محمد مصطفى علوش

تقارير تؤكد تزايد خطورة طالبان
جديد إستراتيجيتها القتالية
القاعدة وراء هذا التطور لطالبان
طالبان باتت المخلص

زيادة العمليات العسكرية لمقاتلي طالبان ضد القوات الأميركية وغيرها من القوات الأجنبية المتواجدة على الأرض الأفغانية بالتزامن مع نشر الناتو ثمانية آلاف جندي في جنوب وشرق أفغانستان في أواخر يوليو/تموز الماضي، ثم سيطرة طالبان على بلدة "موسى قلعة" في وقت استلام الجنرال الأميركي دان ماكنيل في الرابع من يناير/كانون الثاني قيادة قوات الناتو في جنوب أفغانستان من نظيره البريطاني ديفد ريتشاردز تطرح أكثر من تساؤل.

فهل هي رسالة من طالبان لواشنطن من أن الوضع في ظل قيادتها في عام 2007 لن يكون أفضل حالا عن ما كان عليه خلال قيادة بريطانيا في 2006؟

خصوصاً مع صدور عدة تقارير تفيد بأن مقاتلي طالبان سيكثفون من هجماتهم ضد القوات الأجنبية مع قدوم فصل الربيع وانحسار موجات البرد القارص الذي يلف أفغانستان خلال فصل الشتاء؟

وهل هذه الرسائل التي توجهها طالبنا من فترة لأخرى ذات أثر أو يمكن أن تؤثر على سير الأجندة الأميركية لأفغانستان؟ ومن أين تمول طالبان عملياتها وكيف طورت من أدائها؟

تقارير تؤكد تزايد خطورة طالبان

"
الخطة البريطانية لهزيمة مقاتلي طالبان ظهرت وكأنها "محكوم عليها بالفشل" حيث لم يجد جون ريد وزير الدفاع البريطاني خلال زيارته لإقليم هلمند من حل في الانتصار على طالبان إلا بتشكيل قوات أمن أفغانية للتصدي للمقاتلين الموالين للحركة
"
مما لا شك فيه أن واشنطن وحلفاءها تأخذ تهديدات طالبان على محمل الجد، فقد طلب الأمين العام لحلف الناتو الهولندي ياب دي هوب شيفر في الثاني من أغسطس/آب الماضي من الحكومة الإيطالية تعزيز كتيبتها البالغ عددها 1400 رجل في أفغانستان لدعم قوات الناتو في الولايات الجنوبية التي تشهد حراكاً واسعاً لطالبان.

وقد برر هذا الطلب خلال لقاء له مع صحيفة كورييرا ديلا سيرا الإيطالية بالقول "دخلنا منطقة صعبة. هناك مقاومة من طالبان التي علينا أن نجعلها تدرك أننا جديون"، مشيرا إلى وجود قرابة 22 ألف جندي أميركي بجانب عشرين ألف عنصر من الناتو في أفغانستان منذ إسقاط نظام طالبان في أواخر العام 2001.

ولعل ما سبق يؤكد صحة ما نشرته صحيفة باك تريبيون الباكستانية في 3/5/2006 أن الإستراتيجية البريطانية لهزيمة مقاتلي طالبان الأفغانية لاقت انتقادات، وبدت هذه المهمة وكأنها "محكوم عليها بالفشل".

معتمدة على تقرير نشره مجلس سينلس، وهو مركز أبحاث مستقل يراقب الأوضاع بأفغانستان، يقول: إن الخطة البريطانية لهزيمة مقاتلي طالبان ظهرت وكأنها "محكوم عليها بالفشل" حيث لم يجد جون ريد وزير الدفاع البريطاني خلال زيارته لإقليم هلمند في 26/4/2006 من حل في الانتصار على طالبان إلاً بتشكيل قوات أمن أفغانية للتصدي للمقاتلين الموالين للحركة.

فضلاً عن ذلك فإن الأنباء تؤكد أن حركة طالبان وصلت إلى مرحلة متطورة جدا من الاستعداد القتالي، حيث باتت تسيطر على مساحات واسعة من الحدود الجنوبية لأفغانستان إلى درجة اضطر معها الجيش الباكستاني للقيام بعمليات عسكرية على الحدود بعدما عجز الجيش الأميركي عن ذلك ما استدعى عودة الاستعانة بالطائرات B52 خلال العمليات ضد طالبان.

وكان أبرز ما نشر مؤخراً هو تقرير خاص لوكالة أنباء أسوشيتد برس الأميركية أكدت فيه أن مقاتلي طالبان والقاعدة يشنون هجمات يومية منظمة ودقيقة ضد القوات الأميركية عبر الحدود الباكستانية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما الجديد من الإستراتيجيات العسكرية التي تعتمدها طالبان الآن؟

جديد إستراتيجيتها القتالية
المتابع للعمليات العسكرية لمقاتلي طالبان يجد أنها تسير وفق إستراتيجيات محددة تتمثل في هذه النقاط التالية:

• الاعتماد على الذات وتنوع التمويل لعملياتها العسكرية، حيث يقول الملا حياة خان القائد البارز في الحركة "طالبان لها مراكز في كافة أقاليم أفغانستان. طالبان ليسوا موجودين في باكستان لأن باكستان أضرت بنا وسلمت العديد من زملائنا للولايات المتحدة". أما عن التمويل فيبدو أنه يأتي من مصادر عديدة ليس أقلها تجارة المخدرات.

• التركيز على "الأجساد المفخخة" كسلاح إستراتيجي نوعي في التفوق العسكري، وكان للمقاومة العراقية الفضل في نسخ هذه التجربة ونقلها للأفغان، وقد بدأت ثمارها تلوح في الأفق مع تأكيد أحد القادة الأفغان مؤخراً أن هذا السلاح أشبه بالسلاح الذري في فعاليته.

ويؤكد الملا حياة خان أن ألفي مهاجم مستعدون لتنفيذ "هجمات انتحارية" خلال فصل الربيع عندما تذوب ثلوج الشتاء خلال الشهور القليلة المقبلة، قائلا "قمنا بـ80% من الاستعدادات لقتال الأميركيين ونحن على وشك بدء الحرب".

• توسيع إطار العمليات وعدم حصرها في منطقة أو إقليم وذلك لتشتيت قوة العدو وإرباكه ومباغتته، فبعد أن استطاعت طالبان كسب عطف ما يزيد عن 90% من الشعب الأفغاني -كما يقول الملا حياة خان- فقد تمكنت من السيطرة ولو مؤقتا على ثلاث ولايات، وهي أورزغان وهلمند وقندهار، وهناك ثلاث ولايات أخرى أصبحت طالبان تسيطر على أجزاء منها، وهي زابل وغزني وبكتيكا، بحسب ما تقوله كارلوتا غال مراسلة مجلة نيويورك تايمز الأميركية في أفغانستان.

"
لم تكتف طالبان بالجانب العسكري في إثبات وجودها على الأرض الأفغانية، بل تعدى ذلك إلى الشروع في استرجاع السيطرة والتحكم بالأقاليم الأفغانية على الصعيد الإداري بحيث قامت بتعيين حكام وأجهزة أمن خاصة بها في خمسة أقاليم
"
• اعتماد الحرب الإعلامية من خلال تسجيل العمليات الناسفة والأماكن التي يسيطرون عليها بالفيديو وإظهار لقطات تظهر قوة وبطشا مع المتعاونين مع المحتل.

كما حدث من قتل للجاسوسين وتصوير أحدهما وهو ملقى على الأرض، ثم تسويق هذه الأشرطة عبر قنوات التلفزيون الأكثر مشاهدة كقناة الجزيرة، الأمر الذي أدى إلى الضغط على الإعلام الغربي لدفعه للاعتراف بما يحصل في أفغانستان.

• تطوير ما في يدها من أسلحة أو الحصول على أسلحة جديدة لم تكن متوفرة من ذي قبل، إضافة إلى صقل حرفية عناصرها القتالية، وهناك تقارير تؤكد وصول أسلحة جديدة إلى المقاتلين في أفغانستان "منها قنابل يتم التحكم فيها عن بُعد، وصواريخ أرض أرض، كما يوجد تخوفات في أوساط الجيش الأميركي من حصول طالبان على صواريخ ستينغر المضادة للطائرات ومعدّات أخرى معقدة وتقنية في غالبيتها روسية وصينية الصنع".

• التوازن بين العمل العسكري والعمل الإداري حيث لم تكتف طالبان بالجانب العسكري في إثبات وجودها على الأرض الأفغانية، بل تعدى ذلك إلى الشروع في استرجاع السيطرة والتحكم بالأقاليم الأفغانية على الصعيد الإداري بحيث قامت بتعيين حكام وأجهزة أمن خاصة بها في خمسة أقاليم من أفغانستان حسب ما يقول جين ماري الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في آخر تقرير له عن أفغانستان.

القاعدة وراء هذا التطور لطالبان
يقول وزير الدفاع الأفغاني عبد الرحيم وردك أن تنظيم القاعدة تمكن بصورة ما من جلب فريق من المدربين العرب المقاتلين من أصحاب الخبرات من العراق لتعليم مقاتلي طالبان أحدث وأفضل الأساليب القتالية المتطورة على مختلف الصعد.

ويضيف "إن قوّات طالبان منظّمة ومسلّحة وشرسة، وهي الآن في حالة أفضل وأكثر قدرة من أي وقت مضى منذ نهاية 2001. كوادر طالبان الآن عندهم رجال أكثر، ولديهم أجهزة ومعدات، ولا ينقصهم التمويل، وأضحوا أكثر خبرة في التعامل مع المتفجرات والقنابل التي يتم التحكم بها عن بعد، وإننا في الوضع الأشد سوءا الآن في الحقيقة، ولدينا معلومات بأن مقاتلي طالبان تسلموا أسلحة وعبوات متفجّرة جديدة".

"
وردك: كوادر طالبان الآن عندهم رجال أكثر، ولديهم أجهزة ومعدات، ولا ينقصهم التمويل، وأضحوا أكثر خبرة في التعامل مع المتفجرات والقنابل التي يتم التحكم بها عن بعد
"
وفي هذا الصدد يؤكد الجنرال ميجور برت ديدن قائد القوات الهولندية بأفغانستان، البالغ عددها (140) جندياً أن حدود الإقليم الأفغاني مع باكستان تُعَدّ منفذا لمقاتلي القاعدة وطالبان، وبحسب ما نقل راديو هولندا بتاريخ 3/5/2006 عن الجنرال الآنف الذكر فإن طالبان بدأت تستخدم أنواعاً من القنابل لم تكن تُستخدم من قبل.

وأنها تشبه تمامًا الأنواع المستخدمة في العراق، وأن هذه الاستنتاجات مبنية على بعض ما توصلت إليه وحدة الاستخبارات العسكرية والأمن الهولندية العاملة بأفغانستان منذ عامين خلال عملية مراقبة موضوعية دؤوبة.

وأن الوحدة الهولندية رصدت خلال تقريرها السنوي لعام 2005 زيادة التفجيرات الاستشهادية التي كانت نادرة للغاية في أفغانستان، والتي تستخدم نوعاً من العبوات الناسفة المصنوعة يدوياً وبارتجال، وتُستخدم بالأساس في العراق.



طالبان باتت المخلص
في حين يعزو مراقبون عودة الحركة إلى الانتفاضة الشعبية ضد الوجود الأجنبي الذي عمل على تغيير تقاليد وعادات الشعب ونشر الرذيلة والمخدرات ما ولد تعاطفاً مع طالبان والقاعدة والحزب الإسلامي في موقفهم من مقاومة الاحتلال فإن الملا حياة خان يرجع الدعم الذي تتمتع به طالبان في المجتمع الأفغاني إلى طبيعة هذا الشعب الكاره للمحتل أولا ثم لما ظهر لهم من كذب الأميركيين والحكومة الأفغانية ثانياً.

حيث أنه خلال أربع سنوات ونصف من حكم كرزاي وتدفق المليارات من الدولارات ما زال المواطن الأفغاني البسيط لا يلمس أي تقدم في اتجاه الرفاهية والاستقرار.

فمسلسل قتل المدنيين الأفغان في ازدياد والبطالة تجاوزت نسبة 70% وزراعة وتصدير المخدرات جعل أفغانستان تتصدر المرتبة الأولى في العالم.

وفي هذا يقول مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى أفغانستان جين ماري أن ميزانية تعمير أفغانستان التي قدرت في الماضي بنحو ثلاثين مليار دولار لم تعد كافية والعملية تتطلب ضعف هذا المبلغ خمس مرات بينما الفترة الزمنية يجب أن تكون25 عاما عوضا عن ما حددت سلفا بنحو من خمسة أعوام.

في ظل هذه الأوضاع المتردية يقول أحد المراقبين "إنها فقط قمة جبل الثلج التي تشاهدها؛ هذه الحالة سوف تتصاعد أكثر فأكثر بينما المناخ كله يقود إلى اشتداد المقاومة".

فروسيا لم تعد تخفي انزعاجها من الأميركيين، وإيران تعادي مصالح الغرب علناً، وباكستان لم تعد تطيق تنفيذ كل ما يطلب منها أميركياً، ولو افترضنا أن 10% فقط من تجارة المخدرات التي تذهب من أفغانستان إلى روسيا المقدرة بأربعة مليارات دولار سنوياً يتم استخدامها في شراء السلاح العائد للمقاومة الأفغانية، فهل هناك أكثر من أن تغض روسيا البصر عنها في سبيل إرباك الموقف الأميركي وإضعاف نفوذه في المنطقة؟

"
حين أدرك كرزاي أنه لا يمكن القضاء على طالبان قام بدعوتها إلى الحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات وذلك في خطوة استباقية للحفاظ على مستقبله السياسي وربما حياته
"
فهل بقي أمام الولايات المتحدة غير الرضوخ لمطالب طالبان بعد تخلي دول جوار أفغانستان عن دعم القوات الدولية، وهل ستقر بوجودها وتنسق على عودتها؟

خصوصاً أن كرازي حين أدرك أنه لا يمكن القضاء على طالبان قام بدعوتها إلى الحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات وذلك في خطوة استباقية للحفاظ على وجوده لأنه يعلم إذا عادت طالبان إلى الحكم أو أن اتفاقا أبرم أو تسوية حلّت بين الإدارة الأميركية وطالبان سيكون ثمن ذلك مستقبله السياسي وربما حياته.

والسؤال الأشد صعوبة هو هل سيرضخ بوش لما طلبه أحد مسؤولي طالبان في أبريل/نيسان 2006 من الولايات المتحدة بدعوتها إلى الحوار مع مقاتليها وباقي الحركات المسلحة لوقف إراقة الدماء.

أم أنه سيمعن في رفضها كما رفضها بالأمس ويكون رده مزيداً من العمل العسكري الفاشل الذي زاد من شوكة طالبان وأكسبها تعاطفاً شعبياً؟
ــــــــــــ
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة