ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن عملية كربلاء التي وقعت نهاية يناير/كانون الثاني الماضي وقتل فيها عدد من الجنود الأميركيين كانت رسالة إيرانية بليغة إلى واشنطن توضح ما يمكن أن يكون عليه حال قواتها في العراق إذا جرى الاعتداء على إيران بأي شكل من الأشكال.

"
جزء كبير مما يجري في العراق اليوم مرتبط على نحو حاسم بإيران والنوايا الأميركية حيالها، وقبل ذلك بوجودها ونفوذها هناك
"
فالعملية كانت استعراضية على نحو لافت، إذ دخل المهاجمون المبنى المستهدف من خلال سيارات رباعية الدفع كالتي يستخدمها الأميركيون، كما لبسوا الزي ذاته وتحدثوا الإنجليزية، ثم بدؤوا معركتهم فقتلوا وجرحوا ثم انسحبوا وبحوزتهم أربعة جنود أحياء قبل أن يقتلوهم ويتركوا جثثهم في منطقة أخرى ومعهم السيارات.

الأكيد أن الرسالة الإيرانية قد وصلت، وما تصريحات الرئيس الأميركي التالية للعملية التي حذر خلالها إيران من مغبة استهداف جنوده في العراق سوى تأكيد على ذلك، مع العلم أن أحداً لم يعلن مسؤوليته عن العملية.

على أن هذه الرسالة أو أية رسائل أخرى لا تبدو في وارد منع بوش وعصابة المحافظين الجدد من مواصلة العمل على استهداف إيران إذا أصرت على المضي في برنامج التخصيب، بصرف النظر عن التوقيت، والسبب هو خضوع هؤلاء للأجندة الإسرائيلية التي يتصدرها التهديد النووي الإيراني.

وعموماً فإن ما يجري على الأرض يؤكد نية واشنطن في معالجة الموقف بالطرق الجراحية في حال استمرار التعنت الإيراني، وإلا فما هي أهداف نصب صواريخ باتريوت في الخليج وجلب حاملة طائرات جديدة، فضلاً عن مجمل الخطوات السياسية والأمنية التي تستهدف الوجود الإيراني في العراق، بما فيه السياسي الرسمي، كما وقع في أربيل وبغداد.

ولكن ما صلة ذلك كله بتفاصيل المشهد العراقي وتحولاته خلال المرحلة المقبلة؟

من المؤكد أن جزءا كبيراً مما يجري في العراق اليوم مرتبط على نحو حاسم بإيران والنوايا الأميركية حيالها، وقبل ذلك بوجودها ونفوذها هناك، الأمر الذي بدأ عملياً منذ نهاية العام 2005، أي إبان التحضيرات التي سبقت الانتخابات النيابية، حين أراد الأميركان تحجيم النفوذ الإيراني ومنح العرب السنة حصة أكبر من العملية السياسية تبعدهم عن المقاومة، مما له صلة أيضاً بالترتيبات المتعلقة بالهجوم المتوقع على إيران.

في نفس السياق يبدو أن الأميركيين قد اقتنعوا بأن القوى الشيعية ليست لوناً واحداً، فمن خلال حواراتهم معها تبدى لهم أن هناك مجموعات لن تبيع فرصتها في العراق من أجل التحالف المزمن مع إيران، ما دامت هذه الأخيرة مصرة على استخدام العراق ساحة لصراعها مع الولايات المتحدة، ولا تجد أدنى مانع في استمرار النزيف العراقي لزمن طويل، ربما يكون هو عمر الوجود الأميركي فيه، تبعاً لتأثير الانسحاب على نفوذ وهيبة الولايات المتحدة.

وقد ثبت الآن ما ذهبنا إليه مراراً حول عبثية التقديرات القائلة إن واشنطن في طور الانسحاب، والأمر لن يختلف كثيراً في ظل الديمقراطيين، ليس فقط لاشتراكهم مع الجمهوريين في التبعية للخيارات الإسرائيلية، بل أيضاً بسبب قناعتهم بالتقدير ذاته حول تأثير الانسحاب المشفوع بالفشل على هيبة بلادهم ونفوذها الدولي، من دون أن يعني ذلك بقاء التكتيكات على الأرض على حالها.

بحسب تقدير العديد من الدوائر الأميركية فإن التيار الصدري هو الذراع الإيرانية في العراق نظراً لمراهقته السياسية من جهة، وتبعاً لتأثير حزب الله اللبناني عليه من جهة أخرى.

"
أية إستراتيجية أميركية جديدة في العراق لن يكتب لها النجاح لحسن الحظ، وربما لسوئه، والسبب هو إحساس القوى الشيعية بأن كنزاً قد وقع في أيديهم ولن يفرطوا فيه بحال من الأحوال
"
وفي العموم فإن تجربته المحدودة تجعل فرصة توجيهه أيسر بكثير من القوى الأخرى، لاسيما المجلس الأعلى، وبدرجة أقل حزب الدعوة الذي يراوح بين المعسكرين، وإن بدا رمزه (المالكي) محكوماً بتحالفه مع الصدريين، تبعاً لوحدة التراث المرجعي، وبسبب ضعفه الميداني من جهة أخرى.

في هذا الإطار بدأت الضغوط على حكومة المالكي -وهي ضغوط ستتوالى على ما يبدو- لكن رغبة الأميركيين في إقصائه لم تتحول واقعاً على الأرض، ليس فقط بسبب تراجعه الأمني ومحاولته إثبات قدرته على لجم المليشيات، وإنما أيضاً بسبب الخوف من تداعيات الإقصاء على خيارات التيار الصدري.

أياً كانت نتائج اللعبة بين الحكومة والأميركيين، فإن مطاردة الصدريين قد بدأت على الأرض، وهي مطاردة قد تنتج مقاومة شيعية، كما بشّر بذلك زعيم حزب الله حسن نصر الله بشكل واضح قبل أسابيع في الخطاب الذي عالج فيه الشأن العراقي في مقابلة مع المنار.

وكان لافتاً أن تأتي عملية كربلاء مباشرة بعد الخطاب، لكن ذلك لن يكون السبب الوحيد، إذ إن السبب الأهم هو رغبة الإيرانيين في إجراء "بروفات" مقاومة تدفع الأميركان إلى إعادة النظر في سياسة تحجيم القوى الشيعية من جهة، إلى جانب تحذيرهم من عواقب استهداف بلادهم من جهة أخرى.

لا شك أن المعلومات الجديدة حول رحيل الصدر إلى إيران بعد الشروع في خطة بغداد الأمنية هي جزء من لعبة القط والفأر بين الأميركيين والإيرانيين، مع العلم أن تطبيق الخطة من قبل حكومة المالكي الطائفية لن يجعلها كما يروج بعض سياسيي العرب السنة ذات فائدة لهذه الفئة الأخيرة، وبالطبع لأن المليشيات المتهمة بالقتل الطائفي هي ذاتها العاملة في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية.

يحدث ذلك في ظل حشد طائفي واسع النطاق يجتاح المنطقة بعد إعدام صدام، يبرز على نحو أعنف في صفوف السنّة، لاسيما حيال الموقف من إيران، وهو ما انسحب على لبنان وحزب الله.

وفي هذا السياق بدا أن العرب السنة في العراق قد قدموا، ولو بدرجات متفاوتة، تناقضهم مع إيران والشيعة على تناقضهم مع الأميركان، وبات بعضهم لا يتردد في القول إنه ساهم في دفع واشنطن نحو زيادة قواتها، في حين يذهب بعض المحسوبين على المقاومة إلى إعلان التركيز على التصدي للمليشيات وفرق الموت.

تتورط في هذه اللعبة -التي يريدها بل يحرض عليها الأميركان- عدد من الدول العربية المحسوبة على معسكر الاعتدال العربي، بينما لا تفعل إيران ما يكفي من أجل محاصرة الموقف، رغم علمها بأن العراق هو سبب الموقف منها، (مناظرة رفسنجاني مع القرضاوي كانت جزءا من تنفيس الموقف من قبل الإيرانيين).

أما الحركات الإسلامية فتقف عاجزة أمام الطوفان بينما يستعيد بعض رموزها منفردين مرحلة البوابة الشرقية في مواجهة المد الفارسي مطلع الثمانينيات.

لحسن الحظ -وربما لسوئه حسب البعض- فإن أية إستراتيجية أميركية جديدة في العراق لن يكتب لها النجاح، والسبب هو إحساس القوى الشيعية بأن كنزاً قد وقع في أيديهم ولن يفرطوا فيه بحال من الأحوال.

وفي نفس الوقت تسعى إيران بكل ما أوتيت من قوة إلى الحيلولة دون ذلك خشية أن يفضي إلى جرأة أميركية عليها، مع العلم أن نظرية الكنز بالنسبة للقوى الشيعية هي ذاتها بالنسبة لإيران التي تحس أن مشروعها الإقليمي الواسع قد بدأ، وسيلغيه نجاح الأميركيين في العراق، أو عودة العرب السنة بشكل قوي إلى الميدان، سواءً بوجود الاحتلال أم بغيابه.

"
المسار الأفضل بالنسبة للعرب السنة وللجميع بالطبع هو تركيز المقاومة ضد الأميركان، واستعادة أساليب الدعاية الإعلامية للعمليات، مع التأكيد على رفض استهداف المدنيين، إلى جانب الحذر من الخطاب الطائفي
"

في ظل هذه المعمعة يبدو أن مسلسل القتل الطائفي سيتواصل، كما لا يبدو أن الترتيب الأميركي القائم على تحجيم القوى الشيعية سينجح، فضلاً عن إقناع بعضها بالبعد عن إيران تمهيداً لضربها.

وبسبب مطالبها الكبيرة التي ينبغي أن تقدمها لجماهيرها من أجل إقناعها بجدوى ما تفعل، وسواءً بقيت حكومة المالكي أم جرى إقصاؤها لحساب تحالف جديد عماده المجلس الأعلى والأكراد والحزب الإسلامي، فإن الموقف لن يتغير لصالح الأميركان، بل ربما انقلب على نحو أسوأ، لاسيما إذا رد الصدريون ومعهم آخرون ومن ورائهم إيران بالانخراط في المقاومة -كما بدأ عملياً- ولكن عبر بروفات أو رسائل كما هو حال عملية كربلاء.

في هذا السياق يجدر القول إن استمرار التفجيرات في الأسواق الشيعية، فضلاً عن حرمته الشرعية، لا يبدو مجدياً من زاوية المصلحة العربية السنية، لاسيما في بغداد التي تعاني من تطهير عرقي، مع العلم أن قتل الآلاف من الشيعة لن يكون ذا قيمة في منظومة الصراع.

ومن المعلوم أن ذلك يستفز أعمال انتقام تساهم في تهجير العرب السنة، أما القول بأن تلك العمليات ماضية بذات الزخم حتى لو توقفت العمليات الأخرى فليس صحيحا بحال.

ثمة صراع بين العرب السنة من جهة والنفوذ الإيراني في العراق، ومعه بعض القوى الشيعية المصرة على منطق الطائفية والإقصاء من جهة أخرى، لا خلاف على ذلك، لكن الرد من خلال سياسة القتل المجاني يشكل خطأ شرعياً وسياسياً في آن.

أما التحالف السياسي مع واشنطن كما تفعل بعض القوى العربية السنية، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد النزيف، مع احتمال حسم معركة بغداد لصالح الشيعة.

ونعلم أن كثيرا من النازحين، وغالبيتهم من العرب السنة، لن يعودوا في المدى القريب، وربما لن يعودوا أبداً، خاصة الفئة الميسورة منهم.

يشار هنا إلى حوارات بعض البعثيين مع الأميركان التي تتم هنا وهناك باسم المقاومة، وهذه ينبغي فضحها من جهة، مع الحذر من استدراج بعض قوى المقاومة الإسلامية إلى تلك الحوارات من دون أرضية معقولة.

وتلك الأرضية لا يمكن أن تتوفر من دون تحقيق شرطين اثنين مقابل توفير انسحاب مشرف لقوات الاحتلال: يتمثل الأول في جدولة انسحابها من دون الحديث عن قواعد عسكرية، أما الثاني فيتمثل في إعادة الجيش السابق.

في نفس السياق المتعلق بالحراك السياسي لقوى المقاومة، يبدو من الضروري أن تبادر تلك القوى إلى فتح خطوط اتصال مع بعض الدول العربية حتى لا يدخل على الخط آخرون باسم السياسة أو المقاومة، وبالطبع من أجل الحصول على الدعم المالي الذي يمكن استثماره في المقاومة، وفي سد احتياجات من يضحون من رجالها.

هناك قضية المعتقلين، وهي قضية لا بد من طرحها بكل قوة بشتى الوسائل والفعاليات، سواء كانوا عند الأميركان أو عند الداخلية، ويجب ترتيب فعاليات شعبية لصالحهم، حتى يدرك العالم هوية من يقاوم ومن يدفع الثمن، لأن هذه القضية غائبة منذ مجيء الاحتلال رغم العدد الهائل من المعتقلين.

وأهم من ذلك أن المسار الأفضل بالنسبة للعرب السنة وللجميع بالطبع، هو تركيز المقاومة ضد الأميركان، واستعادة أساليب الدعاية الإعلامية للعمليات، مع التأكيد على رفض استهداف المدنيين، إلى جانب الحذر من الخطاب الطائفي في وسائل الإعلام.

هذا البعد وسواه مما سلف ذكره هو الذي يعيد للعرب السنة احترامهم، خلافاً للقتل العبثي الذي لا يعود بفائدة في أي حال، حتى لو فجرت عشر مفخخات في اليوم الواحد، مع العلم أن جرائم المليشيات وفرق الموت تبدو أكثر دقة، أولا لاستهدافها النخبة السياسية العربية السنية، وثانياً بسبب تركيزها على التهجير الطائفي عبر سياسة الرعب.

في هذه المرحلة وتبعاً لمخاوف الإيرانيين من الضربة الأميركية، لا ينبغي استبعاد حوار معهم حول وقف سياسة القتل والتهجير الطائفي، إلى جانب التفاهم على مسار سياسي، خاصة إذا كان هناك توجه بإطلاق مقاومة شيعية.

"
جعل المعركة في العراق معركة بين العرب السنة والإيرانيين والشيعة، ولو في الخطاب السياسي وبعض العمليات العبثية، لن يؤدي إلى خير للعرب السنة ولا للعراق وسائر أبنائه، بقدر ما سيطيل أمد المعركة
"
وفي هذا السياق يمكن أن يكون لحزب الله دوره الإيجابي أيضاً، وإذا قيل إن ذلك سيحسن وضع الشيعة بوصفهم يقاومون، فلا ضرر في ذلك، لاسيما أن أحداً لن ينسى أصل المقاومة.

ومع ذلك لا يستبعد أن تبقى القوى الشيعية الأساسية، أو كثير منها، في حضن الأميركان، الأمر الذي يحدث أيضاً بدرجة أقل في الحالة السنية.

وفي العموم فإن الهدف الأساسي الذي ينبغي أن يتوحد عليه الجميع هو إخراج الاحتلال، والأمة ترحب بمن يقاوم أياً كانت هويته.

الأرجح أن الصراع سيطول، لكن صورة العرب السنة ينبغي أن تبقى نظيفة لا يمسها السوء، الأمر الذي تتسبب فيه سياسات بعض القوى المرتمية في حضن الأميركان، فضلاً عن المفخخات العبثية وضعف الحضور الإعلامي للمقاومة الحقيقية، مقابل المواقف الأميركية الضاغطة على الشيعة، التي تظهرهم، أو بعضهم في أقل تقدير، بمظهر التناقض مع الاحتلال، وليس التعاون معه.

ينبغي على القوى السنية أن تتوخى الحذر في موضوع إيران، وتجاهل الخطاب الطائفي في حال وقوع العدوان، مع الترحيب بأية مقاومة شيعية، وعدم التركيز على كونها تتم بدفع إيراني أو لحساب أجندة إيرانية، لأن الأصل كما قلنا هو المقاومة بهدف إخراج الاحتلال.

خلاصة القول هي أن حرف البوصلة، وجعل المعركة في العراق معركة بين العرب السنة والإيرانيين والشيعة، ولو في الخطاب السياسي وبعض العمليات العبثية، لن يؤدي إلى خير للعرب السنة ولا للعراق وسائر أبنائه، بقدر ما سيطيل أمد المعركة، من دون أن يعني ذلك السكوت على الممارسات المرفوضة لأي أحد.

وقد عبّر الشيخ القرضاوي في مناظرته مع رفسنجاني عن هواجس السنّة على نحو رائع.

وفي العموم فإن جبهة جديدة يفتحها الأميركان مع الإيرانيين ستؤدي إلى مزيد من خلط الأوراق، وغالباً إلى إضعاف الموقف الأميركي، بينما ستدرك إيران خطيئة التناقض مع مجموع الأمة.

كما سيتأكد بعض الشيعة ممن بالغوا في إظهار القوة أنهم لن يربحوا معركة مع غالبية الأمة التي يسهل استنفارها دينياً ومذهبياً على نحو يجعلها قادرة على التصدي لأية قوة مهما بلغ جبروتها.

بمرور الوقت سيقتنع الجميع بأن المسار الأفضل هو التوافق على إخراج الاحتلال ووحدة العراق والتأكيد على هويته العربية الإسلامية ورفض منطق المحاصة الطائفية، وإن كان من المؤسف بالطبع أن يطول الوقت المذكور، وتطول معه معاناة العراقيين، موتاً وهجرة وسجنا وتعذيبا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات