كريمة بداوي

عندما يتحدث المثقفون العرب من بقايا دعاة القومية والعلمانية عن الخطاب الإسلامي، فإنهم يصفونه بكل سطحية بالخطاب الوعظي أو خطاب أصحاب العمائم.

"
بعض أنواع الخطاب الإسلامي تأتي إقصائية مهيجة للروح العصبية، ولكن يوجد  في الساحة خطاب إسلامي معتدل، ونظرا لما تمر به أمتنا من أحداث جسام يتم تسليط الضوء على الجانب القاتم وتقديمه إعلاميا على أنه الصورة الوحيدة للإسلام
"

والحقيقة أن الخطاب الإسلامي شأنه شأن كل خطاب ليس إلا وسيلة للتواصل وأداة للتعبير، يتخذها صاحبها جسرا لإقناع المخاطب.

إلا أن خصوصية هذا الخطاب وميزته عن باقي الخطابات الوضعية هي أنه خطاب يتخذ الإسلام منبعا، أي أنه يعتمد النصوص القرآنية والسنية مصدرا، ومن هنا أطلق عليه خصومه وصف "الوعظية" أو "اللاهوتية" محاولين بذلك حصره في خانة "التراث الديني" من أجل تجميد فاعليته وأدواره.

والباحث المنصف يقر يقينا أن إطلاق الدعاوى مجردة عن الدليل رزية ونقيصة تعود على صاحبها بالنقض والهدم، خاصة إذا كان يدعي الاستناد إلى المنطق العلمي ومناهج العلوم الحديثة.

ذلك أنه من أجل إصدار حكم شامل على القرآن الكريم والأحاديث النبوية بأنهما ينحصران في شؤون الآخرة وتزكية النفس، لا بد أن يكون الباحث قد قام من قبل بدراسة استقرائية لجميع هذه النصوص، مستعملا أدوات المنهج المعرفي للولوج إلى ذلك، بأن يكون ملما بجملة القواعد والمعلومات التي تعرفه بمراتب الخبر الصحيح، وبأصول الدلالات اللغوية والبيان من أجل تفسير النصوص (وهو ما يعرف بعلم أصول الفقه).

وهذا ما لم يكلف به أصحاب هذه الآراء الجانحة أنفسهم، وهو أيضا ما لم يفعله "المتنورون" من أصحاب البحوث والدراسات الجامعية الغربية الذين يطالعوننا بكل جديد غريب من اجتهاداتهم وآرائهم كخطاب إسلامي بديل، وهي آراء باطلة ومرفوضة لشرودها -كما ذكرت- عن قواعد التفسير والاجتهاد.

إن من آثار ونتائج تحكيم المنهج العلمي في التعامل مع القرآن الكريم والسنة المطهرة، تأكيده أن صفة الشمولية والتوازن والصلاحية من أهم خصائص الخطاب الإسلامي.

لذلك جاء هذا الخطاب -فقها وفكرا وأدبا- معالجا لجميع نواحي الخلل التي قد تطرأ على حياة البشر، مراعيا سنن التغيير، بما يملكه من مرونة يوفرها له عنصر الاجتهاد والنظر.

وقد يتساءل معترض إذا كان هذا شأن الخطاب الإسلامي فلم نجده في الواقع منقسما إلى عدة أنواع متعارضة متناحرة فيما بينها؟ ثم لم يجنح بعض دعاته إلى تغليب جانب على آخر مما يفقده صفة التوازن والشمول (كما يفعله الخطاب السلفي العلمي مثلا عندما ينأى أصحابه بأنفسهم عن دخول معترك الإصلاح والتغيير والمطالبة بالحقوق السياسية والحريات أو الخطاب الصوفي الذي يركز على علم القلوب والتأملات ملهيا الناس عن واقع الحياة).

وهنا لا بد أن نفرق مبدئيا بين البيئتين السنية والشيعية كما يرى الدكتور محمد عمارة لأنه لا عصمة لعالم دين ولا لمؤسسة العلم الديني لدى السنة وهم غالبية المسلمين (أزمة الفكر الإسلامي المعاصر).

وعليه فإن الوقوع في الخطأ وارد ما دام المطلوب استفراغ الوسع والجهد للوصول إلى معاني النصوص لا إصابة حقيقة هذه المعاني.

لكن المرفوض قطعا هو اختلاف أصحاب الخطاب الإسلامي اختلافا يؤدي بهم إلى القطيعة، بأن يحكم بعضهم على بعض بالابتداع والشذوذ بدلا من التعاون والتكامل.

ولعل أجود ما حرر في هذا الموضوع هو كتاب الدكتور البوطي "السلفية فترة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي"، وفيه يوضح أن قواعد المنهج (منهج البحث) ذاته لا تتكفل بتوفير عوامل الاتفاق وسد منافذ الاختلاف في النقاط المختلف فيها وذلك لحكم باهرة لا يعجز اللبيب عن إدراكها (ص93).

وإذا كنا نقر أن بعض أنواع الخطاب الإسلامي تأتي إقصائية مهيجة للروح العصبية، فإننا لا نعدم في الساحة الإسلامية وجود الخطاب الإسلامي المعتدل الملتزم بمنهج الوسطية، ولكن نظرا لما تمر به أمتنا من أحداث جسام، فإنه يتم تسليط الضوء على الجانب القاتم، وتقديمه إعلاميا على أنه الصورة الوحيدة للإسلام.

"
بعض العقبات الكثيرة التي تعترض نجاح الخطاب الإسلامي، هو من صنع أصحابه أنفسهم
"
أتفق مع المخالف الناقد في أن بعض العقبات الكثيرة التي تعترض نجاح الخطاب الإسلامي، هو من صنع أصحابه أنفسهم، إذ إنه عندما يتم تجاهل أولويات القضايا والاشتغال بافتعال الفتن المذهبية، وعندما لا يكون التفكير إلا في حدود المذهب والجماعة، وتغيب روح النقد البناء داخل الصفوف، وتكون الطاعة العمياء مرادفا للتربية والالتزام، فإن النتاج الطبيعي لذلك هو أن تضيع الطاقات والجهود فيما لا طائل من ورائه.

وربما يكون هذا هو التفسير المقنع لما نجده متداولا من كتب ومقالات وأشرطة تفيض بالاتهامات المتبادلة والقدح المغرض، مما يشوش أذهان الناس ويزعزع ثقتهم في صلاحية الخطاب الإسلامي على وجه العموم.

ولعل من أكبر المصائب التي ابتلي بها المسلمون اليوم أن يكون من أدعياء هذا الخطاب، من تغلب عليه الأمية والتخليط من ذوي التثقيف الديني العصامي الذين يتخصصون في مواضيع الترهيب وزجر المرأة، والتزهيد في عمارة الدنيا.

وليت الأمر يقف بهم عند هذا الحد، بل إنهم يقومون في كثير من المنابر بتعبئة الشباب بروح الكراهية والحقد، عازفين على وتيرة الحقوق المهضومة في البلاد العربية، مما يؤدي بهم في النهاية إلى الانزلاق في مستنقع التكفير والاستحلال.

وليس الأمر أقل سوءا عندما يتجه هؤلاء وأتباعهم إلى الفضاء الخارجي، ويخاطبون العالم بلغة متخلفة عن منطق العصر وآلياته، مما يفقد الخطاب الإسلامي عالميته وإنسانيته.

لكن أليس من الإنصاف أيضا أن نتحدث قليلا عن العقبات الأخرى التي بسببها لم يكتب لأي خطاب إسلامي مهما كان مخلصا وسطيا معتدلا، الوصول إلى مبتغاه.

أليست أوضاعنا المحلية في دولنا العربية الرافضة لمبدأ الإصلاح والديمقراطية هي التي ساهمت في خلق هذه الأجواء المظلمة، وبدلا من أن يلجأ الناس إلى معرفة دينهم عن طريق متخصص بكل حرية ووضوح، يرغمون بطريقة أو بأخرى على التلقي من طرق غير مؤهلة.

ولأن أنظمتنا العربية قد تكفلت بتوظيف المنابر لصالحها، فإن الشباب وهم الشريحة العريضة في مجتمعاتنا، يبحثون عن مصدر آخر لا يتهمونه بالولاء.

وفي ظل العزلة المفروضة على الأكفاء الموثوق بهم في بعض الدول الإسلامية من السهل أن يقع أحداث السن فريسة للخطاب غير المتوازن، خصوصا أن جل ما تلقوه في مراحل تعليمهم لا يكفل لهم الحصانة والتوجيه اللازمين.

"
لا نتحدث اليوم عن رسالتنا الحضارية كأمة الشهادة والخيرية، لأننا ما زلنا بعد نتلمس آثار الطريق، فنحن إلى حد الساعة عاجزون عن التغيير
"
ثم إن الاستبداد السياسي الصفة اللصيقة بأنظمتنا، يستغل ما يجري من وقائع أمنية في بعض الدول العربية التي عسرت فيها ولادة الديمقراطية، للتشنيع على أي خطاب إصلاحي والتنفير منه.

كما يستغل تماما الخطاب الصوفي لإلهاء الناس وصرفهم عن فكرة التغيير، وذلك بإحيائه إعلاميا، وتشجيع نظام الزوايا والاحتفال بالأولياء، الفكرة القديمة التي استعملها المستعمر الغربي عندما كان يطبق بأنيابه البغيضة على البلاد الإسلامية.

كما أن واقع الأمة العربية والإسلامية في فلسطين والعراق والصومال وأفغانستان -القائمة الطويلة- قد أفرز أنواعا معقدة من الخطاب الإسلامي.

وهنا لا نتحدث عن خيار المقاومة، لأنه الخطاب الأصيل الذي لم يتوقف يوما عن السريان في جسد الأمة لحفظ كرامتها وهويتها، ولكننا نشير إلى الأزمات التي يعيشها هذا الخطاب عندما يسقط في فخ الطائفية المنصوب له، أو فخ المواجهات الداخلية كما هو الحال في الشأن الفلسطيني، أو عندما يكون مفرغا من رؤية سياسية متكاملة.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه دعاة الخطاب الإسلامي بالمشاكل والصراعات الداخلية، نستفيق جميعا على صور الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، تلك الواقعة التي تحول الإسلام من بعدها في نظر الغرب إلى خطر محقق، والمسلمون إلى متهمين حتى تثبت براءتهم.

وأصبح من الطبيعي اليوم أن تقرأ عناوين مثل: "الإسلام الذي نواجهه" أو "الخطر الإسلامي القادم" لصاحبه فرانسوا بورقات أو تشاهد برامج تلفزيونية تغذي مشاعر الخوف والقلق من هذا الدين الذي يدعو أتباعه إلى استعمال العنف والإرهاب.

ولأن الخطاب الإسلامي مع الآخر خطاب هزيل متعثر، بل شبه مفقود باستثناء بعض الجهود والمحاولات الفردية، عجز المسلمون حتى اليوم عن تصحيح صورتهم المشوهة.

ولا نتحدث هنا عن مؤتمرات الحوار التي لم يكن المسلمون يوما أصحاب المبادرة والسبق إليها، وإنما عن جهود منظمة تتخذ ميادين حساسة ومؤثرة كالإعلام والترجمة ساحة للعمل الدؤوب.

لنقل إننا لم نحسم أمورنا بعد، لأن الحديث ما زال يدور بيننا عن مشروعية الدراما، وعن حكم التصوير وفنونه، والإنترنت وشروره، وعن المرأة وجواز عملها، فالخلاف بين الإسلاميين إنما يدور حول مشروعية طرق وأدوات تقديم الخطاب الإسلامي، لا عن ضرورة تطويرها.

لا نتحدث اليوم عن رسالتنا الحضارية كأمة الشهادة والخيرية، لأننا ما زلنا بعد نتلمس آثار الطريق، فنحن إلى حد الساعة عاجزون عن التغيير.
__________________
كاتبة مغربية

المصدر : الجزيرة