إبراهيم عجوة

يعيش الكيان الصهيوني مأزقاً إستراتيجياً لا أعتقد أن أحدا من آبائه المؤسسين قد توقعه. فلا هم استطاعوا تحقيق دولة اليهود النقية على كامل أرض فلسطين أو كما يحبون تسميتها في أوهامهم "الأرض الموعودة". فظلوا يراوحون بين شقي معادلتهم الخاصة: شق دولة اليهود النقية "وحدة العمل العبري" وشق "وحدة أرض إسرائيل" غير قادرين على تحقيق أي منهما.

ولا هم استطاعوا تحقيق دولة اليهود الديمقراطية حيث اصطدمت ديمقراطيتهم المزعومة بعنصريتهم الأصيلة ومبناهم الإثني المزعوم، إزاء المتبقي من الشعب الفلسطيني على أرضه، بل اكتشفوا أن الحرمان من المساواة لن يكون إلا مسألة وقت وموارد سياسية حتى يضطروا لمواجهة مفتوحة مع فلسطينيي 1948م.

ولا هم استطاعوا تحقيق وحدة أرض إسرائيل باستكمال احتلال كامل فلسطين عام 1967م، حيث لم يجرؤا على ضم الأراضي المحتلة ذلك العام أي الضفة والقطاع خشية الغلبة الديمغرافية الفلسطينية واضطروا لإبقائها مناطق محتلة.

"
يعيش الكيان الصهيوني مأزقا إستراتيجيا لم يخطر على بال أحد من آبائه المؤسسين، فلا هم استطاعوا تحقيق دولة اليهود النقية على كامل أرض فلسطين, ولا هم استطاعوا تحقيق وحدة أرض إسرائيل باستكمال احتلال كامل فلسطين عام 1967
"
ولا هم يستطيعون الانسحاب من الضفة والقطاع والسماح بإقامة دولة فلسطينية، فتكون للفلسطينيين دولتهم النقية وتكون دولتهم ثنائية القومية بالوجود الفلسطيني داخل حدود 1948م، حيث إن المساواة والعدالة والهوية احتياجات أساسية للمجموعات القومية ليست خاضعة للتفاوض حولها ولا يمكن إلغاؤها أو قمعها.

ولا هم يستطيعون الموافقة على دولة ديمقراطية ثنائية القومية على كامل فلسطين لأنها تنفي دولة اليهود الإثنية المزعومة، وهاجسهم الديمغرافي يؤرقهم باستمرار.

ولا هم يستطيعون اعتبار كيانهم في مناطق 1948م كياناً ديمقراطياً ينتمي للمجتمعات الديمقراطية الحديثة ويعطي للفلسطينيين هناك حقوقهم القومية فيتحول كيانهم إلى دولة ثنائية القومية ولا حتى يستطيعون إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية كدولة لكل مواطنيها.

في هذه المراوحة بين شقي معادلتهم، وفي هذه الحركة بين حدود المتحارجة "paradox " التي باتت تحكم خياراتهم، يجري سحق الشعب الفلسطيني بعنف قل نظيره، ويزداد هذا العنف طردياً مع تعمق مأزقهم وانسداد الأفق التاريخي لمشروعهم.

ففي زمن حقوق الإنسان ودعاوى الديمقراطية يلجأ الكيان الصهيوني لأبشع الممارسات العنصرية، وأبشع أشكال التنكيل والقتل المجاني وهدر الحقوق الفردية والوطنية للشعب الفلسطيني، متجاوزاً كل القيم والأعراف والقوانين الدولية.

وفي زمن العولمة والذوبان المطلوب والمفترض لكل الحدود بين الدول والشعوب يلجأ الكيان الصهيوني لإحاطة نفسه بسور أو جدار فصل كما يسميه، وهو وإن كانت له أهداف في ابتلاع الأرض فإنه حركة خارج التاريخ بل هو عودة إلى عهد المدن المسورة في القرون الوسطى.

آخر ما تفتقت عنه عبقرية المفكرين الصهاينة كان مشروعاً تقدم به عضو الكنيست الصهيوني البروفيسور شلومو برزنتس، وهو الصديق الشخصي والأقرب لرئيس الحكومة "الإسرائيلية" إيهود أولمرت.

اقترح برزنتس على أولمرت أن يجري انسحابا من الضفة الغربية بعد الانسحاب الذي جرى من القطاع، وأن يجري نقل المستوطنات الصغيرة إلى الكتل الاستيطانية الكبرى، وأن تحل محل الجيش "الإسرائيلي" قوات دولية من الاتحاد الأوروبي.

وتقوم الدول الأوروبية بالتوازي مع ذلك بمبادرة على شكل مشروع مارشال فلسطيني لإحداث تنمية اقتصادية ذات وظائف خاصة، بينما تقوم القوات الأوروبية ببناء جهاز أمن فلسطيني قادر ومقتدر ويقبل التنسيق مع "إسرائيل"، ويستطيع لجم قوى المقاومة ويقوم بنزع السلاح الموجود خارج أجهزة الأمن.

يرافق كل هذا تأسيس بنية سلطة تقبل التعايش مع إسرائيل وتقبل بالحقوق التي تقرر "إسرائيل" منحها.

سمى شلومو برزنتس مشروعه "الدفيئة الدولية". والمقصود هنا بالدفيئة البيت البلاستيكي المستخدم في الزراعة من أجل إنتاج المزروعات المطلوبة للمستهلك في غير موسمها الحقيقي.

فهو يريد من الأوروبيين أن يكونوا احتلالاً ثانياً وشريكاً له في احتلاله لأرض وشعب فلسطين، كما يريد في المقابل إنتاج دولة لنا في بيت بلاستيكي أوروبي.

وهو مشروع إضافي من مشاريع التخبط الصهيوني، من بوتقة الصهر إلى نفي المنفى إلى وحدة أرض إسرائيل إلى وحدة العمل العبري إلى الترانسفير إلى سلطة الحكم الذاتي.. إلخ.

يقول الشاعر عمرو بن كلثوم في أحد أبيات معلقته:
إذا بلغ الفطام لنا صبي*** تخر له الجبابر ساجدينا
وأخال عمرو بن كلثوم لو كان معاصراً لفصائل العمل الوطني الفلسطيني لقال: إذا بلغ الفطام لنا فصيل*** تخر له الجبابر ساجدينا

ولكن يبدو أن عمرو بن كلثوم بشعره هذا ما زال يتربع في عقول الكثير من قادة فصائل العمل الوطني الفلسطيني.

ففي الوقت الذي يتخبط فيه الكيان داخل مأزقه البنيوي، والذي يستدعي بقانون التوازن الذي يقول بأن مأزق أحد أطراف الصراع هو قوة مضافة للطرف الآخر، نجد أن فصائل العمل الوطني الفلسطيني يزداد مأزقها تعمقاً، في مخالفة عجيبة لقوانين الطبيعة، وكأننا إزاء قانون جديد يقول بتوازن العجز بدل توازن القوى.

"
ما زالت القوى الفلسطينية عاجزة عن تشكيل مرجعية وطنية فلسطينية مدركة للمأزق الصهيوني ومنطلقة من حقوق الشعب الفلسطيني الكاملة نحو مصلحته الوطنية في وضع حد لهذا الكيان المأزوم ولهذا المشروع المنسد أفقا
"
فما زالت هذه القوى عاجزة عن تشكيل مرجعية وطنية فلسطينية مدركة للمأزق الصهيوني ومنطلقة من حقوق الشعب الفلسطيني الكاملة نحو مصلحته الوطنية في وضع حد لهذا الكيان المأزوم ولهذا المشروع المنسد أفقاً.

وإذا نظرنا إلى القوة الكامنة لدى الشعب الفلسطيني إزاء المأزق الصهيوني، فإننا نرى تهافت دعاوى ميزان القوى، وتهافت مبررات التنازلات غير المتوقفة من قبل القادة السياسيين للفصائل والقوى السياسية الفلسطينية.

فما زالت هذه القوى ترى نفسها أداة التحرير وتتعامل مع ميزان القوى باعتبارها طرف التحرير في معادلة الصراع ولم تر نفسها باعتبارها أداة اشتباك وأن أداة التحرير هي كتلة الأمة التاريخية التي لا تستطيع قوة في العالم هزيمتها.

فما أن تتولد لدى الشعب الفلسطيني حركة مقاومة كرد فعل طبيعي على الاحتلال وممارساته من أجل إحقاق الحقوق الوطنية لهذا الشعب، حتى تمتطيها مجموعة سياسية يسمونها زوراً بالنخبة السياسية، بين مصالحها وأهداف تلك الحركة الشعبية بون شاسع.

وما أن تمتطي هذه المجموعة الحركة الشعبية حتى تتخيل نفسها فصيل أو صبي عمرو بن كلثوم الذي ستخر له الجبابر، وكأنها لا ترى نفسها إلا من خلال مرايا مقعرة، وتبدأ بحسابات ميزان القوى بينها وبين العدو كطرف الصراع الوحيد وليس باعتبارها عنصراً في مكونات طرف الصراع من كتلة الأمة التاريخية وأن واجبها هو الاشتباك والمساهمة في بلورة الكتلة التاريخية للأمة.

والمدهش والمثير أن العدو هو من يشاركها العمل على تضخيم الصورة، بحيث يسارع إلى المشاركة في النفخ، وإبراز مخاوفه من التهديد الذي تشكله الظاهرة، حتى تصبح بالوناً يتحول من جسم ضخم إلى حجم أقل من عقلة الإصبع حين يمسه أي ثقب يؤدي إلى تسرب الهواء منه.

ولأن الحركة الشعبية حركة عفوية وليست مرتكزة إلى كتلة تاريخية للأمة وفي غيابها يحل الفصيل محل الحركة الشعبية، ترى الحركة الشعبية نتيجة عجزها كحركة عفوية في الفصيل بديلاً للكتلة التاريخية القادرة على التحرير.

وفي علم النفس الاجتماعي تلجأ الكتلة الشعبية إلى تضخيم الذات عبر الخطاب كتعويض لعجزها عن الفعل وإحساسها بالفشل والخواء الداخلي، وفي علم النفس الفردي يلجأ الفرد المصاب بعقدة الدونية كنتاج لخواء داخلي إلى التعويض بتضخيم الأنا والتمركز حولها إلى حد النرجسية أو البارانويا أو ما يسمى بمرض العظام.

وهنا تبدأ معزوفة الفصيل المؤسس، والقائد المؤسس، والجبل الذي لا تهزه الريح، والقدرة الخارقة للفصيل على تركيع إسرائيل والغرب، والقائد الملهم الذي دوخ القادة، والقائد المنتدب من الرب، دون إدراك لشروط الانتصار لمعركة هي في الجوهر معركة أمة وليست معركة فصيل.

والأمة لها شرط تاريخي أساسه تشكل كتلة تاريخية لها تتوافق على شروط نهضتها ولا يستعاض عنها بفصيل سياسي يضع نفسه بديلاًً عن هذه الكتلة بل يسعى ليكون عنصراً فاعلاً فيها ما استطاع.

النتيجة الحتمية لهذا الخلل تتجسد بشكل واضح في الساحة الفلسطينية التي على أرضها يتكثف صراع الأمة كلها مع معسكر أعدائها.

يشهد التاريخ كيف كان كل فصيل صغر حجمه أم كبر من فصائل العمل الوطني الفلسطيني يعتبر نفسه الممثل الشرعي والوحيد لمصالح الشعب الفلسطيني، بل لقد ذهب الشطط ببعضهم حتى اعتبر أنه يمثل البروليتاريا العالمية أو الإسلام السياسي على مدى العالم الإسلامي.

وكيف أن القانون الطبيعي لتكوين هذه الفصائل قد جرها عملياً من التمثيل الواسع إلى التمثيل الأضيق ومن الأهداف العالمية إلى الأهداف المحلية، ثم من الأهداف الوطنية إلى التخارج معها نحو التصالح مع العدو التاريخي وهدر الحقوق الوطنية والقومية لاحقاً تحت عنوان الواقعية السياسية.

ولا ندري أين كانت الواقعية السياسية عندما كان هذا الفصيل أو ذاك ينتفخ حتى يظن أن مساحة انتفاخه باتت تغطي سطح الكرة الأرضية.

فبدل أن تكون الواقعية السياسية في إدراك القانون الذي يقود إلى نهضة الأمة وتحرير الوطن تصبح الواقعية إدراك الذات لدونيتها وخوائها بعد الاصطدام بحقائق الواقع، مما يقودها إلى القبول بمكتسبات تليق بحجمها الحقيقي وإدراكها المتأخر لهذا الحجم.

أدرك أن هذا النمط من الكتابة لا يليق بكتابة تحليلية، ولكني وجدت نفسي مطالباً بالصراخ قليلاً وأنا أنظر بعين المحلل إلى هذا الواقع الفلسطيني والعربي الراهن.

"
نحن بحاجة إلى حركة سياسية تعبر عن الكتلة التاريخية للأمة وليس إلى مؤتمرات تصدر بيانات ولا إلى توافقات على شكل وثيقة الوفاق الوطني أو اتفاق مكة ووثيقة الوحدة الوطنية التي تشكل استجابة لرسائل إقليمية
"
فإسرائيل تقضم حقوقنا تدريجياً وتقترب بها من الصفر رغم مأزقها الحاد، بينما فصائل العمل الفلسطيني "الكبرى" التي تخر لها الجبابر تتنازل تدريجياً من تحرير الأمة إلى تحرير كامل التراب إلى دولة على الضفة والقطاع إلى حكم ذاتي وسلطة تحت احتلال إلى انتخابات في ظلاله إلى صراع على هذه السلطة واستبدال تحرير الوطن بتحرير السلطة من الفصيل الآخر.

أظن أن حركة فلسطينية منطلقة لا محالة، متجاوزة فصائل عمرو بن كلثوم، ومرتكزة على الكتلة التاريخية للأمة بمكوناتها الثلاث:

الرؤيا القومية التقدمية غير الشوفينية، والرؤيا الإسلامية المنفتحة والجهادية، والرؤيا الاشتراكية الموطنة.

وشرطها أن تكون حركة تحتمل الاجتهاد وليست أيديولوجية تلفيقية بين الرؤى الثلاث وإنما تحمل اتفاقاً على الشروط العملية للصراع منطلقة من الواقع ومصالح الشعب والأمة.

لعل طموحاً كهذا يحتاج إلى شرطين أحدهما تحقق والآخر في انتظار من يعلق الجرس. الشرط الأول هو وصول القوى السياسية بتلويناتها الراهنة إلى الحائط المسدود، ووصول الشعب والأمة إلى اقتناع مطلق بعبثية هذا الشكل من العمل السياسي، وعبثية الاستمرار في الدوران داخل الحلقة الشيطانية المفرغة.

أما شرطها الثاني فيتمثل في نخبة سياسية جذرية مدركة لأهمية هذا الشرط ولأهمية التعددية والاجتهاد داخل الكتلة التاريخية للأمة، ونعتقد إمكانية انبثاقها في مرحلة قريبة. فالطبيعة لا تحتمل الفراغ، والفراغ بات على السطح السياسي ضخماً إلى حد العدم.

تشكل الكتلة التاريخية لا تستبدل به مؤتمرات قومية أو قومية إسلامية أو أي شكل من الأشكال التي تلامس الحاجة دون أن تنجح في إنتاج الشكل الذي يناسبها.

نحن بحاجة إلى حركة سياسية تعبر عن الكتلة التاريخية للأمة وليس إلى مؤتمرات تصدر بيانات ولا إلى توافقات على شكل وثيقة الوفاق الوطني أو اتفاق مكة أو وثيقة الوحدة الوطنية التي تشكل استجابة لرسائل إقليمية يتم تبادلها من خلال القوى الفلسطينية وعلى حساب مصالح الشعب الفلسطيني.. نحن بحاجة إلى هذا المناخ قبل أن تداهمنا دول الدفيئة.
ـــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة