ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

- الوضع في الضفة الغربية
- مفردات الأزمة
- أسباب تعثر حكومة الوحدة
- الاقتتال وأسبابه
- هل ثمة فرصة للوساطات؟

لا شك في أن قدرا من المتابعة العادية لما بثته وسائل الإعلام خلال الأسابيع الأخيرة، وتحديدا خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي، لا بد سيفضي إلى وضع طرفي الأزمة الفلسطينية في سلة واحدة، أعني من زاوية المسؤولية عما جرى من اقتتال، لاسيما إذا كان المعني من الناس العاديين الذين لا يدركون الوقائع على الأرض، وإن لم يكن كذلك بالنسبة لأقوام يملكون القدرة على قراءة تفاصيل الخريطة على نحو أكثر وضوحا.

"
حماس لا تملك مسلحين في الضفة، وإذا توفروا على نحو محدود فلن يكون بوسعهم الخروج إلى الشوارع، ولو فعلوا ذلك لكان مصيرهم معروفا
"
الوضع في الضفة الغربية
من الضروري الإشارة ابتداء إلى جزء من الأزمة كان محسوما من زاوية المعتدي والمعتدى عليه، وكان على الجميع ألا يخطئوا في قراءته بصرف النظر عن ثقافتهم ومستوى متابعتهم.

أعني ذلك الجزء المتعلق بالضفة الغربية التي لا توجد فيها سوى قوة مسلحة واحدة هي تلك التابعة لحركة فتح، والتي تسمى كتائب شهداء الأقصى، مع العلم أن هذا المسمى لا يملك مضمونا واحدا.

بل إن هذا المسمى يضم بين جنباته جحافل من رجال الأمن والزعران، والمقاومين الشرفاء أيضا، في حين تنتمي بعض مجموعاته إلى حركة فتح، أو رموز فيها، بينما يعمل آخرون مع جهات أخرى مثل حزب الله وحماس والجهاد.

في الضفة الغربية هناك ما يقرب من ثلاثين ألف رجل أمن يملكون السلاح، لكن سلطات الاحتلال لا تتعرض لهم من قريب ولا من بعيد، اللهم إلا من فكر منهم، ولو مجرد تفكير، بالمقاومة الحقيقية، فهؤلاء غالبا ما يجري قتلهم أو اعتقالهم، تماما كما يحدث مع الآخرين من مجموعات المقاومة.

حماس لا تملك مسلحين في الضفة، وإذا توفروا على نحو محدود فلن يكون بوسعهم الخروج إلى الشوارع، ولو فعلوا ذلك لكان مصيرهم معروفا بعد حين، ولذلك ينفرد مسلحو فتح بالساحة، ويمارس بعضهم أعمال الزعرنة، بينما يمارس الآخرون لعبة المطاردة لرموز حركة حماس في سياق الضغط عليها.

وقد تابع الناس كيف اختطف 11 طفلا من إحدى دور القرآن وجيء بهم أمام وسائل الإعلام بوصفهم من أعضاء القوة التنفيذية لحماس في الضفة الغربية، وذلك في سياق المساومة على حصار أحد كوادر فتح في غزة، كما شاهدوا كيف اختطف عدد كبير من قيادات حماس في نابلس وسواها، واقتيدوا أمام الكاميرات بشكل مهين من قبل أناس لا يخفون وجوههم.

خلاصة الأمر أن الوضع في الضفة الغربية محسوم تماما ولا مجال للخطأ في تحديد المسؤوليات، اللهم إلا إذا رأى البعض أن من حق فتح أن تنتقم من حماس في الضفة كرد على اعتداءاتها في غزة، مع العلم أن هذا الكلام يفقد مضمونه عندما تتساوى القوتان في غزة.

ويكثر القتل في صفوف حماس أكثر من فتح في بعض الأحيان، وبالطبع يكون ذلك تبعا لحرص حماس على عدم الظهور بمظهر المعتدي.

مفردات الأزمة
من الضروري أن يبادر المراقب بعد الفراغ من حكاية الضفة الغربية إلى تفكيك المشهد برمته، ويتعرف على مفردات الأزمة، وهنا يمكن القول إن ما يجري ليس بين حركتي مقاومة في واقع احتلال ثم نقطة في آخر السطر، إذ أن وصفا كهذا لا بد أن يظلم طرفا بعينه.

والأصل أن يتذكر الجميع أن انتخابات قد أجريت في واقع سلطة بصرف النظر عن مضمونها، فكان أن فازت حركة وخسرت أخرى.

"
الأصل أن تسلم الفرقة الخاسرة السلطة للرابحة بما في ذلك الأمن والوزارات الأخرى، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، فبقيت السلطة في يد الخاسر، مما اضطر الرابحين إلى تأسيس مجموعة مسلحة من أجل حماية أنفسهم وإعادة الأمن الذي يحملهم الناس مسؤوليته بعد فوزهم
"
وكان الأصل تبعا لذلك أن تسلم الخاسرة السلطة للرابحة، بما في ذلك الأمن والوزارات الأخرى، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، إذ بقيت السلطة في يد الخاسر، فاضطر الرابحون إلى تأسيس مجموعة مسلحة (القوة التنفيذية) من أجل حماية أنفسهم أولا، ومن أجل إعادة الأمن الذي يحملهم الناس مسؤوليته بعد فوزهم ثانيا.

بقيت أجهزة الأمن في يد المجموعة الخاسرة، ومعها الإعلام والمعابر والسفارات والقضاء، فضلا عن جيش الموظفين الذين يحتكرون معظم المناصب في الوزارات والدوائر الأخرى، مما ترك الحكومة من دون مضمون، فكان عليها أن تتسول من أجل جمع الأموال وتوفير الرواتب.

وعندما فعلت كانت المفاجأة هي الحيلولة دون إدخال تلك الرواتب، بل التحريض على ذلك من قبل حركة فتح، وصولا إلى السخرية من محاولات إدخال بعضها عن طريق معبر رفح.

في الضفة الغربية كان المشهد أكثر بؤسا، إذ جرى اعتقال الوزراء والنواب بعد عملية الوهم المتبدد، ولم تكن ثمة حصانة لأي موظف كما أشير سابقا، مما جعل الموقف برمته عقيما إلى حد كبير، وذلك ما لم يكن بعيدا عن تحريض الطرف الفلسطيني الآخر، مما دفع نحو التفكير في تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وهذه الحكومة كان هدفها بالنسبة لحركة حماس مختلفا عنه بالنسبة لحركة فتح، وأقله المجموعة التي تمسك بخناق الحركة والسلطة في آن، وإن اتفق الطرفان على ضرورة فك الحصار.

على أن توصيف فتح لماهية الحكومة لم يكن هو ذاته توصيف حماس التي ترى أن بوسع حكومة يتحد الفلسطينيون من حولها أن تفك الحصار من دون تلبية الشروط الإسرائيلية الأميركية، وحتى الأوروبية، لاسيما أن الوضع الأميركي الغارق في مستنقع العراق، والذي يحضر لحرب على إيران، ويسعى تبعا لذلك إلى تهدئة الوضع الفلسطيني، لن يكون بوسعه رفض فك الحصار عن حكومة كهذه، وقبل ذلك الوضع العربي الذي سيخجل من موقفه أمام الجماهير.

أما الحكومة المنشودة بحسب قيادة السلطة فهي حكومة تعترف بكل الاتفاقات السابقة؛ لا بسبب القناعة بأنها المسار الوحيد لفك الحصار، بل لأن جوهر المطلوب هو تنازل حماس عن ثوابتها كي تشوه في نظر الداخل والخارج، وكي يكون بالإمكان إقصاؤها في مرحلة قادمة، إن لم يكن بشكل طبيعي فمن خلال قليل من التزوير.

أسباب تعثر حكومة الوحدة
الشرط السابق هو السبب الحقيقي وراء تعثر تشكيل حكومة الوحدة، وليس أي شيء آخر، بدليل أن حماس قد تنازلت حتى الرمق الأخير في سياق الوزارات وتوزيعها، بما في ذلك ما يعرف بوزارات السيادة (الداخلية، الخارجية، المالية)، حيث وافقت حماس على زياد أبو عمر للخارجية وهو مستقل نظريا لكنه محسوب على الرئيس الفلسطيني، وهو ما ينطبق على وزير المالية سلام فياض، في حين وافقت حماس على مستقل للداخلية، وإن جرى الحديث عن صيغة لإدارة الملفات الثلاثة بالتوافق.

وقد بات معروفا أن ما يعرف بالبرنامج السياسي للحكومة هو المعضلة وليس توزيع المناصب، إذ يصر رئيس السلطة محمود عباس على القول في كل مناسبة إنه يريد حكومة تعترف بالاتفاقات الموقعة، وبالشروط الدولية.

بل لقد وصل الخلاف في النهاية إلى حدود كلمات لا أكثر، بعدما تم التوافق على كلمة احترام الاتفاقات الموقعة، بدل التزام، في حين تصر حماس على إضافة عبارة تقول "بما يحافظ على حقوق وأهداف الشعب الفلسطيني" الأمر الذي ترفضه قيادة السلطة من دون سند مقنع.

والحال أن السلطة لا يمكنها تقديم الأدلة على رفض العالم لهذه الصيغة، في حين أن الجميع يعلم أنها هي التي ترفضها للأسباب التي ذكرنا، ممثلة في إصرارها على تشويه حركة حماس تمهيدا لإقصائها.

ولولا هذا الإصرار لحلت المعضلة منذ أسابيع، ولكان بالإمكان إعادة الوضع الفلسطيني إلى سكته الصحيحة.

وترفض حماس شرط الاعتراف لاعتبارين، الأول أنه يخالف البرنامج الذي انتخبها الناس على أساسه، والثاني يتعلق بعبثية التجربة التفاوضية، وعلم حماس الأكيد بأن المسار الجديد الذي ستمضي فيه جماعة السلطة لن يلبث أن يصطدم بالجدار المسدود المعروف الذي وصله سابقا في كامب ديفد عام 2000.

هذا مع العلم أن ما حصل عليه الفلسطينيون هناك لن يحصلوا عليه هنا في ظل أولمرت واليمين الإسرائيلي والأميركي في آن، وبعد أن حصل الإسرائيليون على كتاب الضمانات الشهير من السيد بوش في أبريل/نيسان 2004، والذي حدد سقفا تفاوضيا لا يمكن تجاوزه.

"
لدى حماس مساران في منطق لاسلطة: فإما أن تخضع للبرنامج المتاح وتبادر إلى الاعتراف بالقرارات الدولية بما فيها مقررات الرباعية، وإما أن تواجه الاستحقاق العنيف، أي الخروج من السلطة بسطوة القوة
"
الاقتتال وأسبابه
لعل السؤال الذي ينبغي أن يطرح يوميا من قبل المراقبين هو ماذا سيكون الحال لو كانت فتح في السلطة ثم جاءت حماس تتحداها بالسلاح في وضح النهار؟ هل سيكون الضحايا عشرة أو عشرين أو ثلاثين، أم أن المشهد سيكون مختلفا تمام الاختلاف؟

لنتذكر أن تجربة الأعوام الممتدة بين 94 و2000 تقول شيئا آخر، فهناك قتل وتعذيب ومئات من المعتقلين لمجرد الخلاف في الموقف والإصرار على مقاومة الاحتلال، بينما لا نرى هنا لا معتقلين ولا تعذيبا، بل ردود أفعال محدودة على أعمال إخلال بالأمن، وهي ردود لا بد منها؛ ليس لمجرد المحافظة على الهيبة، بل للدفاع عن النفس أيضا.

ومن الواضح أن المتوفر لدى قيادة السلطة هو واحد من مسارين؛ فإما أن تخضع حماس للبرنامج المتاح وتبادر إلى الاعتراف بالقرارات الدولية، بما فيها مقررات الرباعية التي ترفض المقاومة، بما ينطوي على تنكرها لمن انتخبوها وخسارة شعبيتها في الداخل والخارج تبعا لذلك، وإما أن تواجه الاستحقاق العنيف، أي الخروج من السلطة بسطوة القوة.

على أن ذلك لا ينفي إمكانية التوصل إلى تفاهم حول حكومة الوحدة خلال لقاء مكة المرتقب (6/2)، ربما لحاجة الأميركان إلى تهدئة الساحة الفلسطينية، وربما بسبب يأس قيادة السلطة من حسم المعركة بالقوة في ظل ميزان القوى الحالي.

غير أن وقوع شيء كهذا لن يعني أن قرار الإقصاء قد ألغي، اللهم إلا إذا فرض الوضع العربي والإقليمي والدولي على السلطة انتظار الانتخابات القادمة من أجل ذلك.

في هذا السياق الأخير لا يحتاج المرء إلى كثير ذكاء، ولا إلى كثير متابعة كي يرى ترتيبات الإقصاء على الأرض، ومن ضمنها الأموال التي أعلن عن تدفقها من أجل بناء حرس الرئاسة (86 مليون دولار) ومعها الأسلحة التي تدخل من الأردن ومن مصر، وبالطبع بإذن الإسرائيليين الذين يعلمون كيف ستستخدم تلك الأسلحة.

في هذا الصدد يذكر المحرر العسكري في صحيفة يديعوت أحرونوت في عدد (29/1) أن فتح تقيم جيشا من 12 ألف مقاتل، تموله من تبرعات أوروبية تنقل إلى رئيس السلطة.

أما المعدات التي تضم سلاحا خفيفا ومركبات وسترات واقية وأجهزة اتصال، فتوفرها الولايات المتحدة، والكلام لروني شيكد، مع العلم أن جيش دحلان ربما يكون شيئا آخر غير حرس الرئاسة.

وكل ذلك أو أكثره في قطاع غزة الذي تملك فيه حماس قدرا من القوة القادرة على التحدي وربما الحسم، بينما الموقف في الضفة الغربية محسوم تماما لصالح فتح، كما أشرنا من قبل، ولا حاجة إلى المزيد من التجييش هناك.

هل ثمة دليل أكثر وضوحا من ذلك، مع العلم أن هذا اللون من التسريبات قد يستخدم أيضا بهدف الابتزاز من دون أن يقلل من مصداقيته، والابتزاز هنا هو للمواقف وليس شيئا آخر، إذ أن مسار التنازل عن الثوابت يبقى الأفضل بالنسبة لجميع الأطراف التي تستهدف حماس وحكومتها.

"
رفض التنازل عن الثوابت ينبغي أن يكون محسوما بالنسبة لحماس لأن الخسارة فيه ستكون مزدوجة، فلا هي ستحافظ على الشعبية ولا هي ستحافظ على الحكومة
"
هل ثمة فرصة للوساطات؟
من المؤكد أن ما يجري ليس في صالح حماس، لاسيما أن الطرف الآخر ليس معنيا بمسألة الشعبية بذات الإلحاح، وإن تفوق في اللعبة الإعلامية، أقله عبر النجاح في وضع نفسه على قدم المساواة من حيث المسؤولية عن الاقتتال مع حماس، في حين أنه هو المعتدي على الطرف الشرعي، وهو الساعي إلى الانقلاب على الخيار الديمقراطي، فضلا عن كونه المصر على خيار سياسي محروق من الزاوية السياسية والشعبية.

في المقابل ليس أمام حماس غير مواصلة الإصرار على رفض التنازل عن ثوابتها بصرف النظر عن موقف الطرف الآخر، إضافة إلى الانتباه إلى عدم منح قيادة السلطة فرصة جرها نحو عمليات اقتتال تحرقها شعبيا وتكثر من الثارات معها، وبالطبع إدراكا لواقع أن التجربة في ظل ميزان القوى الحالي قد تنتهي بشطب الحكومة والعودة إلى المعارضة، حتى لو بدا أن الأميركان ليسو معنيين بالتصعيد في الوضع الفلسطيني من أجل التفرغ للملف العراقي والإيراني.

من الضروري ألا تستبعد حماس فكرة التخلي عن الحكومة من برنامجها، مع فضح المواقف التي أدت إلى ذلك، فضلا عن عدم استبعاد إمكانية نجاح الطرف الآخر في الانقلاب عليها بالقوة.

وهذا يعني أن رفض تنازل حماس عن الثوابت ينبغي أن يكون محسوما بالنسبة إليها، لأن الخسارة هنا ستكون مزدوجة، فلا هي ستحافظ على الشعبية، ولا هي ستحافظ على الحكومة، لأن خيار الانقلاب فتحاويا وعربيا ودوليا لا يبدو موضع خلاف، لكنه الأسلوب والتوقيت.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك