الطيب بوعزة

كاتب مغربي

- لحظة اكتشاف الليبرالية
- رواد الليبرالية العربية
- نقائص المتن الليبرالي العربي

متى بدأ اتصال الوعي العربي بالفكرة الليبرالية؟ وكيف استقبلها عند أول التقائه بالثقافة الأوروبية؟ وما هي المفاهيم التي انشغل بها؟ وكيف حلل مدلولاتها وأدخلها في رؤيته المعرفية والسياسية؟

وهل ثمة فارق يميز شكل تلقي الليبرالية عند الرواد الأوائل عن صيغة تلقيها عند الليبراليين العرب الجدد؟

"
الليبرالية لا تزال تحضر في الفكر العربي كحزمة من المفاهيم التي يتم تسويقها بالأسلوب الشعاراتي الذي يشتغل بمنطق الدعاية والتسويق لا بمنطق التفكير والاستدلال
"
لحظة اكتشاف الليبرالية
من حيث التوقيت التاريخي تعد لحظة اتصال الفكر العربي بالخطاب الليبرالي مبكرة جدا؛ ذلك لأن الليبرالية كانت أول مذهب فلسفي وسياسي غربي تعرف عليه "المثقف" العربي في اللحظة المعاصرة؛ لأنه مع أولى لحظات الصدام العسكري الذي حدث بين العالم العربي وأوروبا في القرن التاسع عشر مع غزو نابليون لمصر 1798 وهزيمة إيسلي في المغرب 1844، انطلق الوعي العربي نحو مساءلة أناه الحضاري بالتفكير في أسباب ضعفه ومكمن قوة الآخر. وعند اطلاعه على الواقع الأوروبي ومعاينته لشرطه الثقافي والاجتماعي وجد الليبرالية هي الأيديولوجية الفلسفية المهيمنة.

في هذا السياق يقول عبد الله العروي متحدثا عن المناخ الثقافي الذي ساد أوروبا في القرن التاسع عشر "يجب ألا ننسى أن الليبرالية كانت في القرن الماضي الهواء الذي يستنشقه كل من كان واعيا بشخصيته وبحقوقه في أوروبا الغربية. إنها كانت العقيدة العامة بالنسبة للأوروبيين المثقفين بحيث كانت تكاد أن ترادف الفكر الأوروبي".

لكن قد يُعترض على كلام العروي باستحضار فلسفات ورؤى سياسية عديدة كانت متداولة في القرن التاسع عشر بأوروبا، مثل الفلسفة الماركسية، والفلسفات الفوضوية الناقدة للتوجه الليبرالي الرأسمالي.

لكن رغم مسوغ هذا الاعتراض فإنه لا يمنع من القول إن الناظم الأيديولوجي للمناخ الفكري الذي هيمن على أوروبا في تلك اللحظة التاريخية كان هو الفكر الليبرالي، أما غيره من الرؤى والأيديولوجيات فقد كانت قابعة في الهامش كحاشية نقدية على المتن الليبرالي.

وحتى إذا استطاع بعضها أن يبلور ذاته كنسق بديل، كما هو الحال مع الفلسفة الاشتراكية، فإنه لم يكن قد أسس بعد لنفسه مشروعا مجتمعيا مجسدا في الواقع.

لكن تبكير الاتصال وقدم الاهتمام بالأيديولوجية الليبرالية، من قِبَلِ الفكر النهضوي العربي، لا يعني بالضرورة تأسيسا للقدرة على فهم هذه الأيديولوجية، وإنجاز بحوث معمقة تسهم في إعادة بناء مفاهيمها بما يتناسب مع الشرط الثقافي والمجتمعي العربي، والاقتدار على إنجاز رؤى نقدية تبصر نقائص هذه الأيديولوجية ومكامن نقصها.

بل إن أطروحتنا هي أن الليبرالية لا تزال تحضر في الفكر العربي كحزمة من المفاهيم التي يتم تسويقها بالأسلوب الشعاراتي الذي يشتغل بمنطق الدعاية والتسويق لا بمنطق التفكير والاستدلال.

فمنذ ما يزيد على مائة عام من الاتصال بالفكر الليبرالي الأوروبي، لا نجد بحوثا نقدية مستوعبة له. وحتى في لحظتنا هذه التي تَشَكَّلَ فيها ما يسمى بتيار "الليبراليين العرب الجدد" لا نجد في خطابهم أي ارتكاز على تحليل معرفي وبحث علمي للنظريات والتطبيقات المجتمعية الليبرالية.

بل نزعم أن حالة الوعي التي تمظهر بها المفكر الليبرالي العربي، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت أفضل من الحالة التي يتمظهر بها الليبراليون الجدد اليوم!

وعودا إلى اللحظة الأولى لتكون الوعي الليبرالي العربي، لنتساءل: من هم هؤلاء الرواد الأوائل الذين ينعتون بالليبراليين؟

"
كثير من المفاهيم الليبرالية تم استحضارها من قِبَلِ الرواد، ودخلت من خلالهم كمفاهيم وأفكار لا كمذهب أو نسق جاهز
"
رواد الليبرالية العربية
غالبا ما يتم إرجاع الليبرالية العربية إلى رواد الفكر النهضوي العربي مثل الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وفرنسيس المراش وأديب إسحق..

والحقيقة أن هذا التوليف لا يستقيم عند البحث والتحقيق، إذ ليس كل من نادى بالحرية ليبراليا، ولا كل من دعا إلى قيم الشورى ونقد الاستبداد هو متمذهب بمذهب الليبرالية.

لكن الصحيح هو أن كثيرا من المفاهيم الليبرالية تم استحضارها من قِبَلِ هؤلاء الرواد، ودخلت من خلالهم كمفاهيم وأفكار لا كمذهب أو نسق جاهز.

وبناء على ذلك فإنني لا أنظر إلى هؤلاء الرواد على أنهم كانوا متمذهبين بالليبرالية، بل أرى أنهم استمدوا بعض مفاهيمها وأفكارها، ومن ثم يجوز لنا أن نقول إنهم شكلوا بداية دخول الفكرة الليبرالية إلى الواقع العربي.

غير أن ثمة استثناء فيما يخص فرنسيس المراش 1835- 1874 وأديب إسحق 1856-1885 اللذين يمكن عدهما ليبراليين خالصين، حيث لم يتمظهرا في نصوصهما بحس ومنهج التأصيل.

أما غيرهما من مفكري القرن التاسع عشر فقد كانت المفاهيم الليبرالية التي استعملوها مصحوبة دائما بإحالات مرجعية إلى الميراث الثقافي العربي الإسلامي، الأمر الذي جعلها تتبدى في نتاجهم كمفاهيم مؤصلة. وكتاب رفاعة الطهطاوي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" 1834 هو أوضح تأكيد على ذلك، أي أن الليبرالية عند دخولها الأول لم تنفذ كنسق، بل كمجموعة أفكار ومفاهيم مع الحرص على إلباسها مدلولا واصطلاحا أصيلا.

وآية ذلك أن الطهطاوي في نصه هذا يستحضر الكثير من المفاهيم الليبرالية، سواء في الفكر أو السياسة أو السلوك الاجتماعي؛ لكن استحضاره لا يعني الانبهار بها والدعوة إلى تقليدها، بل لا يخلو كتابه من نقد، وخاصة عندما يأتي إلى ذكر القيم الاجتماعية الليبرالية المتعلقة بأخلاقيات السلوك.

كما أن ترجمته للدستور الفرنسي يعد في لحظته تبكيرا في استقدام المفاهيم السياسية الليبرالية.

ومثل هذا النهج نلقاه أيضا عند خير الدين التونسي في كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" 1867، لذا من الخطأ عَدُّ هؤلاء الرواد الأوائل متمذهبين بالليبرالية، وخطأ أفدح جعل الأفغاني ومحمد عبده ليبراليين لمجرد أنهما دعوا إلى الحرية ومجداها.

فهما يشكلان مرجعية عامة لتيار اليقظة الإسلامية الحديثة، وما نجده عندهما من تصورات تقترب أحيانا من الأطروحة الفلسفية الليبرالية هو من باب استثمار مزدوج للفكر الأوروبي والتراث الكلامي والفقهي الإسلامي.

وباستثناء المراش وأديب إسحق، لا يجوز في تقديري الحديث عن لحظة التمذهب المفصول عن التأصيل إلا بداية القرن العشرين مع لطفي السيد وطه حسين.

أما لحظة رواد النهضة العربية فهي لحظة اكتشاف واستثمار وتأصيل لبعض المفاهيم والأفكار الليبرالية، وليس استنساخا لبنيتها النسقية والمذهبية في كليتها.

ومن ثم فالمائز الرئيس لصيغة تلقي الفكر النهضوي المبكر لليبرالية، هو أخذها كرؤى وأفكار ومفاهيم لا كنسق جاهز ومتكامل.

أما عن خاصية التأصيل فإن نصوص رواد النهضة العربية الطهطاوي وخير الدين التونسي والكواكبي... دالة في أكثر من سياق على أن الوعي العربي كان عند تلقيه الرؤى الليبرالية حريصا على إدخالها ضمن منظومته الثقافية، بتأصيل مفاهيمها وإلباسها لبوس تراثه الفكري.

"
الليبرالية العربية الأولى وعت أن استنبات أي معنى ثقافي لابد له من تبيئة تربته ابتداء وتهيئتها لغرسه
"
وهذا الحرص على وصل المنقول بالميراث الثقافي، بَيِّنٌ في النصوص التي أنتجها الفكر النهضوي المبكر.

ففي الفصل الذي خصصه للحرية من كتابه "المرشد الأمين" يقول الطهطاوي "الحرية منطبعة في قلب الإنسان من أصل الفطرة" مضيفا "الحرية من حيث هي رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارض محظور, فحقوق جميع أهالي المملكة المتمدنة ترجع إلى الحرية. فتتصف المملكة بالنسبة للهيئة الاجتماعية بأنها مملكة متحصلة على حريتها، ويتصف كل فرد من أفراد هذه الهيئة بأنه حر يباح له أن ينتقل من دار إلى دار... وأن يتصرف في نفسه ووقته وشغله، فلا يمنعه من ذلك إلا المانع المحدود بالشرع أو السياسة... ومن حقوق الحرية الأهلية أن لا يجبر إنسان على أن ينفى من بلده أو يعاقب فيها إلا بحكم شرعي أو سياسي مطابق لأصول ممكنة، وأن لا يضيق عليه في التصرف في ماله... ولا يحجر عليه إلا بأحكام بلده، وأن لا يكتم رأيه في شيء بشرط أن لا يخل ما يقوله أو يكتبه بقوانين بلده".

وفي تصنيفه لأنواع الحريات يقول "وتنقسم إلى خمسة: حرية طبيعية وحرية سلوكية وحرية دينية وحرية سياسية...إلخ".

لا يخفى على الملاحظ أن اللغة الاصطلاحية التي يتحدث بها الطهطاوي هنا هي لغة فقهية "رخصة العمل"، "المباح"، "المحظور"، "المانع"، "الحكم الشرعي"، "الجبر"، "لا يحجر عليه"، وهو بذلك لم يكن فقط يلبس المفاهيم الليبرالية لباسا فقهيا، وإنما كان يؤكد بأن حرية الإنسان أمر غير مخصوص بالمذهب الليبرالي تحديدا، إنما هو أمر أكده الشرع الإسلامي وأوجبه.

وهذا ما يتجلى أيضا في كتابه "مناهج الألباب" عند تحليله للمفاهيم السياسية كالمواطنة، والمساواة، والعدالة، والدستور...

وهذا ما نلاحظه كذلك عند خير الدين التونسي في كتابه "أقوم المسالك" عندما يقول "إن لفظ الحرية يطلق في عرفهم بإزاء معنيين أحدهما يسمى الحرية الشخصية، وهو إطلاق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه، مع أمنه على نفسه وماله ومساواته لأبناء جنسه".

ثم يؤكد في سياق تأصيل هذا المعنى "إن الحرية والهمة الإنسانية اللتين هما منشأ كل صنع غريب غريزتان في أهل الإسلام مستمدتان مما تكسبه شريعتهم من فنون التهذيب".

وبنفس النهج الذي يستحضر المبادئ الليبرالية مع تأصيلها، نجد الكواكبي في متنه السردي المتخيل "أم القرى" يقول على لسان أحد شخوصه المسمى بالمولى الرومي -وهي تسمية نراها ذات دلالة، إذ ليس اعتباطا أن يجعل الكواكبي التشخيص الليبرالي لأزمة العالم الإسلامي بإرجاعها إلى غياب الحرية، تشخيصا ينطق به مولى رومي من القسطنطينية-"وعندي أن البلية فَقْدُنَا الحرية... ومن فروع الحرية تساوي الحقوق، ومحاسبة الحكام... ومنها حرية الخطابة والمطبوعات وحرية المباحثات العلمية، ومنها العدالة... والأمن على الدين والأرواح، والأمن على الشرف والأعراض، والأمن على العلم واستثماره".

لكن الكواكبي لا ينسى أن يختم -تأصيلا لهذا المفهوم- قائلا "إنّ الحرية هي روح الدين".

إنه نزوع نحو تأصيل القيم السياسية التي لاحظها مفكر النهضة العربية في المتن والواقع الليبرالي الأوروبي، تأصيلا إسلاميا. وبذلك يصح القول إن الليبرالية العربية الأولى وعت أن استنبات أي معنى ثقافي لابد له من تبيئة تربته ابتداء وتهيئتها لغرسه.

"
الخطاب الليبرالي النهضوي كان أفضل من خطاب الليبراليين الجدد، لأن الليبرالية على الأقل كانت تقدم في الخطاب النهضوي كفكرة مسنودة بعرض معرفي، أما الليبرالية اليوم فهي فكرة راكبة دبابة ومسنودة بلغة الإملاء والتهديد والاستقواء بالغرب
"
نقائص المتن الليبرالي العربي
صحيح أن ثمة نقائص عديدة في المتن الليبرالي العربي النهضوي، تتجلى خاصة في ضعف تحليله النقدي للأطروحة الفلسفية الليبرالية الأوروبية، وضعف فهم شروط إنتاجها، وصيرورة ذلك النتاج.

كما أن ثمة نقصا في عدم إدراكه للنسق النظري الليبرالي، حيث ساواه بقيم التحرر فاختزل مفهوم الحرية فيه، لكن كل هذا لا يمنع من وعي مبررات محدودية القراءة العربية المبكرة للنسق الفلسفي والسياسي الليبرالي.

وذلك لأن الوعي العربي النهضوي اتصل بالفكر الأوروبي، وعاين واقع الليبرالية في لحظة ممزوجة بالاندهاش والاكتشاف الأول لواقع حضاري رآه مثقلا ببهرج التقنية، ومغايرا لمألوفه في العيش.

ولم تكن لحظة الاندهاش هذه التي سماها العديد من الباحثين بـ "صدمة الحداثة" تُمَكِّنُ من تحريك الوعي النقدي، بل كل ما كان بإمكانها أن تحركه فيه هو النزوع نحو تأصيل ما يراه من قيم إيجابية.

وهذا نزوع محمود، وإن كانت الرغبة في التأصيل ليست كافية بحد ذاتها، ما لم ترافق بوعي الحضارات كأنساق، وإدراك أن تجديد أي حضارة لابد أن ينبع من تجديد نسقها الذاتي، لا استمداد مذاهب وأنساق جاهزة وتغليفها باصطلاحات أصيلة لإخفاء عجمتها، أوعجمة المستورد منها.

لكن رغم كل ما سبق ذكره نزعم أن الخطاب الليبرالي النهضوي كان أفضل من خطاب الليبراليين الجدد، الذي يتصاعد اليوم؛ لأن الليبرالية على الأقل كانت تقدم في الخطاب النهضوي كفكرة مسنودة بعرض معرفي يحرص على التأصيل؛ أما في الخطاب النيو ليبرالي الماثل أمامنا اليوم، فهي تقدم كفكرة راكبة دبابة، ومسنودة بلغة الإملاء والتهديد والاستقواء بالغرب لتجسيدها في واقعنا!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك