ميشيل شحادة

الشرق الأوسط "الجديد" الكبير
نظرية برنارد لويس
أساليب ترويض المنطقة العربية

مما لا شك فيه أن فكرة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير قد أصبحت من المقولات السياسية الأكثر انتشارا هذه الأيام, ويهدد هذا المشروع الهوية العربية بشكل موجه.

ويتجلى ذلك في سياق إقليمي ودولي يتّسم بالعنف السياسي والعسكري والإعلامي والاقتصادي والثقافي ضدّ المنطقة برمتها. كما يأتي ذلك في ظل ارتباك النخبة العربية في فهم أبعاد وتداعيات هذا المشروع الخطير وسبل مواجهته.

ويتمثل ارتباك النخبة أمام هذا المشروع في انقسامها بين رافض وموافق. والسبب في ذلك أن جزءا منها وجد أن طرحه التاريخي في مناهضة الديكتاتورية وإشاعة الديمقراطية وحق تقرير المصير يلتقي مع ظاهر الخطاب الأميركي السياسي العلني في المنطقة، وهذا مفهوم سطحي لنوايا مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير وخباياه المستترة.

وجزء آخر استماله هذا المشروع لما فيه من تنفيذ لبرامجه من فرص ومصالح ذاتية ضيقة انتهازية. وآخر استنتج أنه من الأفضل الميل إلى الغرب لتجنيب المنطقة كارثة الدمار المتوقع أن تجلبه المواجهة معه، وأنه يمكن الاستفادة من إمكانياته الهائلة لتحقيق الاستقرار والأمن والانتعاش للمنطقة. وهذا فهم قاصر لما يهدف إليه هذا المشروع وما يعنيه لمستقبل المنطقة العربية.

وعليه فإن القوى العربية الحية التي تناضل من أجل الإمساك بطرف خيط المستقبل بأيدي أبنائها ولمصلحتهم، وجب عليها تمحيص هذه المقولة وفهمها والسيطرة على دفتها وشرحها للجماهير العربية، لأنها إذا فشلت في هذه المهمة فسيقوم الأعداء بصياغة مستقبل المنطقة، ولن يكون ذلك لصالح الشعوب العربية التي تشكل الوقود المباشر لهذا الأتون السياسي الملتهب.

الشرق الأوسط "الجديد" الكبير
تمتد جذور هذه المشروع إلى أوروبا الثورة الصناعية. حيث بدأ يتشكل في الوقت الذي بدأ فيه مشروع أوروبا الكولونيالي يعي نفسه بشكل مبرمج مستهدفا قارات آسيا وأفريقيا، في زمن الإمبراطوريات الأوروبية.

وكانت الحركة الصهيونية نتاجا مباشرا لهذا الوعي ولهذا التخطيط بحيث أصبحت أداة أساسية في صياغته وتنفيذ مشروع "الشرق الأوسط" الغربي.

وكان هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية قد تصور قيام كومنولث شرق أوسطي في المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل عام 1897. وأكد مؤتمر بلتيمور الصهيوني على تكريس مقولة الكومنولث الشرق أوسطي بقيادة الدولة الأشكنازية عام 1942.

ومنذ ذلك الحين شكلت صياغة الشرق الأوسط بالمعايير الغربية الإسرائيلية جوهر إستراتيجية الكيان الصهيوني كوظيفة بنيوية لهذا الإسقاط الغربي في المنطقة.

"
يحوي مشروع بيريز الجوانب الإسرائيلية في المشروع الشرق أوسطي الغربي ولكنها ليست كاملة، فالجواب على أبعاد المشروع العريضة يكمن في الغرب الأميركي بما يحمله ذلك من أخطار تتعدى إلى أبعد بكثير حدود التطبيع مع الكيان الصهيوني
"
وأتى مشروع شمعون بيريز الذي سماه "الشرق الأوسط الجديد" والذي حلم فيه بأن تأتي حقبة أوسلو بتطبيع العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني.

ويحوي مشروع بيريز الجوانب الإسرائيلية في المشروع الشرق أوسطي الغربي ولكنها ليس كاملة. فالجواب على أبعاد المشروع العريضة يكمن في الغرب الأميركي بما يحمله ذلك من أخطار تتعدى إلى أبعد بكثير حدود التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وقد بدأت بعض تفاصيل هذا المشروع تطرح في العلن عندما أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش تعبير "الشرق الأوسط الكبير" في خطابه أمام الأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2004.

ومرة أخرى بشكل صارخ عندما رفضت وزيرة الخارجية (كوندوليزا رايس) وقف إطلاق النار بلبنان في 22 يوليو/تموز 2006، لأن الحرب في اعتقادها كانت "مخاضا لولادة شرق أوسط جديد."

وكان هذا تعبيرا عن تفكير المحافظين الجدد الذي تبنته إدارة بوش. فالمحصلة النهائية لرؤيتهم هي هزيمة الحضارة العربية الإسلامية وجعلها تابعة للغرب بشكل لا يسمح بقيامها مرة أخرى، تماما كما حصل في اعتقادهم للاتحاد السوفياتي وهزيمة الإيديولوجية الشيوعية الماركسية اللينينية. فمن أين أتت رؤيا المحافظين الجدد بخصوص الشرق الأوسط وما هي معالم مشروعهم هذا؟

لعل ينابيع هذه النظرة تعود إلى عام 1950 عندما قام المؤرخ الشاب اليهودي برنارد لويس البريطاني الأصل من جامعة لندن، بزيارة تركيا للمرة الأولى.

برنارد لويس اعتبر لمدة طويلة "عميد الدراسات الشرق أوسطية" في الغرب كما أسمته صحيفة "نيويورك تايمز." وكان لويس قد حصل على بعثة للبحث في أرشيف الإمبراطورية العثمانية، حيث كان أول شخص غربي تتاح له مثل هذه الفرصة.

في هذه الفترة كانت بدايات تبلور حركة ديمقراطية ليبرالية غربية في تركيا. وكان بطل هذا التحول الكبير في المجتمع التركي هو كمال أتاتورك، الذي ظهر قبل زيارة لويس هذه إلى تركيا بعقدين من الزمن.

"أتاتورك" الاسم الذي تبناه هو بنفسه ويعني أنه "أبو جميع الأتراك،" كان قد وصل إلى قمة هرم الإمبراطورية العثمانية المريضة. وقرر بشكل ديكتاتوري دمج المجتمع التركي في الغرب المتقدم "من أجل الناس ورغما عن الناس" كما قال.

في عام 1950 تم لأول مرة في تاريخ تركيا تبديل الحكم بشكل سلمي من حزب أتاتورك حزب الشعب الذي حكم بشكل أوتوقراطي منذ عام 1923 لصالح الحزب الديمقراطي الناشئ.

وقد أثر هذا الحدث على الشاب لويس بشكل كبير حيث قال في كتابة "ظهور المجتمع التركي الحديث" الذي نشر عام 1961 إن هذا التبادل السلمي للسلطة قد حدث "دون أية سابقة في تاريخ تركيا أو المنطقة." وأضاف أن "أتاتورك هو الذي أخذ الخطوة الأولى الحاسمة في تبني تركيا للحضارة الغربية."

ولا تزال هذه النظرة الأتاتوركية بـ"غربنة العالم العربي وخلع أغلال الإسلام الإقطاعي المقيدة له للدخول في الحداثة" لا تزال في جوهر رؤية الرئيس الأميركي (جورج بوش) المتصدعة في العراق.

فعندما تهاوت كل الحجج التي ساقها بوش لأهداف غزوه للعراق لم يبق ما يقدمه كحجة لأغلى مغامرات أميركا في التاريخ سوى عذره الواهي بـ"دمقرطة" العراق.

فلا تزال إدارة بوش تكرر أن هدفها في العراق هو "نظام سياسي ديمقراطي ليبرالي" مفروض من فوق تماما كما فعل كمال أتاتورك في تركيا بموجب نظرية برنارد لويس ولكنه بات واضحا أن العراق لا يتحرك في الاتجاه الذي يدعيه هؤلاء.

بل إن العكس هو الصحيح حيث إن العراق يتحرك من نظام علماني نحو نظام طائفي راديكالي متخلف. فمشروع تصدير الديمقراطية على الدبابات قد فشل. ونموذج العراق أصبح يخيف المنطقة بدلا أن يكون نموذجا يحتذى بطواعية ونهم وشوق كما كان يراد له.

نظرية برنارد لويس

"
تعتمد نظرية برنارد لويس على فرضية أن الغرب يمر بآخر عصر من مراحل الصراع على السيطرة والهيبة بينه وبين الحضارة الإسلامية, وأن أحداث 11 سبتمبر شكلت الطلقة الأولى في المعركة النهائية في هذه الحرب الحضارية الطويلة
"
تعتمد نظرية برنارد لويس على فرضية أن الغرب المدعو بالعالم المسيحي يمر في آخر عصر من مراحل الصراع على السيطرة والهيبة بينه وبين الحضارة الإسلامية.

برنادرد لويس هو الذي صاغ مقولة "صراع الحضارات". وصرح لويس في إحدى المقابلات في الربيع الماضي مع (مايكل هيرش) من مجلة نيوزويك بأن "أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول شكلت الطلقة الأولى في المعركة النهائية في هذه الحرب الحضارية الطويلة." وأضاف أن الذي سينتصر في هذه المعركة سينتصر تاريخيا.

كان لويس من أول المتحمسين لغزو العراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، حيث كتب مقالات في الصحف مشجعاً على ذلك الغزو. وكان من أكثر الأكاديميين تأثيرا على صناع القرار مثل نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني وولفويتز اللذين استعملا تعابير برنارد لويس بشكل دائم مثل تكرار ولفويتز لمقولة "أن تركيا هي أفضل نموذج سياسي للشرق الأوسط".

ومن الواضح أن عامة العرب والمسلمين لا يشاركون لويس نظرته هذه عن "صراع الحضارات" بل إنهم يرون أن التاريخ في معظمه يعبر عن تعايش وتبادل حضاري بين الحضارتين، لكنهم لم يترددوا في الدفاع عن النفس عندما هاجمهم الغرب في الماضي.

وهم يشعرون الآن بحجم الهجمة الغربية على المنطقة العربية وعلى الحضارة العربية ويعملون على حماية النفس والدفاع عنها، وهذا حق مشروع يختلف عن طرح مقولة لويس العدائية القائلة بأبدية الصراع بين الحضارتين، وعدائه للإسلام وتصنيفه له بأنه "دين ضد الحداثة."

أساليب ترويض المنطقة العربية
اعتمد الأسلوب المتبع منذ الحرب العالمية الأولى على أربعة أقانيم أولها سياسة فرق تسد، وثانيها زراعة سرطان غربي في خاصرة الوسط العربي، وثالثهما تشييد منظومة عربية خاضعة وتابعة ومعتمدة في وجودها على الغرب، ورابعها ضرب القومية العربية كهوية للمنطقة منذ أن بدأت تعي نفسها وتتطور كإيديولوجيا منذ بدايات القرن الماضي.

هذا الرباعي حققته معاهدة سايكس بيكو، حيث تم تفتيت العالم العربي إلى دول قطرية، وتم زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، وأنشئ النظام العربي التابع.

وكانت هذه المنظومة كافية للهيمنة الغربية طيلة هذه الفترة معتمدة على هذه الأعمدة الأربعة. ولكن المنطقة لم تخضع بشكل تام كما رغب الغرب فيه، فبقيت قوى الممانعة تناضل ضد الاستسلام مثل ثورة فلسطين ومصر عبد الناصر ولبنان المقاومة.

كما أن رفض بعض الديكتاتوريات العسكرية العلمانية مثل العراق وسوريا أن تكون عميلا خانعا لأميركا بشكل تام -لأن هذا أيضا غير مسموح به فأميركا لا ترضى بنصف خنوع- جعل هذه الأقطار جزءا من الممانعة.

وبهذا أصبح نظام سايكس بيكو ونظام الدولة القطرية لا يؤدي غرضه. فحتى الدولة الجزء (القطرية) قد كبرت وقويت بشكل أصبح صعبا على إسرائيل أن تروضها وحيدة، مما تطلب تدخلا مباشرا من الجيوش الغربية.

"
من المبكر القول إن الخطة الأميركية من أجل شرق أوسط جديد فشلت. قد تكون انكفأت بسبب المقاومة الباسلة في العراق، ولكن ملفات عديدة من فصولها لا تزال سارية وبعضها يحقق نجاحات نسبية يجب عدم الاستهانة بها
"
وشكل هذا التدخل ثقلا إستراتيجيا وعائقا أمام أطماعهم الاستعمارية. وبذلك يجب إعادة النظر في نظام سايكس بيكو، وإعادة إنتاج عالم عربي مقسم إلى دويلات إثنية ودينية وتفتيت المنطقة أكثر بشكل يعيدها إلى أيام الغزو الصليبي حين هُزم العرب لتفتتهم وتشرذمهم قبل أن يأتي صلاح الدين ويوحد العراق وسوريا ومصر في وجه الصليبيين ويهزمهم.

وعليه فإن إذكاء لهيب العصبية الطائفية والعنصرية لتحرق المنطقة بالفوضى، خصوصا بين أهل السنة والشيعة يصبح هدفا في حد ذاته. ومن الممكن في ظل ظروف هذه "الفوضى الخلاقة" أن يتم ترويض المنطقة بشكل يستطيع الكيان الصهيوني إدارتها بشكل مريح.

ومن المبكر القول بأن الخطة الأميركية من أجل شرق أوسط جديد فشلت. قد تكون انكفأت بسبب المقاومة الباسلة في العراق، ولكن ملفات عديدة من فصولها لا تزال سارية وبعضها يحقق نجاحات نسبية يجب عدم الاستهانة بها.

ومن البديهي القول إن قوى الممانعة لم تستطع أن تتوحد في مواجهة هذه الهجمة الشرسة. فالقوى العلمانية الممثلة بالشق القومي والديمقراطي الاشتراكي متصارعة فيما بينها، وكذلك يحتدم صراع دام بين هذه القوى والتيارات الإسلامية المناضلة، وليس هنالك بارقة أمل في تغيير معادلة المواجهة مع الأعداء إلا إذا حلت هذا الإشكاليات بشكل إستراتيجي.

وأخيرا يجب أن نتيقن من أن النخبة السياسية الحاكمة في أميركا إذا وجدت فرصة لتأجيج الفتنة الطائفية أكثر في العراق فستفعل. وإذا سنحت لها الفرصة بسحب هذه الفتنة إلى لبنان أو مصر أو السودان أو أي مكان توجد فيه أرضية لهذه الفتنة، فلن تتأخر عن ذلك. وما على العالم العربي إلا الإعداد لما استطاع من قوة ومن رباط الخيل والأمل في الله ثم الشعب والقوى الوطنية الحية.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة