عبد الجليل زيد المرهون

- تصفية القوة العراقية خطأ في الحسابات
- السيطرة الجوية.. اختبار للمفهوم
- فرص الرد الإيراني

حشد عسكري أميركي جديد شهدته منطقة الخليج العربي مطلع العام 2007، وهو مشهد ربما أعاد إلى الذاكرة شيئا من الأجواء التي سبقت "عاصفة الصحراء" عام 1991، وتلك التي سادت قبيل الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وضمن المستوى الأكثر حذرا، ربما نحن أمام مشهد قريب من ذلك الذي شهدته المنطقة قبيل ما عرف بعملية "ثعلب الصحراء" عام 1998، بيد أن الحديث يدور اليوم حول ضربة عسكرية أميركية محتملة لإيران.

لقد بدأت الولايات المتحدة موجة جديدة من الحشد العسكري في الخليج، أكده خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش، في العاشر من يناير/كانون الثاني 2007، الذي تناول فيه إستراتيجية البيت الأبيض الجديدة بخصوص الوضع في العراق، واتهم إيران بإثارة القلاقل فيه.

وعاد بوش ليؤكد هذا "الدور السلبي" لإيران، في خطابه عن حالة الاتحاد في الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني 2007.

"
الولايات المتحدة ربما تشعر اليوم بأنها قد أضرت بمصالحها حينما قامت في حرب الخليج الثانية بتصفية القوة العراقية التي كانت توازن قوة إيران
"
تصفية القوة العراقية خطأ بالحسابات
ومبدئيا، يمكننا القول إن الولايات المتحدة ربما تشعر اليوم بأنها قد أضرت بمصالحها حينما قامت في حرب الخليج الثانية بتصفية القوة العراقية التي كانت توازن قوة إيران.

وبعد غزو العراق عام 2003، عززت إيران من دورها في الشرق الأوسط، من حيث أضحت مؤثرا أساسيا في مسار الوضع العراقي، وبه وفي ضوئه تصاعد حضورها في معادلة المنطقة.

واليوم، فإن العامل النووي الإيراني بات متغيرا يصعب القفز عليه في الحسابات الأميركية، أو لنقل في مقاربة الولايات المتحدة لموازين القوى في المنطقة. ومن هنا، تسارعت وتيرة الحديث عن الضربة الأميركية لإيران.

إلى جانب ذلك، يمكن القول، على نحو مبدئي أيضا إن الرئيس بوش لا يريد بطبيعة الحال أن يذكره التاريخ على أنه المسؤول عن فشل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

ولأن تطبيع الوضع في العراق أمر صعب، وربما مستحيل، في الزمن المتبقي من ولاية بوش الثانية، ولأن فرص تحقيق اختراق في المسار الفلسطيني الإسرائيلي لا تبدو مضمونة، فإن ضربة أميركية لإيران قد تكون في حال نجاحها، الفرصة الأخيرة المتاحة للرئيس بوش، وللحزب الجمهوري عامة.

وسيغير إنجاز من هذا القبيل، في حال تحققه فعلا، الصورة التي سوف ترتسم في ذاكرة الأميركيين لرئيسهم الراهن، كما سيعزز من فرص بقاء الجمهوريين في البيت الأبيض بالانتخابات الرئاسية عام 2008.

وعلى الأرجح، فإن الولايات المتحدة ستمضي منفردة في حال ما إذا قررت نهائيا المواجهة العسكرية مع إيران، وسوف تستند إلى قواعدها العسكرية المحيطة بإيران من اتجاهات عدة.

وقد تنطلق قواتها من العراق وأفغانستان وأذربيجان، بالطبع إضافة إلى قاعدة ديغوغارسيا العملاقة في المحيط الهندي، فضلا عن تشكيلاتها وحملات طائراتها في بحر العرب وعموم المنطقة.

وكانت تقارير مبكرة قد تحدثت كذلك عن احتمال استخدام الولايات المتحدة لقواعد عسكرية في رومانيا وبلغاريا لهذا الغرض.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الصعوبات تبدو جلية أمام الولايات المتحدة، والتحدي الأول أمام أية ضربة أميركية محتملة يتمثل في كثرة المواقع النووية المستهدفة، والمسافات الشاسعة التي تفصل بينها، كما أن عددا منها راسخ في أعماق الأرض ومحصن بأسقف سميكة.

وهذا يعني، على نحو مبدئي، أن القيام بحملة جوية طويلة قد لا يحقق الغرض التدميري أو التعطيلي المطلوب منها.

واستنادا إلى تقديرات القائد السابق لسلاح الجو الأميركي الجنرال توماس ماكنرني الذي خدم 35 عاما، والذي يعمل حاليا معلقا عسكريا لقناة Fox News، فإنه في حال حدوث المواجهة مع إيران يجب على القوات الأميركية تدمير 1500 هدف في فترة لا تتجاوز 24 إلى 36 ساعة.

"
إيران تتمتع بأنظمة دفاع جوي يبدو أنها ذات قدرة على خلخلة مفهوم السيطرة الجوية وفقا للمعطيات والخصائص التقنية المعروفة
"
السيطرة الجوية.. اختبار للمفهوم
لقد استندت القوات الأميركية في حروبها الأربع الأخيرة إلى مفهوم "السيطرة الإستراتيجية" الجوية على النحو الذي حدث في صربيا وأفغانستان والعراق عامي 1991 و2003.

ويرتبط بهذا المفهوم افتراضان أساسيان: الأول ضعف السلاح الجوي وأنظمة الدفاع الجوية، لدى القوة المراد مهاجمتها، نسبة إلى حداثة وتطور الأسلحة المستخدمة في الهجوم.

والثاني، أو لنقل الموازي، حصانة ساحة الانطلاق، ومواقع القوة المهاجمة، من رد الفعل الانتقامي الجوي والصاروخي.

وقد أثبت المفهوم نجاحه في الشق الأول، أي السيطرة على الأجواء والارتكاز عليها في ضرب جميع الأهداف المطلوبة، كما حدث في المعارك الأربع التي طبق فيها.

بيد أن المفهوم لم ينجح في شقه الثاني، في إحدى الحروب الأربع، وهي حرب الخليج الثانية، حين سقطت صواريخ سكود العراقية على قواعد ومواقع مختلفة.

وفي حالة الهجوم الأميركي على إيران، فإن المعضلة قد ترتبط بشقي مفهوم السيطرة الجوية المشار إليهما أعلاه، وإن حديث الجنرال ماكنرني ماكنرني يختزل ضمنا الشعور بهذه المعضلة، وذلك بتصوره المبني على كم هائل من القوات.

وما يمكن قوله على وجه التحديد، هو أن سلاح الجو الإيراني لا يمتلك قدرة ذات شأن على مستوى الاشتباك في الجو مع المقاتلات الأميركية المهاجمة، ومن غير المنطقي الدخول في مقارنة بين القوتين الجويتين الإيرانية والأميركية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن إيران تتمتع بأنظمة دفاع جوي يبدو أنها ذات قدرة على خلخلة مفهوم السيطرة الجوية، وفقا للمعطيات والخصائص التقنية المعروفة.

وهي تتمثل، بصفة أساسية، في نظام Tor M-1 الروسي الذي ينتمي إلى الجيل الخامس من الأسلحة الصاروخية المضادة للطائرات، وهو نظام يمكنه مواجهة كل من الطائرات والصواريخ الجوالة.

كما يستطيع اكتشاف والتعرف على ما يصل إلى 48 هدفا كطائرة أو مروحية أو صاروخ مضاد للرادار أو صاروخ مجنح في آن واحد، وبإمكانه تتبع وضرب هدفين في آن معا، على ارتفاع يتراوح بين 20 و6000 متر، من مسافة تتراوح بين 1 و12 كيلومترا.

وفيما يتعلق بالشق الثاني، أو الموازي، المرتبط بمفهوم السيطرة الجوية، أي افتراض حصانة ساحة الانطلاق الجوي، ومواقع القوة المهاجمة، من ردة الفعل الانتقامية الجوية والصاروخية، فإنه خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المحتملة، لن تكون هناك قدرة لدى سلاح الجو الإيراني على القيام بردات فعل انتقامية على قواعد ومواقع انطلاق المقاتلات الأميركية.

والسبب يعود مرة أخرى إلى الضعف النسبي لهذا السلاح، وتحديدا عدم قدرته على تجنب الدفاعات الجوية الأميركية، الموجودة على متن حاملات الطائرات، وتلك المنصوبة في القواعد البرية والبحرية.

فرص الرد الإيراني
ولعل رهان إيران في فرص الرد الانتقامي يدور بصفة أساسية حول قدرتها الصاروخية البالستية، والأبرز على هذا الصعيد هي النماذج المعلنة من الصاروخ شهاب الذي يعتبر نسخة محسنة من صاروخ Nodong الكوري الشمالي.

وهكذا، فإن القوة الصاروخية البالستية لإيران قد تعوض الضعف النسبي لسلاحها الجوي، لأن الدفاعات الجوية الأميركية قادرة على الأرجح، على اعتراض وإسقاط المقاتلات الإيرانية، بما في ذلك مقتلات Su- 27، لكن ليس ثمة دفاع جوي يضمن اعتراض الصواريخ البالستية.

"
هناك مخاوف فعلية مما قد يخلفه الخيار العسكري من تداعيات سياسية واقتصادية على الحياة العامة في منطقة الخليج، ومن هنا تأتي ضرورة البحث عن مقاربة سياسية للأزمة، أو لنقل إعادة بناء المقاربة القائمة
"
وهنا يمكن القول، بشي من الحذر، إن المواجهة الأميركية الإيرانية، إن حدثت بالفعل، ربما نكون أمام حرب مختلفة عن الحروب الثلاث التي شهدها الخليج بين عامي1980 و2003.

لقد كانت الحرب العراقية الإيرانية بين قوتين متوازنتين، على نحو مجمل، ولهذا دامت لسنوات ثماني، وكان العامل الحاسم الأخير فيها هو صواريخ Scud B العراقية المحسنة.

يضاف إلى ذلك، إنما بدرجة أقل، التفوق الجوي العراقي الذي عززه السلاح الفرنسي، وتمكن من السيطرة على الأجواء بفعل غياب أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية الفاعلة. إنهما الدرسان الأساسيان اللذان انتهت بهما الحرب العراقية الإيرانية.

وفي حرب الخليج الثانية كانت فكرة السيطرة الجوية هي أساس المعركة، ولم يكن العراق يملك أنظمة دفاع جوي يعتد بها.

وكانت الذراع الصاروخية الهجومية هي العنصر الوحيد الذي جعل سيطرة قوات التحالف غير مكتملة، وهذان هما الدرسان الأهم في تلك الحرب.

وفي الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لم نكن أمام مواجهة بالمعنى المتعارف عليه، وكانت المعركة أشبه ما تكون بحرب من طرف واحد، إذ كانت قدرات العراق قد دمرت أو قيدت منذ حرب الخليج الثانية.

وكان العنصر الأبرز في الحرب هو ما عرف بعمليات "الخداع الإستراتيجي" التي استدرجت إليها القوات العراقية، وخاصة قوات الحرس الجمهوري، لاسيما في العملية التي تمت بالقرب من مطار بغداد، ومن هنا تلاشت فرص حماية هذا الحرس للعاصمة العراقية.

نحن اليوم أمام معطيات تبدو مغايرة، لأن الولايات المتحدة سيكون لها تفوقها الجوي، لكنها سوف تعاني من تمركز قواتها البحرية وحاملات طائراتها العملاقة في دائرة ضيقة جنوب الخليج، وعليها أن تتعامل من جهة أخرى مع التحدي الذي قد يفرضه نظام الدفاع الجوي الإيراني، وأخيرا عليها التعامل مع طبيعة الموقف المعتمد حيال الصواريخ البالستية الإيرانية.

أما إيران، فعليها التعامل مع تحدي تعدد الجبهات التي قد تفتحها الولايات المتحدة في مواجهتها، وكذلك مدى قدرة أنظمة دفاعها الجوي على الامتداد لحماية مراكز حيوية عديدة أمنية ومدنية.

وأخطر من ذلك سبل التعامل مع الهجوم الصاروخي الأميركي، إذ قد يصعب على الدفاعات الجوية الإيرانية اعتراض صواريخ كروز (توماهوك) الأميركية.

هذا على صعيد الحسابات العسكرية، أما على صعيد الشعور العام في المنطقة، فهناك مخاوف فعلية مما قد يخلفه الخيار العسكري من تداعيات سياسية واقتصادية على الحياة العامة، ومن هنا تأتي ضرورة البحث عن مقاربة سياسية للأزمة، أو لنقل إعادة بناء المقاربة القائمة.
__________________
كاتب بحريني

المصدر : الجزيرة