ميشيل شحادة

- العوامل الموضوعية
- عدم القدرة على التقييم

لم يعد خافيا على أحد أن اليسار قد فقد رونقه في المشهد السياسي الفلسطيني، إذ بعد أن كانت الفصائل الفلسطينية اليسارية تتحرك ضمن مساحة سياسية وشعبية تضغط من خلالها على حركة فتح داخل منظمة التحرير الفلسطينية، أصبحت هذه الفصائل هامشية التأثير في المسار السياسي العام، وأصبحت القضية الوطنية الفلسطينية تتلاعب بها رياح ثنائية مؤلفة من حركتي حماس وفتح، هذا بالإضافة إلى إرهاب "أمراء الحرب" وفرق الموت التي تنفذ البرنامج الصهيوني على الساحة الفلسطينية والممولة ماديا وإعلاميا بالقوى الإقليمية الداعمة لها.

من الصعب على الساحة الفلسطينية أن تستعيد عافيتها وتبدد هذه الثنائية الإقصائية الكاتمة للأنفاس دون استعادة تعدديتها السياسية، لأن القضية الفلسطينية بحاجة إلى جميع طاقات الشعب الفلسطيني مهما كانت صغيرة أو كبيرة.

فهي كحركة تحرر لا تحتمل تركيبة حكومية، معارضة وموالاة كدولة مستقلة، بل تحتاج إلى جبهة وطنية فلسطينية عريضة شاملة وموحدة ومتماسكة ومستندة إلى نظام ديمقراطي حقيقي تستطيع من خلاله مواجهة التحديات فوق العادية التي تواجهها.

تبدأ عملية الاستشفاء بالتشخيص وذلك لمعرفة الداء ومن ثم الدواء، وليكون التشخيص شاملا ومتوازنا، عليه تناول العوامل الذاتية والموضوعية بصراحة وجرأة وقسوة، هذه العوامل التي دفعت باليسار الفلسطيني إلى هذا السبات المرضي في جميع جوانب الحياة الوطنية الفلسطينية.

سنركز هنا على أبرز العوامل الحاسمة في تطور الظواهر ألا وهي العوامل الذاتية، لكننا سنجنح قبل ذلك بسرعة إلى أهم العوامل الموضوعية التي ساهمت في أزمة اليسار الفلسطيني.

"
الثورة الفلسطينية لن تستطيع الانتصار على أعدائها إلا إذا شيدت جبهة وطنية عريضة يقودها اليسار
"
العوامل الموضوعية

لم يعط انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية القوى اليسارية فرصة لالتقاط الأنفاس والتقييم والاستعداد للمرحلة المقبلة، فقد حدث الانهيار على حين غرة وأشاع حالة من الذهول والضياع الروحي وخيبة أمل عميقة لدى اليسار المحلي، هذا الذي كان مؤمنا بأن انتصاره على الرأسمالية "حتمية تاريخية".

وبما أن اليسار الفلسطيني اعتبر نفسه جزءا من قوى الثورة العالمية فقد كانت الضربة قاصمة بالنسبة له، فشكل سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية تسونامي أتى على ينابيع الحياة الفكرية والروحية والمادية لليسار قبل أن يستطيع الاعتماد على نفسه.

ولا يجهل أحد أيضا عنف الهجمة التصفوية الشرسة التي تعرض لها اليسار من القتل والكبت والقمع كأحد العوامل الموضوعية القوية التي ساهمت في أزمة اليسار وإنهاكه.

أهم العوامل الذاتية التي ساهمت في أزمة اليسار الفلسطيني
- التأرجح الأيديولوجي: باستثناء الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تعود جذوره إلى الحزب الشيوعي السوري، فإن معظم ألوان الطيف اليساري الفلسطيني الماركسي قد وجدت أصولها في حركة القوميين العرب: الفرع الفلسطيني.

درجت فصائل اليسار على تسمية نفسها "اليسار الجديد" أو الفصائل "الماركسية القومية" تمييزا لها عن الأحزاب الشيوعية، ونعني هنا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الفصيلين اليساريين الرئيسين داخل منظمة التحرير الفلسطينية.

وُيستثنى أولئك الذين أطلق عليهم لقب "يسار فتح" لأن لهم خصوصيتهم كيسار ضمن حركة يقودها يمين.

كانت حركة القوميين العرب معادية للفكر الماركسي وللأحزاب الشيوعية بما فيها الحزب الشيوعي الفلسطيني، ويعود بعض ذلك إلى الموقف السوفياتي "والكومنترن" بقيادة ستالين من قرار التقسيم عام 1947 والاعتراف بإسرائيل فور إعلانها على الأرض الفلسطينية، وموقف الحزب الشيوعي الفلسطيني الذيلي له.

كانت لذلك تداعيات سلبية كثيرة في علاقات اليسار تركت شرخا عميقا بينهم وبشكل خاص بين الشيوعيين والقوميين.

وعندما تبنت الجبهة الشعبية أيديولوجيتها الماركسية، اتجهت أولا نحو الصين والأفكار الماوية بسبب تقارب الوضع الصيني الفلاحي مع المجتمع الفلسطيني أكثر من السوفياتي الروسي العمالي.

لكنها عادت للاتحاد السوفياتي عندما نعتته الصين بـ "الإمبريالية الاشتراكية" وابتدأت رحلة زحفها التدريجي نحو أميركا، فانتقلت عندها الجبهة الشعبية إلى النموذج السوفياتي رائدا ومنهلا لها، أما الجبهة الديمقراطية فقد كانت ملتصقة بالاتحاد السوفياتي يوم انشقت عن الجبهة الشعبية عام 1968.

هذا التأرجح الأيديولوجي بين القومية والماوية والستالينية والجيفارية الكوبية، بالإضافة إلى ضغط التأقلم مع مقولة "فلسطنة الثورة" الفتحاوية أدى إلى اختلاط فكري لدى الجبهة الشعبية لم يتم حله حتى اللحظة.

وفاقمت الأزمة الفكرية الانشقاقات التنظيمية التي نجمت عن هذا الارتباك الفكري، وخصوصا انشقاق الجبهة الديمقراطية التي شكلت مع الجبهة الشعبية ثنائية يسارية منافسة قسمت ظهر اليسار.

- المفارقة بين طرح اليسار وممارسته في الأيديولوجيا: عند مراجعة أدبيات فصائل اليسار الفلسطينية ومقاربة الممارسة منها تجد أن هذه الفصائل كانت تلوي عنق الواقع ليتماشى مع تركيباتها النظرية المنسوخة عن أدبيات الأحزاب والحركات الشيوعية العالمية وإسقاطها على الواقع الفلسطيني.

وبدلا من استنباط المقولات والمفاهيم عن الواقع الذي ينتجها -لأن الواقع هو الأصل- طبقا للنظرية الماركسية التي قالت بأولوية الواقع وفهم حقيقته من أجل تغيره، كانت الفصائل تفعل العكس، محاولة مطابقة الواقع للوصفات النظرية الجاهزة المستوردة غصبا عنه عندما تفشل المطابقة.

سياسيا، طرح اليسار نفسه بديلا قياديا لليمين الفلسطيني المتنفذ في مقدرات منظمة التحرير والثورة الفلسطينية، وتوصل إلى أن هذا اليمين يمارس "سياسة انهزامية" تمثل مصالح شريحة برجوازية كومبرادورية طفيلية خاضعة تماما لأوامر البنك الدولي ومصالح الاحتكارات الغربية التي ارتبطت ارتباطا تابعا وثيقا معها.

وشددت على أن الثورة الفلسطينية لن تستطيع الانتصار على أعدائها إلا إذا شيدت جبهة وطنية عريضة يقودها اليسار.

وبدلا من أن يضع اليسار برامج لتحقيق هذه الأهداف، تورط في معارك تنافسية بين أجزائه على المؤسسات كانت تنتهي إلى تحالفات تضعفه.

تحالف الجبهة الديمقراطية مع فتح ضد تحالف الجبهة الشعبية مع قوى أخرى مثل فتح الانتفاضة أو حماس مثلا بدلا من تشكيل تحالف سياسي يساري يستطيع الوصول إلى القيادة. وعندما تشكل مثل هذا التحالف في بعض المنعطفات الحادة كالقيادة المشتركة بين الشعبية والديمقراطية، والتحالف الديمقراطي الرباعي من أربعة فصائل يسارية في أوائل الثمانينيات، جعلهما التنافس الحاد بين الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية مشلولين.

وبهذا كان المستفيد الأول من تشرذم اليسار هو اليمين المتنفذ الذي كان يراد أن يكون اليسار بديلا قياديا عنه.

"
اليسار لم يستوعب بشكل حقيقي مجتمعه العربي والفلسطيني البسيط الذي كان بحاجة إلى لغة بسيطة واضحة بعيدة عن اللغو والحشو، لغة معبرة عن مصالحه وأفكاره وعواطفه
"
ثم إنه بدلا من بناء هوية مستقلة متميزة لليسار، انهمك اليسار في تقليد فتح واتضح هذا التقليد في النهج العسكري من القواعد العلنية والاستعراضات وبطريقة خوض انتخابات المؤسسات والنقابات على أسس وأرضيات وضعتها فتح، فلا يمكن للتقليد أن ينافس الأصل لأنه تقليد له.

وهكذا استنزف اليسار نفسه وأنهكها، واضطر إلى أن يستكين في موقعه المعارض وخصوصا الجبهة الشعبية التي قنعت بما أصبحت توصف به من أنها الفصيل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية.

اجتماعيا، بقي اليسار محصورا في صفوف الشرائح المثقفة والطلاب الذين استهوتهم لغة اليسار وخطابه السياسي، غير أن اليسار لم يستوعب بشكل حقيقي مجتمعه العربي والفلسطيني البسيط الذي كان بحاجة إلى لغة بسيطة واضحة بعيدة عن اللغو والحشو، لغة معبرة عن مصالحه وأفكاره وعواطفه.

ولم يفهم اليسار الإنسان العادي، كما عجز عن فهم أهمية الإسلام في بناء كينونة الإنسان العربي، وتصرف بشكل مراهق في أحيان كثيرة في هذا الشأن، مما اضعف ثقة المواطن العادي به، خاصة أنه كان مفروضا أن يكون هذا اليسار ممثلا له.

عدم القدرة على التقييم
قامت مؤتمرات فصائل اليسار المتعاقبة بتشخيص وتقييم وتوصيف الكثير مما تعلق ببرامج وممارسة القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، وشرحت الأوضاع العربية والعالمية ضمن أساسيات الصراع العالمي بشكل كان يحيط بالكثير من خطوطها وجوانبها العامة.

ولكن المثير للدهشة هو أننا قلما نجد تقييما ونقدا جادا ذاتيا في هذه التقارير، إذ تبدأ معظمها بـ "أن الأحداث جاءت لتثبت صحة خطنا وسياساتنا..". هذه "الطبطبة" على الظهر والمفاخرة بصوابية الموقف السياسي والبرامج "المعصومة من الخطأ" أصبحت تقليدا يساريا كئيبا.

في معظم الأحيان كانت الأخطاء تعزى إلى الغير، فتارة نجد أن قوى الانشقاق والانحراف في هذه التنظيمات تتحمل الخطأ، وأحيانا أخرى تعود إلى نقص في الإمكانات المالية، أو إلى المد الأصولي وانحراف النخب المثقفة وشيوع الثقافة الاستهلاكية وانخداع الشارع الفلسطيني العربي بأطروحات اليمين دون معالجة العامل الذاتي ودوره في معضلات النضال وتقييم المنهج الذي تدير به هذه الفصائل شؤونها التنظيمية والنقابية وكيفية قراءة الواقع وتنشئة الكوادر، والدكتاتورية البيروقراطية المتأصلة التي كانت تكبح أخلاقية الكوادر الشابة وقمع الكوادر والأطر النسائية، مما يدفعها إلى الانشقاق والهجرة وعدم قدرتها على تعويض هذه الكوادر وضخ الحيوية والتجديد في بنائها التنظيمي.

أما التعامل الفوقي والإحلالي للفصائل الفلسطينية مع النقابات والأطر المتخصصة فكان من الأسباب المرضية في الساحة الفلسطينية.

لم يختلف اليسار في تعامله مع هذه الأطر عن تعامل فتح معها، فكانت تقوم بتفريخ نقابة موازية في كل نقابة لم تفز فيها بالانتخابات، وبذلك تعددت الدكاكين النقابية والأطر النسائية والثقافية والصحية، وبهذا تشرذمت قطاعات لم يكن أبدا مفروضا لها أن تبنى على أسس فصائلية كالصحة والتعليم وغيرها.

ولا شك أن بيئة العمل السياسي وظروفه قد تغيرت بشكل جذري بعد اتفاق أوسلو، فكان لا بد لفصائل اليسار أن تتكيف مع الوضع الجديد وتتواءم معه، ولكن الطريقة التي تلاءم بها اليسار كانت كارثية عليه.

فقد انتقل من العمل السياسي الجماهيري النضالي إلى تأسيس الجمعيات غير الحكومية المدعومة بمال غربي مشروط، بحيث أصبح همها تحصيل المزيد من هذا المال بدل الوجود بين الجماهير فبهتت وضعفت.

"
على اليسار أن يأخذ زمام المبادرة لإنقاذ القضية الوطنية الفلسطينية من ثنائية فتح وحماس التي لم تعد حرمة الدم الفلسطيني تشكل خطا أحمر بالنسبة لها
"
وبدلا من تربية الكادر المسيس والخبير بأسس العمل النقابي والجماهيري والتحريضي الثوري، أصبحت تدربه على كيفية إدارة المشاريع المموّلة والعلاقة مع الممولين وكتابة التقارير وجميع الكفاءات المهنية والتقنية التي تتطلبها المجالات الجديدة، إضافة إلى اعتماد النخب الكادرية القيادية على المعاشات الشهرية المرتفعة نسبيا في المجتمع الفلسطيني.

فانفصلت هذه الكوادر عن مجتمعاتها، لأنها ارتاحت بفتات مأدبة العولمة، بينما ترتع غالبية الشعب تحت وطأة الحاجة والفقر.

وبذلك تحولت هذه الفصائل من أحزاب ثورية لتحرير الأرض والشعب إلى امتداد لهذه الجمعيات المدنية التي تقوم بتقديم الخدمات الاجتماعية والإنسانية للجماهير.

وبذلك عوضا عن أن تكون هذه الخدمات هي برامج لهذه الأحزاب والفصائل، أصبحت الأحزاب والفصائل هي برامج لهذه الجمعيات.

وبدلا من الدعم أصبحت الفصائل تتنافس مع ذوي الاختصاص بهذا المجال وتفريخ الجمعيات واستنساخها، مما أضعف الجمعيات الأصيلة المختصة وأتخم الشارع الفلسطيني بها وبشرذمتها، تماما كما فعلت بالنقابات والأطر المختصة من قبلها.

كان تأثير هذا النهج السياسي جليا، إذ بعد أن رفضت الفصائل اليسارية في البداية اتفاق أوسلو واعتبرته اتفاقا استسلاميا ودعت إلى إفشاله، قررت بعد عجزها عن ذلك الاعتراف به والدعوة إلى تجاوزه كواقع حالي.

وبدلا من مناهضة السلطة، أداة أوسلو وعزلها عن الجماهير، أصبحت تبحث عن قواسم مشتركة معها بشكل مفضوح، وبذلك انقلب اليسار على شعاره الإستراتيجي على أنه بديل "لقيادة الكمبرادور" الفاسدة، وانحصرت مطالبته بطلب الاعتراف به كمعارضة موالية ووسيط في الخلافات بين فتح وحماس.

وبناء عليه، فقد هجرت الجماهير هذا اليسار لأنها أدركت بحسها العفوي عجزه عن تغيير واقعها المزري فذهبت تبحث عمن يستطيع القيام بذلك، واختارت حماس رغما عن عدم تساوي رصيد حماس النضالي تاريخيا مع تاريخ اليسار.

لعل الدرس البليغ الذي يجب أن يتعلمه اليسار الفلسطيني هو أن الوضوح الأيديولوجي والسياسي والتنظيمي هو الأهم، وأن الوقوع في الوهم السلطوي خطر كارثي، وأن على اليسار العودة إلى المربع الأول ومراجعة وتنظيف الذات مما علق به من شوائب، وصياغة خطاب وطني تحرري جديد قادر على استيعاب الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده.

كما أن عليه العودة إلى الشارع وتقديم نموذج نضالي وعلمي وعقلاني ملتصق بالمصالح الوطنية والشعبية، كما يجب عليه بناء المؤسسات الجماهيرية واستئناف مقاومة الاحتلال والدفاع عن حق العودة.

وأخيرا، أن يأخذ زمام المبادرة لإنقاذ القضية الوطنية الفلسطينية من ثنائية فتح وحماس التي لم تعد حرمة الدم الفلسطيني تشكل خطا أحمر بالنسبة لها.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة