محمد بن الحبيب الدكالي

لم يخرج كثير من المشاهدين الذين تابعوا "الحوار" الذي بثته قناة الجزيرة بين القطبين، الشيخ يوسف القرضاوي وهاشمي رفسنجاني، إلا بنوع من الحسرة وخيبة الأمل في الحصول على نتيجة، أو على الأقل، على مؤشرات تبعث على الاعتقاد بإمكانية حصول تفاهم يفضي إلى وضع حد للفتنة الطائفية السياسية المروّعة التي تسود العراق.

"
قول رفسنجاني إن إيران لا تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق في منتهى الغرابة، وليس سوى تهرب من المسؤولية من أعلى مستويات المرجعية الدينية والسياسية في إيران. كما أنه استخفاف بالرأي العام العربي والإسلامي
"
ورغم حرص الصحفي المخضرم المتمرس أحمد الشيخ على إدارة "الحوار" (وهو في الحقيقة لم يكن سوى مناقشات غير مباشرة ولم يكن حوارا بالمعنى الحقيقي) بقدر عال من الكياسة والفطنة لكي لا يعطي أي انطباع لأي من الشيخين على وجود أي قدر من التحيز أو اللاموضوعية، وحرصه على تسليط الضوء على منطق ووجهات نظر الطرفين، ومآخذ واتهامات كل طرف تجاه الطرف الآخر، بقدر عال من الإنصاف وبصياغات مهذبة لكنها صريحة. رغم كل هذا الحرص، فإن منطق الشيخين بقي متناقضا طوال مدة "الحوار" الذي لم يصل، في تقديري، إلا إلى نتيجة هزيلة جدا لا تسمن ولا تغني من الخوف على مستقبل العلاقات الإستراتيجية بين الطائفتين المسلمتين في العراق وخارجه.

وبقدر ما كان القرضاوي واضحا وصريحا إلى حد ما، في طرح المشكلات الرئيسية، بقدر ما كان رفسنجاني مراوغا ومستعملا للغة دبلوماسية لا أحسب أنها تفيد في شيء أمام خطورة الملفات المطروحة للنقاش والحوار.

لقد استخدم رفسنجاني كل المصطلحات والتعبيرات الدبلوماسية حول "وحدة المسلمين" و"الأخوة التي تجمع بين الشيعة والسنة" و"ضرورة مواجهة سياسات الهيمنة الأميركية".. إلخ. لكنه تهرب بشكل واضح من تحديد مواقف صريحة ومسؤولة من القضايا الحساسة التي طرحها أحمد الشيخ.

لكن ثالثة الأثافي هو موقف الشيخ رفسنجاني، الذي يلخص وجهة نظره فيما يجري في العراق من فتنة طائفية سياسية مرعبة عندما قال إن "إيران لا تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق".

هذا الموقف الذي هو في منتهى الغرابة، ليس سوى تهرب من المسؤولية لدى أعلى مستويات المرجعية الدينية والسياسية في إيران. كما أن هذا الموقف في حقيقة الأمر استخفاف بالرأي العام العربي والإسلامي.

وقد كان المتوقع من رفسنجاني التعاطي المسؤول والصريح مع مخاوف وانشغالات هذا الرأي العام.

ولوضع النقاط على الحروف، يتعين التذكير ببعض المحطات والحقائق الأبرز ذات العلاقة بدور إيران في ما يجري على الساحة العراقية، وهذا يتطلب العودة إلى الوراء قليلا.

- الجميع يعرف أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي كانت قيادته ومراكزه وذراعه العسكري "فيلق بدر" توجد في إيران، وكان المجلس الأعلى يعتمد علي هذه الأخيرة بشكل كامل في التوجيه السياسي والتمويل والتدريب والتسليح والاستخبارات، شكّل -مع تنظيمات شيعية معارضة أخرى مثل حزب الدعوة- أهم أطراف "المعارضة العراقية" التي شاركت في سلسلة طويلة من اللقاءات منذ سنة 1992 (أي بعد حرب الخليج مباشرة) مع الإدارة الأميركية (الشيطان الأكبر حسب التعبيرات الإيرانية) بما فيها أجهزة الاستخبارات الأميركية.

"
مشاركة التنظيمات السياسية العراقية الموالية لإيران في العملية السياسية في ظل الاحتلال قد تمت من خلال المرجعيات والأهداف والأطر التي حددتها إدارة الاحتلال الأميركية
"
هذه اللقاءات التي جرت في نيويورك ولندن وغيرهما، استمرت إلى تاريخ الاحتلال الأميركي للعراق في مارس 2003. فما الذي جرى من تفاهم بين المجلس الأعلى، المعروف بولائه الكامل لإيران، والإدارة الأميركية وأجهزتها الاستخبارية خلال أكثر من عشر سنوات؟

من المستحيل أن تحصل هذه التفاهمات دون علم وموافقة القيادات السياسية والأمنية الإيرانية.

- من المعروف كذلك، أن تحديد دور المعارضة العراقية وأهمها المجلس الأعلى (فضلا عن التنظيمات العراقية الموالية مباشرة لأميركا) في احتلال العراق وسقوط بغداد، تمّ بتنسيق مباشر ووثيق بين المجلس الأعلى والأجهزة الأمنية الأميركية التي سنرى نتائجها منذ بداية الاحتلال الأميركي للعراق.

ومن المستحيل كذلك أن يحصل هذا التنسيق دون علم وموافقة القيادة الإيرانية.

- من المعروف أن المرجعيات والقيادات الدينية والسياسية الشيعية الموالية لإيران في العراق قد أصدرت فتاوى (أو على الأقل تعليمات) بمنع القيام بأية عمليات عسكرية لمقاومة الاحتلال الأميركي.

ومن الناحية العملية، تصرفت تلك القيادات والمرجعيات وفق كل الاتفاقات والترتيبات التي كانت موضوع تفاهم بين المعارضة العراقية الموالية لإيران والأجهزة الاستخبارية الأميركية قبل سقوط بغداد، ومن بينها بالبداهة، تأييد تلك المرجعيات والقيادات للاحتلال الأميركي وعدم مقاومته.

بالمقابل وقفت هذه القوى بصراحة وبشكل عملي ضد المقاومة العراقية التي تواجه الاحتلال الأميركي، بل بذلت وتبذل كل ما في وسعها، بالتنسيق الكامل مع (الشيطان الأكبر حسب التعبير الإيراني الشهير) لشل تلك المقاومة وسحقها. كما تتعمد وصمها بالإرهاب، وكل هذا بعلم وموافقة القيادة الإيرانية.

- الجميع يعرف أن مشاركة التنظيمات السياسية العراقية الموالية لإيران في العملية السياسية في ظل الاحتلال قد تمت من خلال المرجعيات والأهداف والأطر التي حددتها إدارة الاحتلال الأميركية.

كما أن بناء العملية السياسية (إعداد الدستور والانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة) تمّ كذلك بتنسيق وتعاون مباشرين ووثيقين بين تلك التنظيمات العراقية الموالية لإيران وإدارة الاحتلال الأميركية (وهذا يذكّر بحكومة فيشي في فرنسا أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا).

مرة أخرى لا يمكن أن يتم هذا التنسيق الوثيق دون علم وموافقة القيادة الإيرانية.

- الجميع يعرف أن بناء الجيش العراقي الذي تسيطر عليه قيادات موالية لإيران وأبرزها المجلس الأعلى والقيادات العسكرية لفيلق بدر، وكل ما يتعلق بتدريب هذا الجيش وتسليحه وبناء أجهزته الاستخبارية، تمّ على يد قوات الاحتلال الأميركية.

وهذا يطرح ألف علامة استفهام حول التنسيق بين القيادات الحاكمة في العراق وإدارة الاحتلال فيما يتعلق بهذا الملف الحساس. وهذا بعلم وموافقة القيادة الإيرانية.

"
مصلحة إيران الإستراتيجية الحقيقية، ومكانتها ورفعتها تكمن في تحالف الطائفة الشيعية مع الطائفة السنية لمواجهة "المشروع الاستكباري" الذي تتولى كبره أميركا، وبناء المشروع الحضاري الإسلامي المخلص معا، وليس بتبني إستراتيجية قومية قصيرة المدى
"
- من المعروف كذلك أن محاصرة وتدمير الفلوجة والقائم وإبادة أعداد كبيرة من سكانهما والاجتياحات التي عرفتها كل مدن وسط العراق (مناطق محددة في بغداد وبالذات الأعظمية والرمادي وحديثة والموصل وسامراء وديالى وغيرها) كل هذه الجرائم كانت ترتكب من طرف الجيشين الأميركي والعراقي وبتنسيق كامل بينهما على الأرض بعلم وتوجيه رؤساء الحكومات العراقية المتعاقبين وبالذات الجعفري والمالكي المعروفين بولائهما لإيران.

كل تلك الجرائم حدثت وتحدث بعلم القيادة الإيرانية دون أن تتخذ أي موقف إدانة ولو بشكل صوري.

- من المعروف أن فيلق بدر الذي ساهم في ارتكاب مجازر مروعة في مناطق مختلفة من العراق قبل اندماج بعض قياداته وعناصره في الجيش واستمراره في ارتكاب جرائمه من خلال المؤسسة العسكرية العراقية التي أشرف الأميركيون على "إعادة بنائها"، دخل هذا الفيلق من إيران إلى العراق تحت سمع وبصر قوات الاحتلال الأميركية.

كما مارس ويمارس عملياته العسكرية الإجرامية ضد المقاومة العراقية والمدنيين المشتبه في تأييدهم للمقاومة بتنسيق مباشر مع قوات الاحتلال. كل هذا يتمّ بعلم وصمت القيادة الإيرانية و(إذنها صامتها).

الخلاصة: المفترض في رفسنجاني المسؤول عن تشخيص مصلحة النظام الإيراني أن يجعل مصلحة الأمة دليلا وهاديا لمصلحة النظام الإيراني وفقا لمنطق المبادئ الإسلامية.

كما أن المفترض في رفسنجاني والقيادة الإيرانية عموما، أن يحولوا الشعارات التي ترددها وسائل الدعاية الإيرانية حول "وحدة الأمة" و"مواجهة الهيمنة الأميركية" إلى ممارسات ملموسة على الأرض.

والعراق يشكل فرصة ممتازة لتحقيق هذه الشعارات، وليس العكس كما رأينا عند استعراض المحطات والخلفيات السابقة.

إن تصريح رفسنجاني بأن بلاده لا تتدخل في الشأن الداخلي العراقي لا يمكن أن يفهم سوى أنه تهرّب من المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتق القيادة الإيرانية تجاه ما يحدث في العراق، بضلوعها المباشر وير المباشر في ما يجري على أرض العراق.

والمفترض في شخصية قيادية من وزن رفسنجاني أن يدرك أن مصلحة إيران الإستراتيجية الحقيقية، ومكانتها ورفعتها تكمن في تحالف الطائفة الشيعية مع الطائفة السنية لمواجهة "المشروع الاستكباري" الذي تتولى كبره أميركا، وبناء المشروع الحضاري الإسلامي المخلص معا، وليس بتبني إستراتيجية قومية قصيرة المدى ولو على حساب القيم الإسلامية وعلى حساب المصالح العليا للأمة.

(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).
__________________
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة