عبد الجبار سعيد

-وحدة الأمة
- التقريب والوحدة
- حديث افتراق الأمة
- التقريب بين الإمكان والخيال
- سبيل التقريب

لعل مفردة التقريب من أكثر المفردات حاجة للتداول في دوائر الفكر والثقافة الإسلامية هذه الأيام، لأن الحديث عن التقريب حديث عن الحوار بين أبناء الأمة الواحدة، كما أنه حديث عن التوجه نحو الوحدة وبناء جسور الترابط بين أجزاء الأمة الواحدة.

فإذا كانت الأمة بحاجة إلى الوحدة والحوار، فلا مناص من التقريب بين مكوناتها وعناصرها، ولكن أي تقريب هذا الذي تحتاجه الأمة الإسلامية؟ وهل ثمة إمكانية لهذا التقريب؟ وما هي العقبات التي يمكن أن تعترض طريق التقريب؟ وهل من الممكن تجاوزها؟

وحدة الأمة
لا أظن أن قضية وحدة الأمة الإسلامية تحتاج إلى تأكيد على أهميتها، ولكن عندما تتعرض هذه الوحدة للتدمير والتحطيم من قبل أصحاب بعض النظريات الذين يدعون إلى الوحدة، ثم يتبنون ما يدعو إلى الانقضاض على هذه الوحدة، عندها يصبح من الأهمية بمكان إعادة التذكير بأن وحدة الأمة فريضة شرعية وضرورة بشرية.

فإذا سلمنا بكثرة الأعداء، وبأن فرقة الأمة وتمزيق بنيتها من أهم العوامل التي جعلتها قابلة للاستعمار، لا في فلسطين وحدها، وإذا أدركنا كل ذلك كانت الوحدة الإسلامية غاية تبتغى وهدفا يرام، "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا".

إن سنة الله في الخلق هي أن التنازع يورث الأمة الفشل ويذهب القوة والبأس "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".

ولا أظنه يخفى على كل ذي لب أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما حذرنا من الدعوة إلى العصبية "ليس منا من دعا إلى عصبية"، إنما كان يرفع غطاء الانتماء إلى الأمة عن كل من يدعو إلى العصبية الممزقة، وكون العصبية وردت نكرة فهي دالة على كل عصبية، سواء عصبية الدم أو عصبية الفكرة والمذهب.

وأعجب كل العجب من أناس يدعون إلى الوحدة ويقررون أهميتها ويجعلونها جزءا من الدين، فإذا كان الحديث عن التقريب بين المذاهب عموما والسنة والشيعة خصوصا، وجدتهم يتعصبون ويبررون التعصب بما عند الآخر من أخطاء، ويتخندقون وراء الذات والفكرة، فتتراجع الوحدة عندهم إلى آخر قائمة الأولويات لأنها تتعارض مع عصبيتهم.

وهم يشتركون بهذا من حيث يشعرون أو لا يشعرون مع أعداء الأمة وخصومها، في الإمساك بمطرقة ضرب فكرة التقريب، والعمل على وضع العقبات أمامها.

"
حديث انقسام الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة يحذرنا من أن نتفرق تفرقا مذموما يؤدي بنا إلى أن نكون من أهل النار كما تفرق من قبلنا، وهذا أدعى للوحدة والتقارب منه إلى الفرقة والانقسام
"
التقريب والوحدة
التقارب في اللغة ضد التباعد، وتَقاربَ الشَّيْئانِ: تَدَانَيَا. والتَّقَرُّبُ: التَّدَنِّي إِلى شَيءٍ والتَّوَصُّلُ إِلى إِنسانٍ بقُرْبَةٍ أَو بِحَقٍّ. فمفهوم التقريب يحمل دلالاته في بنيته اللغوية والفكرية، لأنه إنما يكون بين طرفين ليسا متضادين، ولكن بينهما قدرا من أوجه الشبه والقواسم المشتركة.

كما أن التقريب لا يعني التوحيد بحال من الأحوال، ولا التماهي بين الطرفين، وإنما يعني التقليل من عناصر الخلاف والتخفيف من حدة أثرها على وحدة الصف، والبحث عن القواسم المشتركة وتعظيمها، وتعظيم أثرها على متانة الجبهة الداخلية.

إذاً نحن نتحدث عن التقريب المفضي إلى الوحدة على قاعدة المشترك، ولسنا نتحدث عن إلغاء أحد الطرفين للآخر بنقله إلى خندقه، لأن الواقع والتاريخ يؤشران على استحالة ذلك وعدم إمكانه، فلا أقل من التقريب إذاً.

فالحديث عن وجوب الوحدة حديث عن وجوب التقريب من حيث النتيجة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أن الحديث عن التقريب بالمفهوم الذي أشرنا إليه، يعني حديثا عن الوحدة في مواجهة الخصوم والتحديات.

يضاف إلى ذلك وجود نصوص عدة تدفع باتجاه التقارب وتحث عليه، فقد أمرنا الله بالشدة على الخصوم المحاربين وبالتراحم فيما بيننا "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم". فلغة التقارب والتراحم هي التي ينبغي أن تسود بين أفراد الأمة الواحدة.

كما نهانا الله عن جدال أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" فمن باب أولى أن تسود لغة الحوار بالتي هي أحسن بين أفراد الأمة الواحدة.

حديث افتراق الأمة
ولابد في إطار الحديث عن مشروعية التقريب وأهميته، من الوقوف مع الحديث النبوي المشهور الذي جاء فيه "..وتفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة".

وهذا الحديث تعرض لدراسات متباينة بين إثبات ونفي، بالإضافة إلى خلاف حول الفهم في حال القول بالثبوت، وأنا واحد ممن درسوا روايات هذا الحديث ولم أجد في رواياته رواية واحدة ترقى بمفردها لمرتبة الحديث الصحيح من جهة السند.

وأقصى ما يمكن أن يكونه حسنا لغيره بجمع طرق الإسناد، عند من يرى هذا المنهج في الحكم على الأسانيد، أما من جهة المتن فثمة إشكالات أخرى متعددة، إذ كيف يتفق أن تكون الفرق الثلاث والسبعون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم (تفترق أمتي) ويكون مصير اثنتين وسبعين منها النار؟ ولذلك ذهب البعض ومنهم القرطبي وابن حزم وغيره إلى رد زيادة "كلها في النار إلا واحدة".

ثم إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو في أي زمان سيكون هذا؟ وهل سيدوم طويلا أم يمكث برهة وينقضي؟

كما أن هذا الحديث يجعل أمة الإسلام أسوأ من اليهود والنصارى الذين هم أقل انقساما، وهذا خلاف نصوص الآيات التي جعلت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، والتي أشارت إلى مدى الاختلافات التي وقعت بين اليهود والنصارى. فالحديث أقرب إلى الرد منه إلى القبول.

وعلى فرض التسليم بصحة الحديث فإن منهج التعامل معه بحاجة إلى إعادة نظر، لأننا لا ينبغي أن نقبل على دراسة الحديث ونحن نحرص على أن نجعل من أنفسنا الفرقة الناجية ونجعل الآخرين من أهل النار، وهذا ما قام به ويقوم به غالب الذين تناولوا الحديث في كتب الفرق والملل والنحل، في حين أننا إذا أحسنا التأمل في النص نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يحذرنا من أن نتفرق تفرقا مذموما يؤدي بنا إلى أن نكون من أهل النار كما تفرق من قبلنا، وهذا أدعى للوحدة والتقارب لا للفرقة والانقسام.

"
لعل من أهم العقبات وأخطرها الجهود التي يبذلها الأعداء وأتباعهم في مواجهة التقريب وما ينجم عن هذه الجهود من إشاعات وإساءات تحرض كلا الطرفين من الشيعة والسنة على الآخر
"
التقريب بين الإمكان والخيال
كانت إمكانية التقريب بين أصحاب المذاهب خاصة الشيعة والسنة من أكثر الإشكالات التي واجهت دعاة التقريب، فالبون يبدو شاسعا بين الطرفين، وكل محاولات التقريب السابقة المعاصرة باءت بالفشل في أكثر الأحيان، بسبب دخولها في تفاصيل الخلاف.

ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك التجربة والقناعة التي خرج بها الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي في القرن الماضي، أضف إلى ذلك أن جهود التقريب التي ابتدأت مؤسسيا من خلال دار التقريب التي أسست في القاهرة عام 47 من القرن الماضي، بقيت في دائرة التنظير والتمني واللقاءات الإعلامية، مما أوحى بأن الحديث عن التقريب مجرد ترف فكري لا أكثر وأن التقارب أقرب إلى الاستحالة منه إلى الإمكان.

إن الغاية من الحديث عن العقبات في هذا المقام هو تحديدها من أجل التعامل معها وتخطيها بقدر الإمكان، لا بغرض تضخيمها ووضعها عصا في دولاب التقارب، ومما يؤكد هذا ما سنتوقف أمامه من الإمكانيات.

أما على صعيد العقبات فلعل أهمها وأخطرها الجهود المبذولة من الأعداء وأتباعهم في مواجهة التقريب، وما ينجم عن هذه الجهود من إشاعات وإساءات تحرض كلا من الطرفين على الآخر.

ويرتبط بالعقبات كذلك موقف الأنظمة السياسية لدى الطرفين من عملية التقريب، وأثر المواقف السياسية على الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، ويدعم هذه العقبات موقف المتطرفين من الطرفين الذين يستغلون كل ثغرة ويعظمونها حتى تعلو على كل إمكانيات التقريب.

ولا ننسى هنا استثمار الجانب التاريخي والاستناد إليه بما فيه من الغث والسمين، ومحاولة تتبع عثرات البعض في كلا الطرفين لجعلها أساسا يحاكم إليه كل القائلين بإمكانية التقريب.

ويرتبط بهذه الفكرة الاستناد لمقولات البعض من مثل القول بتحريف القرآن عند بعض الشيعة، وزعم بغض آل البيت ومناصبتهم العداء عند السنة (كما يزعم بعض أبناء الطرفين في حق الآخر).

يأتي الاستناد إلى هذه المقولات للإيحاء بأن الخلاف بين المذاهب عموما والسنة والشيعة خصوصا، خلاف في الأصول وليس في الفروع، مما يجعل التقريب أقرب إلى الاستحالة في نظرهم، بالإضافة إلى العديد من العقبات كغياب لغة الحوار وتغليب لغة الاتهام والشك، وفقدان عامل الثقة بين الشيعة والسنة على وجه الخصوص، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لحصره في هذا المقام.

لكن الحديث الواسع عن هذه العقبات يقابله حديث أوسع عن الإمكانيات، التي تستند إلى قاعدة الأخوة التي عاشها الصحابة رضوان الله عليهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأمهات المؤمنين وغيرهم من الصحابة، إذ عاشوا أخوة فريدة من نوعها ليس في ظلال النبوة فحسب، وإنما في عصور الخلفاء الراشدين الأربعة، رغم ما كان يدور بينهم من خلاف رأي في أحايين متعددة.

ومن ذلك ثناء علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومكانتهما، حين قال كما في نهج البلاغة: "وإن مكانهما في الإسلام لعظيم وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا".

كما أثنى على الخلفاء الثلاثة وعلى من اختارهم قائلا: "إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه. وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا".

ولم يكن الأمر دائرا فيما بين الصحابة وحدهم، فهذا الإمام مالك (سني) يأخذ الحديث عن الإمام الباقر، ويأخذ الزهري عن الإمام على بن الحسين والد الباقر، وكان يقول: ما لقيت أفقه من علي بن الحسين، وغير ذلك من الشواهد التاريخية التي يصعب استحضارها في هذا المقام.

وإنما أوردنا ما أوردناه هنا لنقول إن في التاريخ صورة تدل على إمكانية التقارب بل والتآخي، بخلاف ما يحاول أن يصوره المعارضون لجهود التوحيد باستنادهم إلى التاريخ.

"
السعي الحقيقي نحو التقريب يجب أن ينطلق من النوايا الصادقة المخلصة، يضاف إليها قدر عال من الصراحة والوضوح، على أن توظف هذه الصراحة من أجل العلاج لا من أجل التأزيم
"
سبيل التقريب
ينبغي التأكيد على أن السعي الحقيقي نحو التقريب يجب أن ينطلق من النوايا الصادقة المخلصة، يضاف إليها قدر عال من الصراحة والوضوح، على أن توظف هذه الصراحة من أجل العلاج لا من أجل التأزيم، ومن أجل التقارب لا من أجل مزيد من الخندقة وراء المواقف.

ثم يبنى على هذه المصارحة البحث عن القواسم المشتركة وتعزيزها، وهي بالمناسبة كثيرة: فالرب واحد والكتاب واحد والنبي واحد والقبلة واحدة وأركان الإسلام والإيمان واحدة وحب آل البيت متفق عليه وغير ذلك كثير.

ثم يلي ذلك البحث في نقاط الخلاف والحوار حولها لتقليلها ما أمكن أو تجنب المستفزات منها لكل من الطرفين، وكل ذلك يجب أن يكون ضمن عملية مؤسسية شاملة تنخرط فيها المؤسسات الأكاديمية والمجامع العلمية ووسائل الإعلام.

ويمكن في هذا الإطار الاستفادة من تجارب الوحدة الأخرى في الجانب العملي، والأصل أن تتم هذه العملية في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها بشكل تدريجي.
__________________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة