إبراهيم غرايبة

انتخابات متكررة وخواء سياسي
البرلمان والانتخابات وتطوير الحياة السياسية
الانتخابات والنصف الآخر من الكأس

لا تبدو الانتخابات النيابية القادمة في الأردن والمستحقة في الصيف القادم قضية تشغل أحدا في المملكة، ويقتصر الجدل والحراك السياسي حولها في ما إن كانت ستجرى في موعدها أم تؤجل، هل يُحل المجلس أم يبقى أم يمدد له سنة أخرى وربما سنتين؟ هل يغير قانون الانتخاب أم يظل على حاله؟ هل ستبقى الدوائر الانتخابية كما في الانتخابات السابقة أم يعاد تنظيمها؟ هل ستكون انتخابات حرة ونزيهة أم موجهة وتخضع للتدخل؟

وهي أسئلة تعكس حالة الهشاشة والضحالة في الحالة المتشكلة حول الانتخابات النيابة، ذلك أنها لا تساهم في صياغة المشهد السياسي ولا في تحديد وجهة السياسات المستقبلية وتشكيل الحكومات والقيادات إلا بمقدار هامشي ضئيل.

انتخابات متكررة وخواء سياسي

"
الانتخابات النيابية والبلدية لم تتحول بعد إلى تقليد راسخ ومرجعية ثابتة في السياسة والإدارة والتنمية وما زالت لا تساهم في تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية والعامة إلا بنسبة محدودة
"
تُجرى الانتخابات النيابية والبلدية في الأردن منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأخذت بعدا مؤسسيا متواصلا منذ عام 1928، ولم تنقطع إلا في الفترة التي أعقبت عام 1967 ليعود مجلس النواب المنتخب للانعقاد عام 1984، ثم تواصلت الانتخابات النيابية بعد ذلك بلا انقطاع.

ورغم ذلك فإن الانتخابات النيابية والبلدية لم تتحول بعد إلى تقليد راسخ ومرجعية ثابتة في السياسة والإدارة والتنمية، وما زالت لا تساهم في تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية والعامة إلا بنسبة محدودة، لا تغير كثيرا في تركيبة النخب السياسية والاجتماعية، ولا في صياغة السياسات العامة.

فالبرلمان لا يساهم إلا بقدر محدود في تشكيل الحكومات وصعود القادة السياسيين والوزراء، ولا يجد أغلب المسؤولين وقادة النخب من الوزراء ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات وكبار الموظفين ومديري الشركات ورجال الأعمال والتجار فرصة في النجاح في الانتخابات النيابية.

ولا تنتظم هذه الشبكة من النخب السياسية والاقتصادية في أحزاب سياسية تسعى للمشاركة في الانتخابات النيابية، ولا تجد فرصتها في تعزيز وجودها في السلطة والنفوذ بتشكيل أحزاب سياسية والمشاركة في الانتخابات النيابية كما يجري في معظم دول العالم، المتقدمة منها والنامية، والديمقراطية وشبه الديمقارطية.

فكيف يمكن للمواطنين اليوم التنافس والتطلع للتقدم في الحياة السياسية والمهنية والعامة؟ وإلى أي درجة تساهم الانتخابات في هذا التنافس وهذه الطموحات؟

هذا الخواء السياسي محير يحتاج إلى توقف طويل، فهو ليس بنيويا راسخا، ولا يشكل جزءا من التركيبة الجينية والفطرية في المجتمع بدليل الحياة السياسية التي تشكلت أواسط الخمسينيات وبين عامي 1989 و1993.

ولم تكن مشكلة هذه الديمقراطية -كما يبدو للوهلة الأولى- في صعود تأثير التيارات السياسية القومية واليسارية ثم الإسلامية، لأنه لا يمكن تصور حياة سياسية قائمة على التنافس والمشاركة والتداول إلا بوجود كتل سياسية متنافسة، بعضها يشكل الحكومة وبعضها يكون معارضة.

وسيكون تضليلا كبيرا تبريرُ هذا الخواء بالخوف من المعارضة اليسارية أو الإسلامية، فلم تكن نهاية العالم والمصالح الأميركية والرأسمالية والأوضاع السياسية والوطنية وصول اليساريين إلى الحكم في أميركا اللاتينية ولا وصول الإسلاميين إلى الحكم في تركيا والعراق وأفغانستان والسودان وإيران.

البرلمان والانتخابات وتطوير الحياة السياسية

"
المتابع للشأن السياسي اليوم لا يستطيع أن يعرض سوى عدد محدود من الشخصيات السياسية التي صعدت إلى واجهة التأثير بواسطة الانتخابات النيابية، أو يمكنها أن تقود عملية سياسية تدافع بها عن السياسات والمواقف الحكومية أو المعارضة لها، وتتقدم بها إلى المواطنين
"
لماذا لم يشكل البرلمان قاعدة معيارية للتشكيل السياسي والقيادي والاجتماعي في الأردن كما يحدث في معظم الدول المتقدمة والنامية أيضا؟

فهناك نحو 250 شخصية على الأقل شاركت في مجلس النواب منذ عام 1989، ولكن الأمثلة على صعودهم في الحياة السياسية والتأثير وتشكيل وقيادة وتسيير الأحزاب السياسية يبدو قليلا، وما يمكن الرد به على هذه المقولة من الشخصيات السياسية التي ظهرت وتقدمت من خلال البرلمان تدل على صحة المقولة وليس خطأها، لأن القلة أو الندرة تدل على صحة المقولة وليس نفيها.

فإذا كانت نسبة الفشل بعامة في جميع المجالات تدور حول 25% فيجب أن يكون في الأردن اليوم مئات الشخصيات، سياسية وعامة مؤهلة وقادرة على تشكيل الحكومات والأحزاب السياسية والبرامج السياسية والاقتصادية، وتشكل نواة لحياة سياسية ذات حراك نشط في الانتخابات وتشكيل الحكومات والتنافس بين البرامج والكتل والبرامج.

ولكن المتابع للشأن السياسي اليوم لا يستطيع أن يعرض سوى عدد محدود من الشخصيات السياسية التي صعدت إلى واجهة التأثير بواسطة الانتخابات النيابية، أو يمكنها أن تقود عملية سياسية تدافع بها عن السياسات والمواقف الحكومية أو المعارضة لها، وتتقدم بها إلى المواطنين.

والحكومات والأحزاب والبرامج ما زالت غير واضحة التركيب والهوية والاتجاه، ويكاد المواطنون -حتى المتابعين والنشطين في السياسة والإعلام- لا يعرفون ولا يتذكرون أسماء الوزراء ورؤساء الأحزاب وقادتها وأمناء ومدراء المؤسسات والوزارات، فكيف عجزت تجربة سياسية وديمقراطية طويلة عن تقديم الشخصيات والقيادات والبرامج؟ ولماذا لا يزال كثير من الوزراء والنواب والقادة السياسيين وكبار الموظفين أقرب لأن يكونوا مجهولين وغير مقنعين وربما فاشلين؟

وفي مرحلة الخصخصة الشاملة التي دخل البلد فيها منذ أكثر من عقد من الزمان -وكان يسبقها ابتداء تجربة طويلة وراسخة في مشاركة القطاع الخاص إذ لم يكن الأردن قبل التسعينيات بلدا اشتراكيا أو تأميميا- يفترض أن يتحول القطاع الخاص إلى شريك في الحكم والمسؤولية الاجتماعية.

وهذا ليس بدعا من الأفكار والدعوات، ولكنه مطبق في مراكز التجربة والرؤية القائمة على اقتصاد السوق، وقد بدأ يسند بالفعل -كما هو في الحكومة الحالية والحكومات السابقة- عدد كبير من المقاعد الوزارية والوظائف العليا إلى قادمين من القطاع الخاص.

ولكن تجربة الخصخصة لم تنشئ دورا اجتماعيا للقطاع الخاص، ولم تقدم الشركات والأعمال والاستثمارات القائمة في البلد إلى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية رصيدا جديدا ودماء جديدة من النواب وقادة الأحزاب ومصادر إضافية لتمويل العمل السياسي والحزبي والاجتماعي والعمل التنموي.

والأمثلة على الدور الاجتماعي للقطاع الخاص والصعود السياسي والنجاح الانتخابي لرجال أعمال تعد على أصابع اليد.

وعلى عكس تجربة معظم بلدان العالم فإن التجربة الوزارية والسياسية للشخصيات السياسية لا تشكل -إلا في حالات قليلة- مدخلا للانتخابات النيابية.

"
الحياة السياسية الأردنية تواجه سؤالا قد يبدو مستغربا أو غير مفهوم لغير الأردنيين: لماذا لا تشكل السلطة التنفيذية حزبا سياسيا من مؤيديها وأنصارها؟ وما الذي يضطرها  للاعتماد على مجموعة محدودة من الأشخاص يعاني عدد كبير منهم من العزلة والضحالة؟
"
فأغلب الوزراء والمسؤولين لا يتقدمون للانتخابات، وأغلب الذين يتقدمون لا ينجحون، وفي الوقت نفسه فإن هذا الجهاز الضخم من الوزراء والنواب والأعيان وكبار الموظفين والمستشارين وقادة الجامعات وأساتذتها من العاملين في القطاع الحكومي أو المؤيدين للحكومة لا تجمعهم مؤسسة سياسية أو حزبية.

وتتشكل الأحزاب السياسية الوسطية المؤيدة للحكومة من مجموعة قليلة من هذه الفئة، وتكاد تكون عاجزة عن خوض الحياة السياسية واكتساب ثقة الناخبين وتقديم رؤية سياسية لبرامج الحكومة ومواقفها.

وكما أن التقدم السياسي والاقتصادي لا يغني العمل النيابي فإن العكس لا يحدث أيضا، فلا يؤدي النجاح الانتخابي إلى تقدم سياسي، ولا يستقطب جهاز الدولة والمجتمع إلى قيادته إلا عددا قليلا من النواب السابقين والحاليين أو قادة النقابات والبلديات.

لقد أوصل مجلس النواب الحالي إلى واجهة العمل السياسي والتشريعي نحو سبعين شخصا على الأقل من الشباب العصاميين الذين لم يعتمدوا في نجاحهم على دعم سياسي ومالي، ولكنهم استطاعوا بناء قواعد من الناخبين قائمة على تجربتهم المهنية، وأقنعوا الناخبين بمؤهلاتهم الذاتية والعلمية.

وهذا إنجاز كبير يحسب للبرلمان والانتخابات النيابية، ولكنه إنجاز لم تستثمره الدولة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في تشكيل حراك سياسي واجتماعي وثقافي وتنموي.

الحياة السياسية الأردنية تواجه سؤالا قد يبدو مستغربا أو غير مفهوم لغير الأردنيين: لماذا لا تشكل "السلطة التنفيذية" حزبا سياسيا من مؤيديها وأنصارها أو من يمكن استقطابهم من المعارضة السياسية قائما على الوزراء والأعيان والنواب والنقباء المهنيين والعماليين ورؤساء البلديات والمهنيين وأساتذة الجامعات والمثقفين وكبار الموظفين؟

وما الذي يضطرها (السلطة التنفيذية) للاعتماد على مجموعة محدودة من الأشخاص يعاني عدد كبير منهم من العزلة والضحالة وعدم قدرتهم على تسويق أنفسهم في المجتمع والرأي العام، وهي قادرة على حشد الآلاف من أصحاب الكفاءات العالية والمتقدمة ومن المقنعين للناخب والمواطن، والقادرين على تشكيل حركة سياسية قادرة على التأثير في البرلمان والنقابات، وقادرة أيضا على ترسيخ وتسويق السياسات والمواقف الحكومية؟

ويعمل في الظل اليوم بعيدا عن السياسة والمشورة والتنظير والتخطيط في العمل الحكومي عدد كبير من المفكرين والأكاديميين والمسؤولين السابقين والنواب والشخصيات العامة والمهنية، وهم ليسوا من المعارضة، ومستعدون للمشاركة بكل ما يمكنهم لإنجاح السياسات والبرامج التي تتبناها الحكومات وتطويرها وإصلاحها على النحو الذي يتمناه المسؤولون في الحكومة والدولة.

ثمة شعور سائد ومهيمن بأن كعكة السلطة لا تكفي، ولكن الحقيقة أنها أكبر بكثير من المشاركين فيها، وأنهم قد يغصون بها، وقد يعجزون عن حملها ويضطرون لتركها دون قدرة على هضمها أو حملها أو احتكارها.

وأما الحقيقة الأكثر أهمية فهي أن موارد السلطة والمجتمع يمكن أن تتسع وتتضاعف بهذه المشاركة وأن احتكارها سيجعلها تتضاءل حتى تعجز عن تقديم الحد الأدنى.

الانتخابات والنصف الآخر من الكأس

"
يبدو أن معظم محاولات تفعيل مشاركة المرأة كان يغلب عليها طابع البزنس والعزلة، ونسمع عن تمويل كبير من الخارج لمثل هذه الحملات، ولكن العمل كان وهميا وموجها نحو اجتذاب التمويل ثم توفير أكبر قدر من هذه المبالغ أو إنفاقها في أنشطة أخرى
"
الواقع أن الانتخابات النيابية خاصة والبلدية والنقابية عامة قدمت إنجازات سياسية واجتماعية مدهشة وإن لم تؤثر كثيرا في الحياة السياسية الأردنية.

فقد أثرت كثيرا في حراك المجتمع وتفاعلاته وتجديد قياداته، وفي تحدي النخب السياسية والاقتصادية، وتؤشر أيضا على فاعلية كبيرة لدى المجتمع والناخبين أكثر ثراء من الحياة السياسية المتشكلة حول الحكومة والمؤسسات التابعة لها.

فالعدد الكبير من النواب المنتخبين ممن لم يسبق لهم أن تولوا منصبا كبيرا ولا يملكون ثروة طائلة، يؤشر على ثراء المجتمع وقدرته على الدفاع عن نفسه باختياراته هذه ليحمي فئات من المجتمع أضعفتها التحولات الاقتصادية، ويكسر الحلقة المغلقة في نادي النخب والتي يغلب عليها الوصول من مدخل المناصب العليا والمكانة الاقتصادية.

وربما يؤشر على حراك مجتمعي ناشط وحيوية اجتماعية، فالمجتمع القادر والراغب في تغيير قياداته وتجديدها هو الأقدر على استيعاب التحولات المحيطة، وفهم احتياجاته.

وقد رأى بعض المحللين في هذه الظاهرة مؤشرا على ضعف المجلس وعدم كفاءته، ولكن الفلسفة الأساسية للانتخاب هي اختيار ممثلين للمواطن يعبرون عن احتياجاته وأهدافه ويراقبون الحكومة التي تستمد وجودها وشرعيتها من الضرائب التي يدفعها ومن التزامه نحوها، وليس مطلوبا من النائب أن يكون خبيرا سياسيا أو اقتصاديا، ولكن ما يطلب منه هو الأمانة في تمثيل المواطن والتعبير عنه، وهذا هو مبرر انتخابه.

ولكن لماذا لم تنتخب امرأة في مجتمع متعلم وحيوي يمتلك نسبة عالية جدا من النساء المتعلمات تعليما عاليا تفوقن فيه على الذكور، واللاتي يشاركن في الحياة العملية ويسافرن للعمل والدراسة حتى من بنات الأسر المحافظة والمتدينة وفي الريف والبادية؟

إن رد عدم انتخاب المرأة إلى تخلف المفاهيم الاجتماعية والثقافية متسرع ويغفل القبول الاجتماعي والثقافي الكبير الذي تحظى به المرأة في المجتمع الأردني، ويتناقض مع إنجازات أخرى كثيرة لها تدل على قبولها وعدم تغييبها (نسبيا).

وقد يصلح لتفسير عدم نجاح المرأة أن المرشحات اللواتي تقدمن لم يكن يملكن -في نظر الناخب والناخبة- فرصة للنجاح، وأن الفرص المتاحة للمرأة في الحياة العامة رغم وفرتها أبقتها في عزلة عن الناخبين.

ويبدو لي أن معظم محاولات تفعيل مشاركة المرأة كان يغلب عليها طابع "البزنس" والعزلة، ونسمع عن تمويل كبير من الخارج لمثل هذه الحملات والبرامج، ولكن العمل كان وهميا وموجها نحو اجتذاب التمويل ثم توفير أكبر قدر من هذه المبالغ أو إنفاقها في أنشطة علاقات تفيد المشتغلين بها فقط.
___________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة