينها وبين استنفاد تناقضات البيئة الدولية. وبمعيار السياسة فإن هذا لا يحسب لطهران بل عليها. وهذه مقولة سجالية لم تحسم بعد.

"
بين معطيات وسط آسيا وأفغانستان و"العراق الجديد"، أضحى الروس بحاجة للمراهنة على دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى استمرار رهانهم الإستراتيجي على إيران
"
ورغم ذلك ليس موقع إيران الدولة من هذه المقولة كموقع إيران الثورة منها، ومقاربات العام 1979 ليست هي نفسها مقاربات اليوم.

وفي ذروة تحولها الوطني بدت مخاوف إيران متجهة نحو الولايات المتحدة دون أن تستثني الروس. بيد أن التحدي الأساسي، أو لنقل الخطر المباشر، قد أتى من بغداد وليس من واشنطن أو موسكو.

وهنا كانت حرب السنوات الثماني. هذه الحرب التي استنفذت فيها بغداد العداء الأميركي-الإيراني والروسي-الإيراني على حد سواء. وبهذا المعنى لم تكن بيئة علاقات طهران الدولية بعيدة عن خلفيات الحرب ومجرياتها بل ونتائجها أيضا.

وبعد سنوات ثلاث من انقشاع غبار الحرب العراقية الإيرانية كان الاتحاد السوفياتي قد سقط كدولة، وعادت روسيا قريبا من حدودها التقليدية. وبالتزامن مع هذا التداعي التاريخي، كانت عاصفة الصحراء قد قضت على قوة العراق وذراعه الإستراتيجية.

وفي الوقت نفسه أخذ العديد من حلفاء موسكو يتجهون غربا، وكانت الهند في طليعة هؤلاء. وهنا ازدادت موسكو بعدا عن الخليج.

ولقد رمى المتغير الروسي ما بعد السوفياتي الذي تتابع فصولا بتداعيات واضحة على معادلة الأمن الآسيوي، واستتباعا بيئة الأمن في الخليج العربي.

فقد خسر الروس الكثير من رهاناتهم في الجبهة الجنوبية في آسيا الوسطى والقوقاز، التي كانت بوابة عبورهم إلى قلب القارة وجنوبها.

وبعد الحرب الأميركية على أفغانستان خسر الروس الرهان الأفغاني بمعنى القدرة على جعل أفغانستان ساحة نفوذ سياسي واقتصادي، وذلك بعد أن خسروها بالمعنى الإستراتيجي قبل عقدين من الزمن.

وبعد سقوط حكومة الرئيس العراقي صدام حسين في العام 2003، بدا الروس وقد فقدوا ما تبقى من رهاناتهم في العراق.

وبين معطيات وسط آسيا وأفغانستان و"العراق الجديد"، أضحى الروس بحاجة للمراهنة على الداخل الخليجي نفسه، أي على دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى استمرار رهانهم الإستراتيجي على إيران.

وهنا نصل إلى إحدى خلفيات مساعي الاقتراب الروسي الراهن من دول المجلس، هذه المساعي التي توجتها زيارة الرئيس فلاديمير بوتين الأخيرة للمنطقة.

ضرب إيران تهديد للمصالح الروسية
وقبل الحديث عن هذه النقطة يمكن القول إنه فيما يرتبط بالعلاقات الروسية الإيرانية، فإن الأرجح هو حصول مزيد من الاستمرارية القوية فيها، خاصة أن الاتجاه المحافظ الحاكم اليوم في طهران لديه مقاربة أكثر تجليا لخيار إيران العسكري، حيث يمثل تعزيز وتطوير القوة العسكرية الإيرانية جزءا أصيلا من أيديولوجيته، وحيث يمثل الجانب العسكري البعد الأكثر مركزية في علاقة طهران بموسكو.

ويمكن أن نلحظ أنه رغم عدم اعتراض الروس على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1737 الخاص بفرض عقوبات على إيران على خلفية برنامجها النووي، ورغم دعمهم لاحقا لمبدأ فرض عقوبات إضافية، ما زال الروس متمسكين برفض اللجوء للقوة العسكرية في النزاع الدولي، أو لنقل الغربي، الدائر حاليا مع إيران.

ولكن حتى مع استبعاد هذا الخيار، سيمثل توسع القرارات الدولية ضد إيران تحديا كبيرا للعلاقات الروسية الإيرانية، ولمستقبل صادرات السلاح الروسي إلى إيران فضلا عن تجارة التقانة النووية والسلع المرتبطة بها، القائمة حاليا.

وفي الحسابات الأكثر مرجعية، يرى الروس أنه في حال قدر لعمل عسكري أميركي تغيير النظام الراهن في طهران، وفرض حكومة موالية فيها، فسوف يعني ذلك بسط السيطرة الأميركية على موارد الطاقة الإيرانية، واستخدام إيران ممرا سهلا وقصيرا لنقل نفط آسيا الوسطى والقوقاز باتجاه أوروبا، وتاليا تجاوز الأراضي والممرات الروسية، ما سيعني في التحليل المباشر تهديدا لمكانة روسيا الجيوبوليتيكية ولمستقبل نفوذها الدولي. هذا فضلا عن دلالات ومضامين خسارة الوجود الروسي في إيران نفسها.

ثلاث دوائر للتعاون الروسي الخليجي

"
على مستوى العلاقات الروسية مع دول الخليج، ثمة ثلاثة مجالات رئيسية قد تتحرك فيها هذه العلاقات، وهي قطاع الصناعة النفطية، ومشاريع الطاقة النووية المقترحة حديثا، وبرامج التسلح العسكري
"
وعلى مستوى العلاقات الروسية مع دول مجلس التعاون الخليجي، ثمة ثلاثة مجالات رئيسية قد تتحرك فيها هذه العلاقات، وهي قطاع الصناعة النفطية، ومشاريع الطاقة النووية المقترحة حديثا، وبرامج التسلح العسكري.

على صعيد الصناعة النفطية، هناك الآن تعاون روسي مع بعض دول المنطقة، حيث تستثمر شركات روسية في هذه الصناعة منذ بضع سنوات.

ورغم ذلك، ثمة تحديان يفرضان نفسهما على هذا الصعيد، يتمثل الأول في محدودية مستوى تكنولوجيا صناعة النفط الروسية، قياسا بنظيراتها لدى شركات النفط العالمية، ويتمثل الثاني في المقاربة التي اعتمدتها الشركات الروسية لنشاطها في المنطقة، حيث لجأت هذه الشركات لتمويل استثماراتها من البنوك المحلية، بدلا من اعتمادها على رأس المال الروسي.

على صعيد مشاريع الطاقة النووية المقترحة حديثا في المنطقة، ظهر حديث مبكر عن احتمال لجوء دول مجلس التعاون الخليجي إلى روسيا لتكون الجهة المعتمدة لتشييد بنى هذه الطاقة. وذلك على غرار ما هو حاصل حاليا في إيران والهند، وما قد يحصل حديثا في تركيا وربما في مصر.

وبالطبع، فإن أحدا لا يحق له الوقوف ضد رغبة الدول الخليجية في اعتماد خيار الطاقة النووية، كما ليس من حق أحد الاعتراض على الجهة التي تختارها لتشييد هذه الطاقة، فهذا من صميم حقها السيادي.

رغم ذلك، ثمة أربع قضايا تفرض نفسها على هذا الصعيد:

أولا: أن مبدأ لجوء دول تزخر بثروة كبيرة من النفط والغاز إلى الطاقة النووية هي فكرة سجالية بامتياز، ويبدو الأمر أكثر سجالية في ضوء واقع الندرة السكانية لهذه الدول ومحدودية الصناعات الثقيلة فيها.

ثانيا: رغم أن احتمالات التسرب الإشعاعي بفعل عوامل خارجية قد أضحت شبه معدومة في التصاميم الحديثة للمفاعلات النووية، يبقى هذا الخطر قائما بفعل الخطأ البشري بصفة خاصة.

ثالثا: إذا قررت دول الخليج فعلا اعتماد روسيا جهة لتشييد بنى الطاقة النووية فيها، فستكون قد لجأت إلى أكبر منافسيها الدوليين في أهم مفاصل قوتها الاقتصادية وهي الطاقة الهيدروكربونية. وعلى المدى البعيد سوف يتأثر قرارها النفطي بظل الحضور الروسي في المنطقة، الذي سيبدو جوهريا في حال كانت روسيا هي من يرعى الطاقة النووية فيها.

رابعا: في الحساب الكلي لقضية التحالفات، يمكن لروسيا، على الصعيد الافتراضي التحليلي، أن تكون رصيدا لدول الخليج فقط في حال شُيدت العلاقة معها وفق نسق متوازن من الاحتياجات المتبادلة.

وقد لا يبدو الأمر كذلك في حال كانت الانطلاقة الفعلية لهذه العلاقات متجسدة في اعتماد الشركات الروسية راعيا للطاقة النووية المقترحة في المنطقة.

هل تفتح روسيا مخازن صواريخها لدول الخليج؟
وأخيرا، وبالانتقال إلى قضية التعاون العسكري بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن البعد الأهم الذي يمكن التوقف عنده هو إمكانية تزويد موسكو لهذه الدول بقدرات صاروخية ذات مغزى.

إن دول المجلس تعاني من اختلال هيكلي كبير على مستوى نظام التسلح فيها. وتحديدا، تكاد قدراتها الصاروخية لا تساوي شيئا قياسا بما لديها في مجالات التسلح الأخرى. ويعود السبب الأساسي في ذلك إلى أن الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، تمتنع تقليديا عن تزويد هذه الدول بقدرات صاروخية ضاربة خوفا من استخدامها ضد إسرائيل.

وقد نجح الإيرانيون في الإفادة من كل من روسيا والصين وكوريا الشمالية في تطوير قدراتهم الصاروخية الباليستية، ودول مجلس التعاون الخليجي معنية بدورها من الإفادة من الروس على هذا الصعيد.

وفي المراحل الأولى فإن هذه الدول معنية باستيراد صواريخ روسية ذات مديات وقدرات ذات شأن. وهي معنية في مراحل لاحقة بتوطين تكنولوجيا الصواريخ، والاستعانة بالخبرات الروسية لتأسيس صناعة صاروخية محلية.

"
دول الخليج معنية ببناء مفاهيمي جديد لقضية التوازن الإستراتيجي في الخليج، بناء لا يرتكز إلى نفس المفاهيم التي سقطت مع حرب الخليج الثانية، وباتت إعادة إنتاجها مستحيلا بعد الحرب الأميركية على العراق
"
وثمة تحد يفرض نفسه على هذا الصعيد، وهو أن العلاقات الروسية الخليجية لا تزال يافعة وغير واضحة المعالم على مستوى السقف الذي يمكن أن تصل إليه، في ضوء الارتباطات الراهنة لدول المنطقة، خاصة تلك القائمة مع الولايات المتحدة الأميركية.

بيد أن هذا الأمر رغم أهميته وواقعيته في الحسابات الجارية على الأرض لا يحول دون سعي دول المنطقة باتجاه استنفاد علاقاتها بروسيا من أجل تطوير قدرات صاروخية ذات مغزى.

وحتى الآن، فإن أبعد صاروخ لدى دول المنطقة هو الصاروخ (CSS-2) الصيني الذي يبلغ مداه 2400 كيلومتر، وتمتلكه المملكة العربية السعودية منذ العام 1988. وربما كان اقتناء هذا الصاروخ هو أحد الدروس التي خرجت بها دول المنطقة من الحرب العراقية الإيرانية.

وفي ظل معطيات البيئة الأمنية الراهنة في الخليج ومحيطه العربي والشرق أوسطي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي معنية بالدخول في إعادة رسم وتحديد واضح لطبيعة الأخطار والتحديات الإستراتيجية الطابع، وسلمها التراتبي، واستتباعا إعادة رسم هيكل التسلح واتجاهات الإنفاق الدفاعي.

وفي السياق الأكثر مرجعية، فإن دول المجلس معنية ببناء مفاهيمي جديد لقضية التوازن الإستراتيجي في الخليج، بناء لا يرتكز إلى نفس المفاهيم التي سقطت مع حرب الخليج الثانية، وبات إعادة إنتاجها مستحيلا بعد الحرب الأميركية على العراق، وغدت غير ذات جدوى في ضوء الدروس التي أفرزتها حرب لبنان الثانية في صيف العام 2006.

وما يمكن قوله ختاما هو أن كلا من الجانبين الروسي والخليجي معنيان بالبحث عن المداخل الأكثر إلحاحا لبناء علاقات ذات مغزى، قادرة على استيعاب النمط المتباين من الخصوصيات والتطلعات.
ــــــــــــــ
كاتب بحريني

المصدر : الجزيرة