حسين عبد العزيز

حرب يوليو/تموز وفرص السلام
اجتماع أنابوليس

توقفت المفاوضات السلمية بين سوريا وإسرائيل في مفاوضات شيبرزتاون عام 2000 بسبب رفض سوريا احتفاظ إسرائيل بالضفة الشرقية لهضبة الجولان، ثم ما لبثت العملية السلمية بينهما أن دخلت في سبات مطبق مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وما أفرزته من تغير في طبيعة العلاقات الدولية انعكس بشكل مباشر على المشهد السياسي الإقليمي مع سقوط بغداد عام 2003.

وجدت إسرائيل في السياسة الأميركية الجديدة والمواقف الأيديولوجية لليمين الجديد الحاكم في واشنطن فرصة تاريخية للهروب من استحقاقات السلام مع الفلسطينيين أولا تحت عنوان ضرورة تطبيق الفلسطينيين البند الأول من خطة خارطة الطريق، ومع السوريين ثانيا تحت عنوان موت وديعة رابين، مع ما يعنيه ذلك من عودة المفاوضات إلى نقطة الصفر.

رفضت سوريا في البداية الشروط الإسرائيلية، لكن تحت ضغط الوقائع السياسية الجديدة في العراق أعلنت في منتصف 2003 رغبتها في استئناف العملية السلمية مع إسرائيل. موقف فسر أميركيا وإسرائيليا بأنه تعبير عن حالة ضعف تعتري النظام في سوريا، أو محاولة للهروب من عنق الزجاجة بفعل الضغوط الأميركية الكبيرة على دمشق من أجل تغيير سياستها الإقليمية.

في نهاية العام ذاته جدد الرئيس بشار الأسد دعوته للسلام عبر صحيفة نيويورك تايمز، حين أعلن لأول مرة أن سوريا لم تطرح شروطا مسبقة لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، ما فسر إسرائيليا بأن دمشق قبلت بالعودة إلى المفاوضات من نقطة الصفر وأنها في حالة ضعف، لكن الأولوية لا تزال للمشروع الإسرائيلي في فلسطين وللمشروع الأميركي في العراق، ولا مجال لفتح باب التفاوض مع سوريا المطالبة بتقديم تنازلات في العراق وفلسطين أولا.

في يناير/كانون الثاني 2004، ونتيجة الدعوات السلمية السورية المتكررة وكي لا تظهر أمام المجتمع الدولي كأنها تقف في الضفة الأخرى من السلام، أعلن أرييل شارون أن إسرائيل مستعدة للتفاوض مع سوريا إذا أوقفت مساعدتها لما سماه المنظمات الإرهابية في لبنان وفلسطين.

إعلان تكرر بعدها مباشرة من الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف الذي وجه دعوة علنية للرئيس الأسد لزيارة القدس والدخول في مفاوضات جادة مع إسرائيل تنتهي بتحقيق السلام، شرط أن تكون مفاوضات من دون شروط مسبقة.

رفضت سوريا دعوة كاتساف من حيث المبدأ، فهي غير واردة في القاموس العروبي السوري، ورفضت الشرط الإسرائيلي المتمثل بوقف دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

حرب يوليو/تموز وفرص السلام

"
على الرغم من أن فشل حرب يوليو/تموز 2006 قد منح سوريا متنفسا إقليميا، فإن وضعها في لبنان وشبح المحكمة الدولية المسلط عليها وانخراطها في المشروع الإيراني, جعلها ضعيفة في محيطها الجغرافي
"
استمرت الرسائل السلمية السورية حتى وضعت الحرب الإسرائيلية على لبنان أوزارها في منتصف أغسطس/آب 2006، حرب وجدت فيها دمشق انتصارا لها وللمقاومة في لبنان وفلسطين، فبدأ خطابها السياسي بالتشدد نحو إسرائيل والولايات المتحدة، ولتعلن في سابقة فريدة من نوعها في تاريخ السياسية السورية الحديثة أن سوريا ستلجأ إلى الحرب إذا لم تستجب إسرائيل للدعوات السلمية.

ومنذ ذلك الحين والتساؤلات مستمرة عن مستقبل العملية السياسية بين سوريا وإسرائيل، خصوصا أن أي معالجة لحزب الله والفصائل الفلسطينية يجب أن تمر من البوابة السورية.

وعلى الرغم من أن فشل حرب يوليو/تموز 2006 قد منح سوريا متنفسا إقليميا، فإن وضعها في لبنان وشبح المحكمة الدولية المسلط عليها أولا، وانخراطها في المشروع الإيراني في المنطقة بعدما كانت لسنوات المستقر الإقليمي للأطراف الرافضة للمشروع الأميركي ثانيا، جعلها ضعيفة في محيطها الجغرافي.

بالمقابل كانت تداعيات حرب يوليو/تموز على إسرائيل كبيرة جدا تتعدى في تأثيرها الأبعاد العسكرية والسياسية، حيث انكسر مفهوم الردع الإسرائيلي الذي يشكل نواة الدولة العبرية باعتبارها دولة استيطانية عدوانية في محيطها الجغرافي العربي، مع ما أفرزه ذلك من تضعضع المستويين السياسي والأمني العسكري.

وفي ضوء هذه المعطيات بدت فرص السلام بين سوريا وإسرائيل كبيرة بحسب تقرير صدر عن مركز الأزمات الدولية، وبحسب تصريحات المسؤولين في كلا البلدين، نظرا لحاجة كل طرف إلى اختراق إقليمي يعزز وضعيهما داخليا وخارجيا.

فالنسبة لإسرائيل يحقق التفاهم مع سوريا جملة من الأهداف:
- إفراز واقع جديد في جنوب لبنان قد ينتهي بتفكيك سلاح حزب الله.
- التفاهم مع سوريا سيضعف الموقف الفلسطيني الرسمي، وسيغطي لسنوات فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.
- إضعاف مواقف الحركات الراديكالية في الساحة الفلسطينية.
- السلام مع سوريا سيفتح باب العلاقات العربية مع إسرائيل إلى حد كبير.
- فك الارتباط الإستراتيجي بين سوريا وإيران.

وبالنسبة لسوريا ثمة أسباب أخرى تدفعها إلى عقد اتفاق سلام مع إسرائيل، منها:
- إعادة هضبة الجولان.
- السلام مع إسرائيل سينهي العزلة الدولية عليها، ويعيد ترتيب علاقاتها مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة.
 

"
التغيرات الإقليمية عقدت المشهد السياسي في المنطقة وأصبحت الملفات متداخلة، بعبارة أخرى ارتبطت العملية السلمية بين سوريا وإسرائيل بالظرف الإقليمي الموسوم بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران
"
- كما سيؤدي السلام مع إسرائيل إلى سيولة التدفقات المالية لسوريا في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوري الكثير من المشاكل.
- ولا شك أن أي اتفاق سلام مع إسرائيل سيعيد لسوريا وزنها الإقليمي الذي افتقدته في السنوات الماضية.

لكن هذه العوامل الهامة لكلا الطرفين لم تعد كافية، فالتغيرات الإقليمية عقدت المشهد السياسي في المنطقة وأصبحت الملفات متداخلة، بعبارة أخرى ارتبطت العملية السلمية بين سوريا وإسرائيل بالظرف الإقليمي الموسوم بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

فقبل سنوات كانت الشروط الإسرائيلية من سوريا مرتبطة بقضية الجولان وحدها (بضعة أمتار، المياه، الإنذار المبكر.. إلخ)، لكن بعد ذلك اتسعت المطالب الإسرائيلية الأميركية لتشمل المستوى الإقليمي.

فالمطلوب من سوريا الآن وقف دعمها للفصائل والمنظمات الراديكالية في فلسطين ولبنان، وإعادة النظر في علاقتها مع إيران، ناهيك عما هو مطلوب منها في العراق، وكذلك الأمر بالنسبة لسوريا فوقف الضغط الغربي وفك العزلة الدولية عنها، والاتفاق على عدد من القضايا بما فيها المحكمة الدولية المخصصة للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، تعتبر جزءا من السلام مع إسرائيل، إنها حزمة كاملة.

اجتماع أنابوليس
جاء اجتماع أنابوليس الذي دعت إليه الإدارة الأميركية كمحاولة لإحداث اختراق سياسي في المنطقة بعد تعثر المشروع الأميركي في العراق، وجهود واشنطن في دفع الأطراف الدولية للمضي قدما في دروب السياسة الأميركية حول إيران.

وكان طبيعيا أن ينصب اهتمام الإدارة الأميركية في أنابوليس على المسار الفلسطيني كونه أولا قضية دولية، وثانيا لأن فتح المسار السوري سيعتبر مكافأة لسوريا على مواقفها السياسية السابقة المناوئة للسياسة الأميركية.

كما أن فتح باب المفاوضات بين سوريا وإسرائيل سيقضي على كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة تجاه سوريا في السنوات السابقة، وسيبعثر سياستها في العراق وإيران ولبنان وفلسطين، كون هذه الخطوة ستعطي سوريا دعما دوليا سينعكس سلبا على حلفاء أميركا في المنطقة وعلى السياسة الأميركية في آن واحد.

"
إدراج الولايات المتحدة قضية الجولان في أجندة اجتماع أنابوليس لم يكن من أجل إعطاء دفعة للمسار السوري بقدر ما جاء لمنع سوريا من التشويش على الاجتماع بعدما أعلنت عن رغبتها في استضافة مؤتمر فلسطيني مناهض لأنابوليس
"
ولعل غياب مبادرات سلمية أميركية تجاه سوريا وإسرائيل في السنوات السابقة، ورفض إدراج قضية الجولان على جدول أعمال اجتماع أنابوليس في البداية، دليل على أن الخيار الأميركي نحو سوريا ليس خيارا سلميا بقدر ما هو خيار عسكري في حدوده القصوى أو خيارات سياسية واقتصادية في حدودها الدنيا.

وهذا ما عبّر عنه مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي بقوله إنه من الصعب في هذه المرحلة رؤية كيف يمكن لسوريا أن تنخرط في المسيرة السلمية، وهو ما عبّر عنه أيضا الناطق باسم الخارجية الأميركية شون ماكروماك بأن القناة السورية أقل نضجا بكثير من القناة الفلسطينية التي تركز عليها الإدارة الأميركية.

وعليه فإن إدراج الولايات المتحدة قضية الجولان في أجندة اجتماع أنابوليس لم يكن من أجل إعطاء دفعة للمسار السوري، بقدر ما جاء لمنع سوريا من التشويش على الاجتماع بعدما أعلنت عن رغبتها في استضافة مؤتمر فلسطيني مناهض لأنابوليس.

الأمر كذلك أيضا بالنسبة لإسرائيل، فعلى الرغم من خروج بعض التصريحات المؤيدة لفتح باب الحوار مع سوريا مثل وزير الدفاع إيهود باراك وبعض المسؤوليين الأمنيين، فضلا عن الحركات اليسارية المطالبة أصلا بالسلام، فإن الحكومة الإسرائيلية بزعامة أولمرت غير قادرة على تحريك المسار السوري لأسباب عدة، منها:

- عدم نضج المؤسسات السياسية والعسكرية لفكرة السلام مع سوريا في هذا الوقت، لا سيما بعد نتائج عدوان يوليو/ تموز 2006.
- لا تستطيع إسرائيل تحمل تبعات السلام على المسارين السوري والفلسطيني معا.
- السلام مع سوريا قد لا يقود إلى اتفاق حول القضايا الإقليمية التي تهم إسرائيل والولايات المتحدة.
- التحالف الإستراتيجي مع أميركا يمنع إسرائيل من الانفراد بالقرار السلمي، فإسرائيل ليست في وارد زعزعة علاقتها مع الولايات المتحدة من أجل سلام ضعيف مع سوريا.

أما بالنسبة لسوريا، فقد جاءت مشاركتها في أنابوليس لتحقيق هدفين: الأول عدم الظهور كمعطل لاستحقاقات السلام على المسار الفلسطيني، وثانيا لإيصال رسالة سياسية للأميركيين مفادها أن سوريا مستعدة للحوار معهم حول عدد من القضايا التي تهم الجانبين.

فسوريا ليست مضطرة إلى إعادة التفكير في علاقتها مع حلفائها الإقليميين في هذه المرحلة الحرجة على الإطلاق دون خطوات مقابلة من الطرفين الأميركي والإسرائيلي.

"
لا تبدو سوريا وإسرائيل راغبتين في تحريك العملية السلمية على الأقل في هذه المرحلة، فإسرائيل ليست في وارد تحريك السلام مع سوريا في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية السائدة، وسوريا ليست في وارد تحريك العملية السلمية في ظل الإدارة الأميركية الحالية
"
فرغم قناعتها بأن وضعها الإقليمي قد تراجع في السنوات الأخيرة لصالح حليفتها إيران، فهي تدرك بعمق أن أي تنازل أو تراجع في علاقتها هذه ستلحق بها ضررا سياسيا واقتصاديا كبيرا لا تتحمله، فهذه الأوراق الوحيدة التي تساوم بها دمشق.

وقد تعززت قناعة القادة السياسيين السوريين بأهمية هذه الأوراق بفعل تراجع المشروع الأميركي في المنطقة، والهزيمة التي منيت بها إسرائيل في لبنان العام الماضي، وتقرير بيكر هاملتون الذي أوصى بالحوار مع دمشق، وما أعقبه من زيارات للمسؤوليين الأميركيين والأوروبيين لها.

ترى سوريا أن أي محاولة لإعادة التفكير في علاقتها مع حلفائها يجب أن تكون من نتائج السلام مع إسرائيل وليس مقدمة له، فمثل هذه الخطوة ستعني موت السياسة السورية في المنطقة.

إذ إن تحريك المسار السلمي مع إسرائيل سترتب عليه التزامات في فلسطين ولبنان والعراق هي في غنى عنها، كما أن سوريا لا تثق بالوعود الأميركية الإسرائيلية، ولا تفتأ تذكر زوارها الغربيين بالوعود التي أطلقها الراعي الأميركي بشأن القضية الفلسطينية ولم يستجب لها.

وبناء على ما تقدم لا تبدو سوريا وإسرائيل راغبتين في تحريك العملية السلمية على الأقل في هذه المرحلة، فإسرائيل ليست في وارد تحريك السلام مع سوريا في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية السائدة، وسوريا من جانبها ليست في وارد تحريك العملية السلمية في ظل الإدارة الأميركية الحالية.
ــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك