أكرم البني

لن يكون القادم أياً تكن صورته أكثر سوءاً مما نعيش، فحصاد الشعارات البراقة طيلة عقود من الاستبداد لم يكن إلا الهزائم والانكسارات ومزيداً من التردي والفساد وقهر الإنسان وإفقاره، وليس التغيير مهما تكن صعوباته وآلامه، إلا مغامرة تستحق أن تخاض لتحريك هذا المستنقع الآسن وفتح صيرورة جديدة، لعل أهم ما فيها تقدم دور البشر في تقرير مصيرهم وصياغة مستقبلهم دون إقصاء أو وصاية!

مثل هذه العبارات أو ما يقاربها يمكن سماعها في الحوارات الدائرة اليوم حول الوضع العربي الراهن وسبل معالجة أزماته، وأساساً للرد على ابتزاز المهولين بالتغيير والعاملين على تشويه سمعة مشاريع الإصلاح السياسي لتضليل الجماهير ونشر ثقافة الخوف من أي تبدل أو تحول مستندين إلى معطيات راهنة تغري بذلك.

"
من المؤسف ألا يعطي المتخوفون من التغيير لأنفسهم بعض الوقت للتأمل ملياً بمأساة العراق أو أسباب ما يحدث في فلسطين ولبنان، وكأن ثمة فكرة مسبقة معادية للتغيير والديمقراطية تستولي على عقولهم وتعمي أبصارهم
"
فمرة يجدون في الفوضى والاضطرابات الأمنية التي تعم المدن العراقية مأخذاً على التغيير والديمقراطية، يهزؤون من العراقيين الذين لا يستحقون برأيهم الحرية ولا يحسنون استخدامها، يدلون إلى مشاهد التفجير الطائفي والقتل البشع على الهوية المذهبية على أنها مخلفات احترام التعددية ويحذرون من أن الاستمرار في السعي نحو الديمقراطية سوف يزج العراق في أتون حرب طائفية وتقسيم للبلاد!!

ومرة يستخفون بما أنجبته المتغيرات في الوضع اللبناني ويشيرون إلى التخبطات القائمة واحتمال تفجر الأوضاع مع استمرار عجز النخب السياسية عن إنجاز التوافقات المطلوبة لضمان استقرار المجتمع وتنميته، ومرة ثالثة يستحضرون تطور الأوضاع الفلسطينية والتي يتهددها إلى جانب الحصار الظالم المزيد من التوتر والاضطراب واحتمال الانجرار إلى اقتتال أهلي لن يبقي أو يذر!!

ويستند هؤلاء أيضاً إلى تأثير ما يجري في تلك البلدان على المزاج الشعبي عموماً وتنامي حالة من التحسب والتخوف من تبعات الإصلاح والتغيير، الأمر الذي مكّن الأنظمة من إعطاء معنى جدي لتهديداتها بأن التبدلات النوعية سوف تفضي إلى الاضطرابات والفوضى، وساهم في انكماش الرغبة الغربية، الأوروبية أولاً والأميركية بدرجة أقل، في نشر الديمقراطية والميل للسياسات القديمة التي تغلب الاستقرار!!

ليخلصوا من كل ذلك إلى نتيجة ترفض التغيير الديمقراطي، وتجد أن التطبيق الناجح للتعددية والحريات يحتاج إلى درجة من النضج السياسي والثقافي غير متوفرة في مجتمعاتنا، بينما السائد شعبياً هو إدراك سلبي للديمقراطية ومحاولة توظيفها لإثارة الفتن والانقسامات واستحضار الخصوصيات الفئوية والحزبية وأساليب العنف، وتالياً استجرار الاضطراب والفوضى وظواهر التشرذم والتذرر!!

من المحزن هذا التسرع والتبسيط، إذا اعتمدنا حسن النوايا وتركنا جانباً حسابات المصالح والمنافع، ومن المؤسف ألا يعطي المتخوفون من التغيير لأنفسهم بعض الوقت للتأمل ملياً بمأساة العراق أو أسباب ما يحدث في فلسطين ولبنان، أم ربما لا يعنيهم أن يمعنوا التفكير قليلاً ليستخلصوا النتائج الحقيقية مما يجري، وكأن ثمة فكرة مسبقة معادية للتغيير والديمقراطية تستولي على عقولهم وتعمي أبصارهم لتصل بهم إلى استنتاجات مخالفة للوقائع وتناقض المقدمات التي يسوقونها!

فحالة الفوضى التي تعم العراق وتفشي مظاهر القتل والتدمير ليست بنتاً شرعية للديمقراطية، بل هي في الأساس نتيجة طبيعية لما راكمته سنوات طويلة من القمع والمركزة الشديدة ونجاح النظام الشمولي في تدمير المؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية وقتل روح المبادرة والسلام والتآخي لدى الإنسان وتغريبه عن إدارة حياته وحماية حقوقه.

بينما لأحداث لبنان أسباب مختلفة تتعلق بالبنية الطائفية المتخلفة تاريخياً للدولة اللبنانية، وتالياً قوة تدخل العوامل الخارجية والمطامع الإقليمية في تقرير مسار هذا البلد.

بينما تقف الحالة الفلسطينية على درجة من التعقيد وهي تخوض معاناة شديدة بل لنقل مجالدة حقيقية للجمع بين قواعد الحياة الديمقراطية وقيمها وبين النضال لاسترجاع الحقوق المغتصبة من محتل يسوغ لنفسه التدخل بمختلف الوسائل، حتى أكثرها عنفاً، في أدق تفاصيل الشأن الفلسطيني.

"
إذا كان أمراً مفسراً أن يستنتج البعض بعفوية أن لا شيء يشجع على الديمقراطية ما دام يراها مقترنة مع حالة الاضطراب وعدم الاستقرار فليس ثمة ما يبرر لمن يرى أن مجتمعاتنا وخصوصيتها الثقافية ليست مؤهلة أو ناضجة لتقبل القيم الديمقراطية
"
ويبقى أن ما تعانيه المجتمعات الآيلة للتحول الديمقراطي اليوم من صعوبات وإرباكات هو لحظة عابرة صوب أمل ووعد بمجتمع صحي معافى.

ومثل هذه الصعوبات، هي صعوبات مفسرة واختبارات مفهومة لمجتمعات حطمها القمع وجعلها تدمن السلبية والاتكال، فالسلطات وسياساتها الاقصائية هي المسؤول الرئيس عما نعيشه الآن، ومظاهر الانحطاط وأساليب العنف والتدهور الأخلاقي هي منعكس طبيعي للقهر والتمييز وثقافتهما المدمرة.

الأمر الذي يستدعي تعزيز الثقة بجدوى الحرية وبالموقف الصائب الرافض لحالة الاستبداد تحت ذريعة الأمن والاستقرار، والأهم تأكيد الإيمان بضرورة الديمقراطية لتوفير هذا الأمن والاستقرار ولمعالجة ما خلفته هذه السلطات وأساليبها الاقصائية، من تشوهات بنيوية وأمراض مزمنة!

وعلى العموم إذا كان أمراً مفسراً أن يستنتج البعض بعفوية أن لا شيء يشجع على الديمقراطية ما دام يراها مقترنة مع حالة الاضطراب وعدم الاستقرار فليس ثمة ما يبرر لمن يرى أن مجتمعاتنا وخصوصيتها الثقافية ليست مؤهلة أو ناضجة لتقبل القيم الديمقراطية.

ونسأل كيف يمكن أن يتوفر هذا النضج المزعوم، إذا كان مفقوداً حقاً، طالما سوف يستمر إقصاء المجتمع وقمعه بحجة الاستقرار؟! ثم من ذا الذي سمح لنفسه إهانة ثقافات العالم العربي وأديانه بتقديمها كمبرر لرفض الإصلاح ووضعها بالتعارض مع الحكم الديمقراطي والنزاهة والشفافية وحقوق الإنسان؟!

والأهم أن ننظر إلى مآل التجارب التي فضلت التضحية بالحريات وحقوق الناس بحجة الخصوصية ولتدعيم الاستقرار، ونرى كيف أظهرت النتائج بما لا يحتمل الشك أن الحفاظ على الوحدة والتماسك المجتمعي بلغة الحديد والنار هو ما مهد الطريق لتنامي الاندفاعات الطائفية ونزعات التفكك والعنف، وأن طمس الاختلافات بالقوة والقهر وإنكار حقوق الآخر لم يؤد إلى انصهار الخصوصيات في بوتقة واحدة بل على العكس زادها اختماراً وتأججاً تحت الرماد لتنفجر بصورة دراماتيكية وفوضوية في أسوأ وقت وبأسوأ الأشكال!

ربما من السذاجة ألا نتعلم من محن الماضي ونتأمل دروسه كي ننأى عن عثرات وأخطاء دفع ثمنها باهظاً، وكأن هزائمنا المتعددة وحالنا التي تثير الشفقة لم تقولا كلمتهما واضحة وحاسمة!!

وأيضاً من السذاجة أن ننسى أن أكبر عنوان لتخلفنا هو عندما ذهبت مجتمعاتنا منذ فجر استقلالها حتى اليوم إلى اعتبار الديمقراطية شعارا غريباً عن حقوقنا ومصالحنا وثقافتنا العربية، واختارت معاداتها ومواجهتها بأنظمة شمولية، لا تؤمن بالتعدد السياسي، والحوار والتشارك، بل تمارس، على نقيض من ذلك، الجبروت والطغيان والظلم، لتكشف عن فشل ذريع في تحقيق الأهداف التي وعدت الناس بها، ولتنجح بسرعة قياسية في تحويل الرموز الوطنية والشعارات القومية ومشاريع التنمية إلى غطاء لمراتع الفساد والامتيازات الفئوية ولتسويغ القمع والاضطهاد ضد الشرفاء والقوى الحية.

"
نجاح الديمقراطية يقتضي بناء هيكلية جديدة للدولة كدولة ديمقراطية، بما يجعل منها تعبيراً صحياً عن المجتمع بمكوناته الاجتماعية وأطيافه المتنوعة واختلاف انتماءات أبنائه العرقية ومعتقداتهم الدينية
"
ما يعني أن ثمة كارثة حقيقية تنتظرنا في حال أحجمت المجتمعات العربية مرة أخرى عن الانتقال من عالم الاستبداد إلى الديمقراطية، وأن تأجيل هذا الاستحقاق سوف يفضي إلى مزيد من التوتير الاحتقان وانفجار الأزمات المتراكمة بصورة مريعة مخلفة انهيارات واسعة وتفككا للمجتمع والدولة معاً، كما حصل في الصومال وكما يرجح المتشائمون أن يحصل في العراق وفلسطين ولبنان.

هو أمر بديهي أن يرفض كل عاقل سياسة زرع الفوضى وانفلات قوى المجتمع من عقالها على غير هدى، لكن ليس بعاقل أيضاً من يستكين للتخوف ولا يسعى بالقدر نفسه إلى تشديد الضغط من أجل التغيير الديمقراطي ومن أجل أن تذعن القوى والأنظمة وتقدم تنازلات جدية للقيام بإصلاحات سياسية حقيقية لتنشيط حراك المجتمع وتعزيز دوره، مما يفضي إلى تحرير الطاقات الكامنة وتمهيد الطريق لانتصار مناخ صحي، يساعد الجميع قولاً وفعلاً على ممارسة دورهم وتقرير شؤونهم.

فكيف نأمل بتنمية ديمقراطية ما دام ثمة قوى وفئات لا تزال تتوهم بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة وأن ما تقوم به هو الصائب والصحيح، تجنح نحو التخفيف من نتائج وآثار ما تقوم به وتلقي المسؤولية على الآخر، لا هاجس لديها لمعايرة مواقفها أو مراجعة خطابها وأساليب عملها، وتسعى بمختلف الوسائل لنصرة سياساتها الخاصة دون اعتبار لمصالح الآخر وحقوقه، وفق رؤية مدمرة تنطوي على قدر كبير من التضليل المقصود بأن حسم الصراع مع بعض الأهل والأخوة سوف يجلب لها المنّ والسلوى!!

وكيف نتطلع لانتصار الديمقراطية وثمة مجموعات سياسية أو طائفية ومذهبية هي ما دون الدولة، تسوغ لنفسها أن تتنطح لإنجاز مهام الدولة، تشرع وتسن القوانين، تقاضي وتنفذ الأحكام، وهي مستعدة بل ومتحفزة لتعميم قبضتها على المجتمع حتى لو اضطرت لاستخدام مختلف أشكال الإرهاب والترويع.

فالديمقراطية هي نقيض الفوضى، والديمقراطية لا تقود إلى الاستهتار بالدولة والتفريط بمؤسساتها بل هي على العكس تشدد على دوريهما بما يصون العقد الاجتماعي ويحفظ التوازن بين حريات الناس وحقوقهم وواجباتهم، وأيضاً لضمان سلامة النظام وسيادة القانون ومشروعية تداول السلطة.

وبالتالي فنجاح الديمقراطية يقتضي بناء هيكلية جديدة للدولة، كدولة ديمقراطية، بما يجعل منها تعبيراً صحياً عن المجتمع بمكوناته الاجتماعية وأطيافه المتنوعة واختلاف انتماءات أبنائه العرقية ومعتقداتهم الدينية.

لتغدو أشبه بأداة عامة تميل إلى الحياد في الصراعات وتسمو بمهمتها نحو تنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دون التدخل في محتوى أو فحوى هذه العلاقات، معززة حضور مفهوم المواطنة والحقوق المتساوية للناس بغض النظر عن انتماءاتهم.

وتأسيساً على ما سبق لا يمكن الحديث عن نجاح الديمقراطية ووقف مظاهر التفكك والتنافر التي ترافق انبعاث التعددية والخصوصيات عندما تنحسر أو تنعدم المساعي لتأكيد دور الدولة ودعم شرعية مؤسساتها وعموميتها، فالدولة الديمقراطية هي المكان الأمثل لإدارة الخلافات والصراعات سلمياً ولحفز روح التفاهم والتعاون بين مختلف الأطراف، والثقة بها وبمؤسساتها هي خير ضمان لوحدة البلاد وحفظ مسار تطورها وتقدمها.

بينما يعني غيابها انهيارالمجتمع أو زواله خاصة حين يتم الطعن أو الإخلال بوظيفتها الرئيسة في احتكار القوة المسلحة والعنف الشرعي وضمان الأمن للمجتمع ولمواطنيها.

"
بدون الحريات واحترام التعددية وحقوق الإنسان لن تستقيم أمورنا وسوف نضل الطريق الوحيدة والناجعة لمعالجة ما صارت إليه أوضاعنا من ضعف وتخلف وانحطاط
"
وفي هذا السياق يجب أن نعي جيداً إن الانتقال إلى الديمقراطية في مجتمعاتنا لا يتحقق بمجرد توفير بعض الحريات والقيام بانتخابات برلمانية، بل هو عملية تاريخية ستتم في فترة زمنية غير قصيرة، والطبيعي أن تشهد في بعض مراحلها إرباكات وصراعات حول السلطة وإصرار قوى معينة على تخريبها وإيقافها والارتداد عنها.

وبعبارة أخرى فالديمقراطية ليست دواءاً سحرياً وشعارات خلابة، بل هي طريقة في الحياة وأسلوب سلمي لتسيير المجتمع يتضمن قيماً وآليات ومؤسسات، فلا يمكن الحديث عن الانتقال إلى الديمقراطية دون تعميق القيم الموجهة لسلوك المواطنين في احترام التنوع والاختلاف وأساليب التوافق والصراعات السلمية ودون توافر الآليات المساعدة على نشر هذه القيم وبناء المؤسسات التي تمارس من خلالها هذه الطريقة في الحياة.

ثمة في الديمقراطية قوة لا توجد في أي نظام سياسي آخر فالإنسان غايتها وهدفها، وهي تتوجه إليه بوصفه المحرك الرئيس لكل تحدٍ وتطور وتعول عليه لتعويض حالة العجز والقصور أمام تحديات البناء والتنمية وفي مواجهة توازن قوى يميل بشكل كاسح لصالح أعدائنا وسالبي حقوقنا.

وبالتالي يفترض بمجتمعاتنا التي تتوق إلى الحرية ألا تؤخذ بالمبالغات والتخوفات من التغيير الديمقراطي بل أن تتمسك بأسنانها وأظافرها بهذا الخيار، متيقنة أن عملية الإصلاح السياسي لا تقود إلى التفكيك والتدمير بل إلى إقامة نظام ديمقراطي يكفل تعايش البشر سلمياً ويحترم تعدديتهم السياسية والاجتماعية وحرياتهم، ويضمن مشروعية تداول السلطة وتطبيق مبدأ المحاسبة على الجميع.

ومتيقنة أيضاً بأنه دون الحريات واحترام التعددية وحقوق الإنسان لن تستقيم أمورنا، وسوف نضل الطريق الوحيدة والناجعة لمعالجة ما صارت إليه أوضاعنا من ضعف وتخلف وانحطاط.
ــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة