برهان غليون

برهان غليون

أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس.


بالنسبة لشعوب المنطقة، يخلق انهيار الشرق الأوسط القديم، الذي يضاف إلى انهيار النظام العربي القومي الذي عمل العرب من دون نجاح على إحلاله محل نظام التبعية الغربية، في الخمسينيات والستينيات، فراغا كبيرا وخطيرا، إستراتيجيا وسياسيا وفكريا ورمزيا في الوقت نفسه.

ويثير فراغ القوة هذا شهية أطراف محلية وأجنبية عديدة، ويجذبها للدخول في لعبة الشرق الأوسط وتغيير قواعدها.

كما يعطي للقوى المختلفة المكونة للنظام الشعور بهامش أكبر للحركة المستقلة، ويدفعها للتطلع إلى سياسات بديلة، والبحث عن استقطابات لم يكن من الممكن تصورها من قبل.

هكذا تنزع كل قوة إلى مراجعة حساباتها الوطنية والإقليمية، والتفكير في إعادة تحديد أهدافها وسياساتها، في سياق الاستعداد للمشاركة في بناء نظام شرق أوسطي جديد يقوم ككل نظام، على توازن القوى واتساق الرؤى الكبرى، وتوفير الموارد، وتحديد الغايات، وبلورة الأهداف وتعيين الوسائل.

وفي هذا الإطار، وكما عمل فراغ القوة الذي نشأ عن انهيار الاتحاد السوفياتي إلى تعظيم شهية نظام البعث العراقي إلى توسيع دائرة نفوذه وفرض نفسه حارسا للخليج.

"
تنزع كل قوة إلى مراجعة حساباتها الوطنية والإقليمية، والتفكير في إعادة تحديد أهدافها وسياساتها، في سياق الاستعداد للمشاركة في بناء نظام شرق أوسطي جديد يقوم ككل نظام على توازن القوى واتساق الرؤى الكبرى
"
وأدى بهذا النظام نفسه إلى الهلاك في مواجهة القوى الدولية الضارية، التي لا تخاف من الوحوش الصغيرة حتى لو كانت مفترسة.

سعت إيران أحمدي نجاد في الأشهر الماضية إلى استغلال فراغ القوة الناجم عن انهيار الوضع الأميركي في الشرق الأوسط، وهو في أساس استقرار النظام، للتقدم والتصدي لموقع القوة الإقليمية القائدة والمتحدية.

ووجد هذا التوجه الإيراني نحو تأكيد زعامتها الفكرية والسياسية، وهو ما هدفت إليه التصريحات والمواقف والنشاطات الموجهة لكسر المقدسات الصهيونية، وعملها على مراكمة القوة التي يجسدها التأكيد على استقلال البرنامج النووي الوطني.

ولعب دور إقليمي رئيسي في مواجهة الولايات المتحدة وسياساتها التسلطية، هوى قويا عند بعض الأطراف المحلية التي عانت ولا تزال تعاني من غطرسة القوة الأميركية وظلمها أيضا، في سوريا وفلسطين ولبنان وغيره من البلدان العربية.

وهكذا تشكل ما أطلق عليه المحللون السياسيون الدوليون محور طهران/دمشق/حزب الله/ حماس الذي وجد في الوقوف في وجه السياسات الأميركية هدفا مشتركا لجميع الأطراف.

وبينما يتوقف حلم دمشق البعثية في استغلال قيام المحور الجديد على تحصين نفسها ضد الضغوط الدولية التي تتعرض لها في إطار تكوين المحكمة الدولية للتحقيق في مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، والهرب من دفع ثمن الخطأ الذي ارتكبته بوضع نفسها علانية في خانة المتهم بمقاومة السياسة الأميركية في العراق والفرنسية في لبنان، يأمل حزب الله أن يمكنه صعود نجم طهران الإقليمي وتحديها للولايات المتحدة، ذات السياسات المخفقة والمتخبطة، من الاحتفاظ بقوته العسكرية والسياسية داخل لبنان، أي الاحتفاظ بأسلحته.

وتطمح حماس، في المقابل، كغيرها من القوى الشعبية المناهضة للسيطرة الأميركية، إلى الحصول من المحور نفسه على دعم مادي وإستراتيجي وسياسي ومعنوي يعوض الدعم العربي والأوروبي الذي فقدته، ولا أمل لها من دونه في البقاء والاستمرار في الحكم في فلسطين.

لكن، رغم الوضع شبه اليائس الذي تعيشه السياسة الأميركية الشرق أوسطية اليوم وغياب خياراتها الجدية لا أعتقد أن أمام المشروع القومي الإيراني مستقبلا كبيرا، سواء نجح الإيرانيون في الحصول على القنبلة النووية أم لا.

وليس هناك أي أمل في أن تتحول إيران إلى محور السياسة الشرق أوسطية أو محركها الرئيسي. فحتى لو أخفق التحالف الأميركي الإسرائيلي وجزئيا الأوروبي، وسوف يخفق في نظري، في استعادة زمام المبادرة في الشرق الأوسط، لن يكون ذلك لصالح أي قوة أخرى منفردة.

ولن يعود الاستقرار في المنطقة إلا إذا توصلت القوى الرئيسية فيها، وهي الدول العربية، وعلى رأسها اليوم مصر والسعودية من جهة، وإيران من جهة ثانية، وتركيا من جهة ثالثة، إلى تفاهم إقليمي قوي يسمح بإعادة إطلاق الحياة الدولية والسياسية والاقتصادية والثقافية في المنطقة على أسس جديدة، ويخلق إطارا لتسيير شؤونها بصورة متسقة ومتكاملة وتشاركية.

ولن يمكن تحقيق ذلك دون تفاهم أيضا مع الدول الكبرى ذات المصالح الحيوية في المشرق العربي، وعلى رأسها دون شك الولايات المتحدة وأوروبا، لكن أيضا الصين والاتحاد الروسي والهند واليابان.

"
طريق تحرير الشرق الأوسط من محنته واستعادة حالة الأمن والسلام والاستقرار والازدهار فيه يمر لا محالة عبر التفاهم بين جميع الأطراف المعنية على بناء نظام تعددي يعترف بمصالح الجميع ويقيم التسويات المطلوبة بينها على مبادئ وقواعد عادلة
"
فليس البديل عن نظام الشرق الأوسط الغربي المهدد بالانهيار نظاما شرق أوسطي أحاديا جديدا يقوم من حول دولة واحدة، مهما كانت مواردها وقدراتها، ولا حتى من حول مجموعة دول ذات مصالح مشتركة ومتشابهة.

إن طريق تحرير الشرق الأوسط من محنته واستعادة حالة الأمن والسلام والاستقرار والازدهار فيه يمر لا محالة عبر التفاهم بين جميع الأطراف المعنية على بناء نظام تعددي يعترف بمصالح الجميع، ويقيم التسويات المطلوبة بينها على مبادئ وقواعد عادلة ومقبولة.

ويحتاج التوصل إلى مثل هذه التفاهمات إلى ورقة طريق بل أوراق طريق عديدة على المستوى العربي أولا، لتقريب وجهات النظر بين الدول العربية ووضعها على سكة واحدة وتبنيها اختيارات مشتركة، وعلى المستوى الإقليمي ثانيا، بين العرب والإيرانيين والعرب والأتراك أيضا.

وعلى مستوى دولي أخيرا، يقرب مصالح ووجهات نظر ما يمكن أن نسميه منذ الآن "منظمة أمن وتعاون دول الشرق الأوسط" من مصالح ورؤى الدول الكبرى، منفردة ومجتمعة.

وهو عمل يحتاج إلى إيمان وإرادة قوية وتعبئة سياسية وفكرية من قبل النخب الحاكمة العربية، التي ينبغي عليها أخذ المبادرة، لأنها هي المعنية أولا بهذه القضية، بقدر ما أنها تشكل الضحية الرئيسية لغياب التفاهم الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط ومن حول تنظيم شؤونه الإستراتيجية والسياسية.

ينطلق مشروع التعاون الإقليمي المقترح من الاعتقاد بأن المشروعين السابقين اللذين عنيا بتنظيم شؤون الشرق الأوسط وطمحا إلى التحكم بعلاقات أطرافه، في العقود الماضية، مشروع القومية العربية الذي بقي مشروعا نضاليا بديلا لم يجد، إلا لماما وعلى مستويات محدودة، حظه من التطبيق.

ومشروع الشرق الأوسط شبه الاستعماري الذي فرض نفسه منذ استقلال الدول العربية واستعاد المبادرة بعد السبعينيات، رغم ما تعرض له من تحديات قوية، قد وصلا معا إلى طريق مسدود.

أفل نجم المشروع العربي منذ السبعينيات، ونحن نشهد اليوم انحسار المشروع الوصائي الغربي وتفكك أسسه ومبادئه. وكل الأزمات والانفجارات والعنف الذي تشهده المنطقة منذ عقدين أو أكثر ليس إلا تعبيرا عن أزمة هذا النظام ومأزقه التاريخي.

ولا يفسر العجز عن التوصل إلى تسويات للنزاعات والتشنجات القائمة في كل مكان، داخل الدول وبينها، إلا رفض القوى المشاركة فيه، عربا وغربيين، من الاعتراف بهذه الحقيقة وسعيهم، ضد المنطق والواقع معا، إلى إحياء مشاريع تجاوزها الزمن، ولم يعد لها أساس عميق في الواقع يمكن البناء عليه.

"
أفل نجم المشروع العربي منذ السبعينيات، ونحن نشهد اليوم انحسار المشروع الوصائي الغربي وتفكك أسسه ومبادئه. وكل الأزمات والانفجارات والعنف الذي تشهده المنطقة منذ عقدين أو أكثر ليس إلا تعبيرا عن أزمة هذا النظام ومأزقه التاريخي
"

كما لا يفسر الأخطاء العديدة التي يرتكبها العرب والغربيون معا سوى استمرارهم في استلهام قيم قومية أو استعمارية بائدة، وتعلقهم بنماذج النظم السابقة وتشبثهم بها والتصرف من منطلقها. ولا يمكن لاستمرار هذا السلوك إلا أن يقود إلى مواجهات لا نهاية لها ولا قرار.

لن ينجح العرب في إحياء مشروع نظام الشرق الأوسط القومي الذي يفرض على المنطقة هوية العرب ومصالحهم وأجندتهم التاريخية في المقام الأول.

ولن ينجح مشروع الوصاية الغربية الذي يريد جعل الشرق الأوسط مزرعة للمصالح الغربية وجزءا من أجندتها التاريخية.

وكما ستخفق جميع مشاريع التنظيم الإقليمي القائمة على قيم التمحور القومي في وضع حد لتدخل القوى الدولية الكبرى الأميركية اليوم، والصينية أو الهندية أو الروسية أو كلها معا غدا، سوف يخفق الغرب وحلفاؤه ومنافسوه الدوليون في المستقبل، في إخماد جذوة الحرية والاستقلال عند العرب، والقضاء على مقاومتهم التي يمكن أن تتخذ أشكالا متعددة، بما فيها التوسع في الحركات الإرهابية.

ليس هناك حل لأزمة الشرق الأوسط، أي للفراغ الذي أحدثه غياب المشروع الناظم فيه، بما فيه المشروع الاستعماري أو شبه الاستعماري، ومن قبل المشروع القومي، إلا في تجاوز منطق القومية ومنطق الاستعمار معا.

فمن غير الممكن أن يسمح مثل هذا المنطق للعرب اليوم بالتعامل مع الوقائع التاريخية الملموسة، أي الموجودة على الأرض، ولا أن يفتح أي آفاق أمام الممارسة السياسية والاقتصادية والفكرية الإيجابية، أي البانية لوضع عربي جديد قادر على حل مشكلات المجتمعات العربية أو وضع أسس التحرر في المستقبل.

بالعكس، إن هذا المنطق يقود إلى التورط بشكل أكبر في المواجهة والعنف، وفي تفكيك المجتمعات العربية وتذريرها.

ليس هناك بديل للفراغ الإقليمي الراهن، في نظري، سوى في إقامة نظام إقليمي جديد، يتجاوز القومية، من دون أن يلغيها، لكن مع تشذيبها وتعديلها، أي إعادة تعريفها، نحو الفكرة الإقليمية، ويستبدل الاستقلال الذاتي للإقليم، من دون أن ينفي الاعتراف بمشروعية مصالح الدول الصناعية، بالوصاية الخارجية.

بالتأكيد، لا تتسق هذه الرؤية مع قيم عديدة سائدة عندنا وعند الغرب، ولا مع الصور التي يكونها كل طرف للطرف الآخر، عن حق أو من دون حق.

ومن هنا، يفترض تبينها والأخذ بها في سبيل بناء هذا النظام الإقليمي المنشود تحولا عميقا في تصور العرب لإقليمهم ولمكانتهم في هذا الإقليم والاعتراف، في مواجهة النرجسية أو المركزية القومية التي سيطرت علينا خلال العقود الطويلة الماضية، وفصلتنا عن الواقع.

إننا لسنا الوحيدين الذين نعيش فيه، والذين نملك الحق في تقرير مصيره، وأن ضمان حقوقنا مرتبط بقدرتنا على التعرف على حقوق الشركاء الآخرين، والاعتراف بها والتفاهم معها.

"
علينا استدراج الغرب لمفاوضات جدية ودولية علنية حول شروط استثمار النفط، وشروط توطين إسرائيل، والعمل إلى جانب المجموعة الدولية لحل المشكلات النابعة عن هذه المسائل جميعا
"
وعلينا في السياق نفسه أن ندرك كذلك الطابع الإستراتيجي، أي الدولي، للمنطقة التي تحتوي على ثلثي احتياطي الطاقة العالمي، وتحتل موقعا جيوإستراتيجيا حساسا، كما أنها تتحمل، أو وقع على عاتقها أن تتحمل، بسبب هروب الغرب من مسؤولياته التاريخية، مسؤولية كبيرة في حل المسألة اليهودية التي هي في الأصل مسألة أوروبية.

كما يفترض تبني هذه الرؤية والإستراتيجية العربية الجديدة الاعتراف بأن الاستقلال لا يغني عن التفاهم مع الدول الكبرى ولا يلغي الحاجة إليه، بل بالعكس يستدعيه ويتطلبه، لأن شرط الاستقلال، في الشرق الأوسط بشكل خاص، تفاهم العرب ودول الإقليم مع القوى الصناعية الغربية القريبة، وتحويلها من قوى منافسة إلى شريكة في السراء والضراء.

وأنه لا يمكن لشعوب الشرق الأوسط من العرب والإيرانيين والأتراك والأكراد، أن يحققوا مصالحهم وتقدمهم واستقلالهم في مواجهة هذه القوى أو بالعداء لها وتهديد مصالحها الإستراتيجية.

وهذا يعني العمل تماما بعكس ما نفعله الآن، أي أن علينا استدراج الغرب لمفاوضات جدية ودولية علنية حول شروط استثمار النفط وشروط توطين إسرائيل، والعمل إلى جانب المجموعة الدولية لحل المشكلات النابعة عن هذه المسائل جميعا.

وهو ما يشجع عليه اليوم الوضع الهش للغرب في المنطقة، وما يستدعي إطارا للحوار يختلف عن تلك الإطارات الوهمية المسماة بحوار الحضارات والأديان أو مفاوضات السلام الإسرائيلية ويؤطر لها جميعا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك