طارق الكحلاوي

موقف مصادر القرار
رؤى تشارك في صناعة القرار
إسهامات مراكز الأبحاث والأكاديميين
خلاصة

يبدو تحديد الموقف الرسمي الأميركي من "الإخوان المسلمين" صعبا للغاية لعدد من العوامل منها تعدد وتباين الأطراف المشاركة بأشكال مباشرة وغير مباشرة في صنعه.

ويعقد كل ذلك تسرع بعض التحليلات التي يمكن أن تمنح بعض الدراسات التي تصدرها مراكز بحث ربما تكون مقربة من الإدارة الأميركية أهمية وصيتا أكثر مما تستحق.

غير أن كل ذلك يبدو بنفس أهمية عامل آخر في هذا المشهد المعقد وهو بكل بساطة تردد الإدارات الأميركية المتعاقبة إزاء تحديد موقف معمق وشامل من ظاهرة "الإخوان"، والاقتصار على تقييمات سريعة موجهة لملء مؤقت لفراغات في مستوى السياسة التنفيذية.

موقف مصادر القرار
لا يبدو من المفاجئ أن يكون الموقف الرسمي الأميركي المعلن تجاه تنظيم "الإخوان المسلمين" غامضا. ومن أبرز لحظات هذا الغموض في الفترة الأخيرة تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في الربيع الماضي عندما بادرت إلى استبعاد استقبالها قياديين "إخوانيين" عند زيارتها مصر بدعوى أن تنظيمهم "غير قانوني" طبقا للقانون المصري.

في مقابل ذلك نظمت السفارة الأميركية في القاهرة لقاء في أبريل/ نيسان الماضي بين ستيني هوير ثاني أهم نائب في الأغلبية الديمقراطية بمجلس النواب الأميركي وبين مجموعة من نواب مجلس الشعب المصري كان من أهمهم زعيم كتلة "الإخوان" في المجلس محمد الكتاتني.

"
في نظرة إجمالية للأرشيف الأميركي يمكن الخروج بانطباع أكثر انسجاما يبدو فيه الموقف الأميركي من القوى الإسلامية -وتحديدا من الإخوان- ثابتا على مدى نصف القرن الماضي من الريبة تصل أحيانا إلى الاستعداء
"

وعموما يبدو هذا الغموض في التصريحات العلنية مصدر اضطراب كثير من التحليلات للموقف الأميركي تجاه "الإخوان".

وعلى سبيل المثال سادت لدى البعض على مدى الحرب الباردة تقديرات تتحدث عن تحالف أميركي مع الإسلاميين -بمن فيهم "الإخوان"- لمواجهة النفوذ السوفياتي، الأمر الذي يبدو في مسار متناقض مع الاشتباك القوي بين الإدارة الأميركية و"الثورة الإيرانية" وهي التي نجحت بسرعة في تشكيل تحالفات واسعة في المنطقة على مستوى القوى الإسلامية.

إن الرؤية التي تحاول استقراء النظرة الأميركية الرسمية على مدى طويل رؤية صائبة بالأساس لكنها تحتاج إلى الاستعانة بمصادر أكثر ثقة مثل المصادر الأرشيفية.

ففي نظرة إجمالية للأرشيف الأميركي الخاص بمختلف المؤسسات السياسية والاستخبارية، أمكن لي الخروج بانطباع أكثر انسجاما يبدو فيه الموقف الأميركي من القوى الإسلامية -وتحديدا من "الإخوان"- ثابتا على مدى نصف القرن الماضي على درجة عالية من الريبة تصل أحيانا درجة الاستعداء.

ولو أن هذا الموقف كان دوما متعلقا بتقييمات سريعة ومختصرة تتعرض "للإخوان" ضمن ظرفيات وإشكاليات عامة. ومن بين أولى الوثائق الأميركية التي تتعرض "للإخوان" تقرير (بتاريخ 16 أكتوبر/ تشرين الأول 1947) من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي آيه) عرفهم بأنهم "معادين لأي تدخل أجنبي في العالم العربي".

ولا تختلف الوثائق الأرشيفية في مراحل لاحقة عن هذا التقييم السلبي حتى عند الحاجة الأميركية للبحث عن حلفاء في الداخل المصري لمواجهة القيادة الناصرية الصاعدة خلال الخمسينيات والستينيات.

فقد تم وصف "الإخوان" بشكل متكرر "بالرجعية" وممارسة "أعمال إرهابية" (مثلا في تقرير الاستخبارات المركزية يوم 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1955).

وهو ما انطبق على تنظيمات إخوانية أخرى في مراحل لاحقة وفي أوضاع مشابهة، بما في ذلك "إخوان" سوريا حيث وقع تصنيفهم ضمن "التنيظيمات الإرهابية" (تقرير الاستخبارات المركزية يوم 1 يونيو/ حزيران 1981).

لكن الموقف الأميركي لم يتوقف عند التقييم السياسي والفكري الإجمالي بل تعداه لرصد وزن "الإخوان" المتصاعد خاصة فيما بعد حرب 1967.

"
التقارير الأرشيفية منذ الستينيات حتى بداية الثمانينيات تشير بشكل واضح إلى وعي أميركي بنمو شعبية الإخوان، مع الاعتقاد بإمكانية تحوير مواقفهم كلما انخرطوا في العمل السياسي
"
فالتقارير الأرشيفية منذ تلك الفترة حتى بداية الثمانينيات تشير بشكل واضح إلى وعي أميركي بنمو شعبية "الإخوان" مع الاعتقاد بإمكانية تحوير مواقفهم كلما انخرطوا في العمل السياسي.

إذ نجد في تحليل قديم -ولكن معبر تماما في الظروف الراهنة- للخارجية الأميركية (بتاريخ 1 يناير/ كانون الثاني 1969) الإشارة إلى "الإخوان" كنموذج "يميني" سيأتي يوم يغير مواقفه الفكرية نحو اتجاهات أكثر "ليبرالية" تحت الضغوط السياسية.

وهنا تبدو بعض تأويلات الموقف الأميركي من انتصار حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة منسجمة تماما مع هذا الموقف القديم، إذ تشير إلى تعويل الإدارة الأميركية على دور الممارسة السياسية في صفوف السلطة لتحوير مواقف الحركة الفلسطينية ذات الارتباطات "الإخوانية".

وهذا التعامل المزدوج -أي بين المواجهة ومحاولة الترويض- يبدو أكثر وضوحا في تعامل الإدارة الأميركية مع مؤسسات في الداخل الأميركي يشير المراقبون إلى ارتباطاتها "الإخوانية".

ففي مقابل إصرار السلطات الفدرالية على المشاركة في المؤتمر السنوي لمنظمة "الجمعية الإسلامية لشمال أميركا" (إيسنا) رغم الحملة التي قام بها البعض باعتبارها "واجهة للإخوان" وأن الأخيرين "مصدر العديد من التنظيمات الإرهابية"، قامت السلطات نفسها بتتبع مؤسسة "الأرض المقدسة" خلال الأشهر الأخيرة على أساس وجود "مؤامرة إخوانية للسيطرة على أميركا".

رؤى تشارك في صناعة القرار
يوجد نموذجان
 لعلاقة الموقف من "الإخوان"، على الرؤى النابعة من استشارات حكومية لمحللين ليسوا بالضرورة مصادر لاتخاذ القرار.

النموذج الأول تقارير "مجلس الاستخبارات القومية" الأميركي الذي يقوم بشكل دوري بإصدار بحوث استشرافية توضغ فيها توقعات عامة للسنوات الخمس عشرة القادمة.

يتم في هذا الإطار استشارة خبراء دوليين غير حكوميين عدد منهم غير معلن. هناك بالتحديد تقريران نشرا في السنوات الأخيرة يقع فيهما التعرض لدور التيار الإسلامي بشكل عام ثم "للإخوان" بشكل خاص.

فقد صدر في ديسمبر/ كانون الأول 2004 تقرير "مشروع 2020" الذي يؤكد الاستنتاجات العامة التي تم التوصل إليها في تقرير "مشروع 2015" الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 2000 والتي تتحدث عن الجاذبية الشعبية الجارفة المرتقبة مع حلول العام 2015 للإسلام السياسي في جميع أشكاله، وبأنه المرشح للوصول إلى السلطة في حالة توجه دول شرق أوسطية نحو الليبرالية السياسية.

وقد راجع "مجلس الاستخبارات القومي" هذه النتائج العامة في ورشة عمل خاصة بالمنطقة العربية تميزت بنقاشات أكثر تفصيلا وبحضور عدد أكبر من الخبراء وصدرت في تقرير خلال مايو/ أيار 2005 بعنوان "خريطة مستقبل الشرق الأوسط".

وأمام تشكيك بعض المشاركين في تمسك القوى الإسلامية بالتداول الديمقراطي في حالة إمساكهم بالسلطة، ركز البعض على برنامج "الإخوان" المعلن عام 2004 وعلى التنسيق المتزايد بينهم وبين قوى ديمقراطية مثل حركة "كفاية" كمؤشرات للتدليل -حسب رأيهم- على "تعهد بالنهج الديمقراطي".

النموذج الثاني على هذه الرؤى المشاركة في صناعة الموقف الرسمي نجد على سبيل المثال التقارير التي قدمها مكتب "خدمة البحث في الكونغرس" عام 2006 و خاصة تلك المتعلقة بمصر.

"
هناك نموذجان في التعامل مع الإخوان: الأول ينطلق من أن الإسلام السياسي هو المرشح للوصول إلى السلطة وبالتالي لابد من التنسيق معه على أساس تعهده بالنهج الديمقراطي, والثاني يدعو للخوف والحذر من سياسته الخارجية وتحديدا فيما يخص إسرائيل
"

وقد كتب جزءا هاما منها جيريمي شارب، وهو باحث في شؤون الشرق الأوسط مقرب من أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس.

ففي تقرير خاص بمصر في يوليو/ تموز 2006 يقع التنصيص على اعتقاد "غالبية المحللين" بأن "الإخوان" هم الطرف الأقدر في مصر على تجنيد معارضة شعبية مؤثرة، رغم الغموض حول مدى التأييد الذي يحظون به والاختلاف حول ما إذا كان من مصلحة "الغرب" الدفع باتجاه إدماجهم بشكل واسع في الحياة السياسية.

وقد سبق صدور هذا التقرير في يونيو/ حزيران 2006 تقرير من نفس المصدر حرره جيريمي شارب بعنوان "السياسة الأميركية لترويج الديمقراطية في الشرق الأوسط.. المعضلة الإسلامية".

وهنا من الواضح أن مجمل التحليل يتجه إلى الحذر من البديل الذي يمكن أن يطرحه "الإخوان" في مصر على أساس التخوف من آفاق سياستهم الخارجية عموما وفي علاقتهم بالصراع العربي الإسرائيلي تحديدا.

وما يلفت الانتباه هو استعانة شارب للتدليل على هذا التخوف بمقاطع فيديو مختارة ومترجمة إلى الإنجليزية من قبل "معهد البحث في إعلام الشرق الأوسط" الممول إسرائيليا، تظهر ما أسماه الكاتب تصريحات "معادية للسامية" من قبل قيادات "إخوانية".

إسهامات مراكز الأبحاث والأكاديميين
حول هذه الحلقات الرسمية وشبه الرسمية توجد أطياف بحثية وأكاديمية ذات تأثيرات متنوعة ومتفاوتة في تشكيل الموقف الأميركي من "الإخوان المسلمين".

فمراكز الأبحاث "الثينك تانك" لا يمكن تصنيف مواقفها من "الإخوان" كما هو معتاد على أساس إما جمهوري و إما ديمقراطي، إذ تبدو الصورة أكثر تعقيدا.

فهناك مثلا مراكز بحث مقربة من الجمهوريين ومقربة من الإدارة الحالية أضحت تختلف جذريا في تقييمها لظاهرة "الإخوان".

فمن جهة أولى يوجد تيار من داخل المحافظين الجدد، وبعكس مواقف محافظين جدد آخرين، يضع جميع التيارات الإسلامية وخاصة "الإخوان المسلمين" في نفس السلة مع "القاعدة" وبقية التنظيمات التي تمارس العنف، ممثلا على وجه الخصوص بدانيال بايبس والمراكز التي ينشط فيها، خاصة "منتدى الشرق الأوسط" الذي يديره.

ويرفض بايبس بشدة تصنيف الإسلام السياسي إلى "معتدلين" و"متطرفين" حيث يعتبر جميع الإسلاميين "متطرفين" بالضرورة، في حين أن "المعتدل" هو تحديدا "المسلم غير الإسلامي".

ويقود بايبس عموما مع مقربين منه مثل ستيفن إيمرسون حملات منتظمة ضد "الإخوان" والمؤسسات المحسوبة عليهم خاصة في الداخل الأميركي بما في ذلك الحملة الأخيرة على مؤسسة "الأرض المقدسة".

في الجهة المقابلة تبرز أصوات متصاعدة من داخل مراكز بحث محسوبة على الجمهوريين للمناداة بإشراك "الإخوان" في الحياة السياسية. وعلى سبيل المثال فإن باحثين من "مركز نيكسون" لأبحاث الأمن القومي هما روبرت لايكين وستيفن بروك -رغم تسجيلهما تباينا مصلحيا في عدد من المستويات- دافعا في مقال في عدد مارس/ أيلول-أبريل/ نيسان 2007 من نشرية "شؤون خارجية"، عن إمكانية "التعاون" بين الإدارة الأميركية و"الإخوان" في ملفات محددة مثل "مواجهة القاعدة، والتشجيع على الديمقراطية، ومقاومة التأثير الإيراني المتسع".

ومن الواضح أن الفارق بين هاتين الرؤيتين يكمن تحديدا في تقييم الأولويات في علاقة بموقع إسرائيل في الإستراتيجية الأميركية، إذ إن الرؤية الأخيرة لا تعتبر ضمنيا الاختلاف حول طريقة تسوية الصراع العربي الاسرائيلي بين الإدارة الأميركية و"الإخوان" مسألة جوهرية ومن ثم عقبة أمام التنسيق في ملفات أخرى.

"
رغم استمرار الموقف الرسمي الأميركي على مستوى عدم الثقة في إمكانية التعاون مع الإخوان, فإن صانع القرار الأميركي يقع بشكل متزايد تحت تأثير مواقف متضاربة تساهم في زعزعة ثقته في نجاعة أسلوب الاستبعاد والتجاهل الراهنين
"
وعلى منوال هذا الموقف تبرز مواقف مماثلة تدافع عن الحوار مع "الإخوان" من قبل مراكز أبحاث أخرى مقربة من الديمقراطيين مثل "مركز سابان" التابع لمعهد "بروكينغز" ولكن مع التركيز على ضرورة إيجاد تسوية مشتركة في علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي.

بعيدا عن "الثينك تانك" ينشط أكاديميون أكثر تحررا من الارتباطات السياسية والاستنتاجات المتعلقة بالسياسة التنفيذية في ملف "الإخوان".

فقد بدأ يبرز متخصصون يتميزون بدراسات معمقة تتجاوز الظاهر السياسي لمحاولة فهم شعبية وانتشار "الإخوان" بالنظر إلى العوامل الاجتماعية والثقافية.

ينطبق ذلك مثلا على أبحاث كل من الجامعيتين الكندية جانين كلارك والأميركية جيليان شويدلير اللتين جلبتا الانتباه في السنوات الأخيرة بدراسات ميدانية "لإخوان" مصر والأردن واليمن، تستعمل المقاربات التفسيرية لباحثين أساسيين في الموضوع اقتصروا على تحليل النصوص "الإخوانية" مثل جون إسبوزيتو.

خلاصة
إن المعطيات أعلاه تشير إلى استمرار الموقف الرسمي الأميركي على مستوى عدم الثقة في إمكانية التعاون مع "الإخوان" بالنظر إلى الاختلاف بين مشروع كل طرف.

لكن رغم ذلك يقع صانع القرار بشكل متزايد تحت تأثير مواقف متضاربة تساهم في زعزعة ثقته في نجاعة أسلوب الاستبعاد والتجاهل الراهنين، خاصة عندما تتزايد المؤشرات الاستشرافية الأميركية على أن الإسلام السياسي السلمي عموما ممثلا أساسا في "الإخوان"، هو الطرف الرئيسي القادر على ضمان تسويات جدية في المنطقة.

كما أن الوقت ليس في مصلحة النفوذ الأميركي المتراجع الذي سيزداد تراجعا في العشريات القادمة حسب توقعات "مجلس الاستخبارات القومية" الأميركي ذاته (انظر خلاصات "مشروع 2015" و"مشروع 2020")، وهو على الأرجح ما سيجعل الرؤى البحثية والأكاديمية غير المرتهنة بأولوية المصلحة الإسرائيلية في المنطقة والمهتمة أكثر بتحليل معمق للظاهرة "الإخوانية"، على قدر متزايد من التأثير لدى صانع القرار.

في مقابل ذلك يبدو أن التململ الراهن في قيادة "الإخوان" في علاقة بتحديد مشروعهم الإستراتيجي بما في ذلك طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وهو ما اتضح في الأسابيع الأخيرة عند إعلان رؤيتهم في الحكم، تؤكد التوقعات الأميركية حول تأثير الممارسة السياسية في الرؤى "الإخوانية".
ــــــــــــــ
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك