وليد الزبيدي

أولا: أخطار الدستور العراقي
ثانيا: أمراض العملية السياسية
ثالثا: مستقبل العلاقة بين البلدين
بداية أخرى

يخطئ من يتصور أن الأوضاع العراقية لن تعبر الحدود وستبقى حبيسة بلاد النهرين ولن تصل عرباتها إلى هذا البلد أو ذاك، بل إن جميع المؤشرات تقول إنها بدأت تتفاعل بطريقة أو بأخرى في العديد من دول جوار العراق والمنطقة، ولكل مجتمع خصوصية بنوع الانعكاسات التي تحصل، لكن يبقى لإيران حصتها الخاصة من ذلك، وهذا ما سنحاول مناقشته في ضوء المتغيرات الجارية.

ونعتقد أن أكثر الانعكاسات والتفاعلات السلبية ستكون داخل المجتمع الإيراني، إن لم تكن قد بدأت أولى ملامح هذا التفاعل، وأن الكثير من العربات المحملة بالتجربة العراقية ستصل إلى إيران، لترمي هناك الكثير مما ألقته في العراق منذ احتلال أميركا له في العام 2003 وحتى الآن ويمكن إجمال ذلك بالأوجه الثلاثة التالية، وهي أخطار الدستور العراقي وأمراض العملية السياسية ومستقبل العلاقة بين البلدين.

إن هذه القراءة تعتمد على رصد لمجريات الأحداث في العراق، في السنوات الأربع المنصرمة والموقف الإيراني منها، وتعتمد القراءة على التشابه المعروف في التركيبة بين المجتمعين العراقي والإيراني، وطبيعة الخطاب الذي تربى عليه العراقيون والإيرانيون،على الأقل في ربع القرن الأخير، وقاسمه المشترك مناصبة العداء لخصم واحد هو الولايات المتحدة ومعها إسرائيل.

وظل هذا الخطاب موحدا حتى عندما كان العداء بين الجارين العراق وإيران على أشده في الحرب العراقية الإيرانية الدامية، التي استمرت ثماني سنوات (1980-1988)، فقد واصل العراق بزعامة الرئيس السابق صدام حسين هجومه على الولايات المتحدة، ولم تتوقف إيران بزعامة آية الله الخميني عن مهاجمة "الشيطان الأكبر".

"
الكثير من العربات المحملة بالتجربة العراقية ستصل إلى إيران لترمي هناك الكثير مما ألقته في العراق منذ احتلال أميركا له عام 2003
"
وأصبح هذا الموقف من قبل بغداد وطهران من الثوابت التي لا يمكن الحياد عنها، وما زاد من قوة الموقف المشترك ذلك التقارب الذي حصل بين العراق وإيران، بعد أن بدأت ملامح شن الحرب على العراق من قبل الولايات المتحدة ودول التحالف أواخر العام 1990 في حرب الخليج الأولى.

حيث أعلنت إيران استعدادها لمساعدة العراق، وسارع المسؤولون العراقيون إلى دعم تلك الخطوات بإيداع أهم الطائرات العراقية المقاتلة لدى إيران، إضافة إلى عدد من الطائرات المدنية التابعة لأسطول الخطوط الجوية العراقية.

ومهما حصلت من خلافات بين حكومتي بغداد وطهران فإن القناعة الراسخة في الشارعين الإيراني والعراقي هو التقاء البلدين في عدائهما للولايات المتحدة، بسبب دعمها المطلق لإسرائيل التي تحتل الأراضي العربية بفلسطين.

إلا أن هذه الصورة قد أخذت بالتصدع، خاصة بعد أن أعلنت إيران دعمها للعملية السياسية في العراق التي تجري مراحلها ومواصفاتها في ظل الاحتلال الأميركي، ونحن هنا لسنا بصدد توجيه الانتقاد للسياسة والسياسيين الإيرانيين وإنما نريد أن نبين حجم الأخطار التي تنعكس على الأوضاع الإيرانية نتيجة ما يجري في العراق.

أولا: أخطار الدستور العراقي
إن الدستور العراقي الذي جرى التصويت عليه في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 يتضمن الكثير من الألغام التي زرعت لتنفجر داخل المجتمع العراقي.

وبسبب التشابه في التركيبة الاجتماعية والعرقية والمذهبية بين العراق وإيران وانعكاس ذلك على الثروات وتوزيعها، فإن أمراض هذا الدستور الذي وصفه عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية بأنه يمثل (وصفه للفوضى) ستنتقل إلى إيران إن آجلا أم عاجلا.

ويعرف الجميع أن غالبية فقرات ومواد الدستور جاءت مستنسخة ومنقولة من قانون إدارة الدولة الذي وضعته قوات الاحتلال الأميركي في عهد بول بريمر، وجرى العمل به في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003، وأن الذي صاغ هذا القانون هو البروفيسور اليهودي الأميركي من أصل عراقي نوح فيدلمان.

وأثناء مناقشات قانون إدارة الدولة كان بول بريمر يتدخل ويفرض رأيه على أعضاء مجلس الحكم الذي شكله الاحتلال منتصف يوليو/ تموز 2003، ومن رحم هذا القانون ولد الدستور العراقي، الذي جرى تمريره وسط أجواء يصفها المشاركون في العملية السياسية بأنها قد زخرت بالتزوير.

ولا بد من القول إن هناك خطرين أساسيين يتضمنهما الدستور العراقي، وقد تنتقلان بسهولة إلى إيران، هذان الخطران هما:

1- إعطاء الحق للأكراد بالانفصال ضمن صيغة فدرالية تسير بسرعة نحو تحقيق الانفصال، من خلال حجم الصلاحيات للإقليم وضعف الارتباط بالمركز.

وسيكون وقع صورة الانفصال هذه قويا جدا عند أكراد إيران الذين ينتشرون على مساحة واسعة في مناطق شمال وشمال شرق إيران، وسيجدون أنفسهم أمام مطلب واضح، وهو أن يتحقق لهم الانفصال أيضا على غرار ما حصل لأكراد العراق.

"
حق الأكراد وتوزيع الثروات خطران لن يتوقفا عند حدود العراق، وستصل عربتهما بسرعة إلى مناطق واسعة من إيران، وعند ذاك لن تتمكن الحكومة الإيرانية من إقناع الناس بحقيقة الخطر الكامن في الدستور العراقي بعد أن دعمته بقوة
"
وينطبق نفس الأمر على العرب في جنوب إيران، فحصول فدراليات وسط وجنوب العراق استنادا إلى الدستور سيدفع بعرب الأهواز إلى المطالبة به.

2- مسألة توزيع الثروات التي اعتمدها الدستور العراقي الذي دعمته إيران بقوة وباركته يذهب إلى إعطاء الثروات حسب الرقعة الجغرافية، ولأن ثروة إيران الرئيسية هي النفط، سيكون ذلك من حصة العرب في جنوب إيران، حيث تتمركز الثروة النفطية هناك.

وإذا ما طبق الدستور في العراق وفق الصيغة التي أقرت فإن تحركا لا حدود له سيحصل في مدن الجنوب الإيراني للحصول على ذات الحقوق، خاصة أن هذه الصيغة في الدستور قد حظيت بالتأييد والتشجيع الإيراني حين تم إقرارها في أكتوبر/ تشرين الأول 2005.

وهذان الخطران لن يتوقفا عند حدود العراق وستصل عربتهما بسرعة إلى مناطق واسعة من إيران، وعند ذاك لن تتمكن الحكومة الإيرانية من إقناع الناس بحقيقة الخطر الكامن في الدستور العراقي، بعد أن دعمته بقوة أثناء تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة العراقية في العام 2005.

ثانيا: أمراض العملية السياسية
صحيح أن الدستور العراقي هو أحد الأركان الرئيسية في بنية العملية السياسية التي جرت صناعتها وصياغة مفاصلها في ظل الاحتلال الأميركي وبإشراف مباشر منه، ومع ذلك فإن إيران قد أعلنت دعمها لهذه العملية.

غير أنه لا تنحصر الأخطار التي تهدد إيران في حدود ما أشرنا إليه في ثنايا الدستور، بل إن العملية السياسية تزخر بالأمراض، لأنها تأسست على مرتكزات عرقية وطائفية، وعندما تدعمها إيران من خلال مجمل خطابها السياسي تدفع إلى اعتمادها أساسا ومنهجا في العمل السياسي والإداري.

أي بمعنى أن ما يصلح في العراق لا بد أن يكون مفيدا في إيران باعتبارها نموذجا يجب الاقتداء به، ولأن العملية السياسية ذات التوجه الطائفي والعرقي في العراق تمت بإشراف الإدارة الأميركية كان المتوقع أن تتعرض للهجوم والتعرية من قبل إيران لأنها تجري على حدودها الغربية وداخل مصنع (الشيطان الأكبر).

غير أن الذي حصل عكس ذلك تماما، فبدلا من التزام الصمت على أقل تقدير إزاء هذه العملية السياسية، دعمتها إيران بقوة وعملت على تثبيتها ومحاولة دفعها للإمام.

ويستطيع المراقبون تلمس حركة داخلية إيرانية نتيجة لانعكاسات وتأثيرات ما يجري في العراق من توجهات وتحركات طائفية وعرقية، التي تتسم بها العملية السياسية في العراق وتسيطر على جميع مفاصلها.

أما الذين يقفون بوجه حكومة إيران في الوقت الحالي، سواء كان ذلك داخل إيران أم خارجها من المعارضة الإيرانية، فإنهم يطرحون وسؤالا بسيطا، وهو ما لم تستطع الحكومة الإيرانية الإجابة عنه على الإطلاق.

ويتمثل هذا السؤال بالقول إنه كيف تعادي إيران (الشيطان الأكبر) في كل مكان، في خطابها السياسي وتدعمه وتعمل على إنجاحه على أرض الواقع في العراق؟

إن هذا السؤال هو جوهر ما يجري، وعدم قدرة طهران على الإجابة عنه يدفع نحو تفاعل المزيد من الانعكاسات السلبية والخطيرة للعملية السياسية العراقية داخل المجتمع الإيراني.

ثالثا: مستقبل العلاقة بين البلدين

"
تمسك إيران بدعم الواقع الاحتلالي عبر واجهاته الحالية يضر بمستقبل العلاقة مع العراق ويتسبب بخسائر كثيرة لإيران، وينعكس ذلك على مزاج قطاع واسع من الإيرانيين الذين يتساءلون عن حقيقة التناقض بين الخطاب الإيراني والسلوك السياسي
"
مهما قيل من كلام واستنادا إلى النظريات السياسية من أن سياسة الدول لن تكون ثابتة ومقيدة بحكومة معينة، وأن المصالح المشتركة هي التي تتحكم بذلك، فإن الدعم الإيراني الواسع والكبير للعملية السياسية الجارية في العراق وكما يراه الجميع لم يمزق الكثير من ثوابت الخطاب السياسي الإيراني وحسب، وإنما وضع العديد من العراقيل أمام مستقبل العلاقة بين البلدين المسلمين الجارين.

ومن المفترض أن العقلية الإيرانية تقرأ الأحداث بدقة وعلى درجة كبيرة من الموضوعية، ما يقودها إلى رسم تصور واضح يؤكد سير الاحتلال الأميركي وعمليته السياسية نحو المزيد من التدهور، إن لم يكن قد دخل فعلا في مرحلة التهرؤ، ويتطلب ذلك موقفا مغايرا تماما، يتجه نحو القوى الوطنية العراقية التي عملت كل ما تستطيع لإفشال الاحتلال الأميركي وإنهاء مشروعه الكوني الذي ينطلق من العراق.

ولا شك أن تمسك إيران بدعم الواقع الاحتلالي من خلال واجهاته الحالية يضر بمستقبل العلاقة بين البلدين ويتسبب بخسائر كثيرة لإيران، وينعكس ذلك على مزاج قطاع واسع من الإيرانيين الذين يتساءلون عن حقيقة التناقض بين الخطاب الإيراني والسلوك السياسي الذي يثير بدوره العديد من علامات الاستفهام.

بداية أخرى
إن تأثير خطورة الانعكاسات السلبية للأوضاع العراقية في ظل العملية السياسية الحالية على الداخل الإيراني يشكل دعوة لدراسة تلك الانعكاسات وخطورتها على إيران حاضرا ومستقبلا، والعمل على تفاديها بطرق لا تحمل الكثير من التعقيد والعناء.

خاصة أن جميع الدلائل تؤكد فشل مشروع أميركا بجميع أدواته وأنهم يحزمون حقائبهم استعدادا للرحيل، وأن حقائق الواقع وشواهد التاريخ تقول إن كل الاحتلالات وأدواتها ترحل والجغرافيا ثابتة لا تتبدل ولا تتغير.
ــــــــــــ
كاتب عراقي

المصدر : الجزيرة