وحيد مفضل

وحيد مفضل

باحث وكاتب علمي مصري


عواقب النمذجة
الوجه الآخر لسيناريوهات الغرق
عناصر الإثارة والجاذبية في مشهد الغرق
الاحتياط من الخطر أم الانزواء خلف السدود؟

يبدو أن الحديث عن ظاهرة الاحتباس الحراري وتداعياتها المستقبلية لن ينقطع، بل سيبقى قضية الساعة وكل ساعة خلال الفترة القادمة، ليس فقط بين أوساط الخاصة ممن على علم بحجم هذه المشكلة بل أيضاً بين أوساط العامة لاسيما في مصر وعدد آخر من البلاد العربية حالياً.

وهذا بسبب الظلال الكئيبة التي أوجدتها نتائج بعض التقارير العلمية الصادرة مؤخراً، وتحذيراتها المتتالية باحتمال غرق مناطق ساحلية كثيرة في العالم وبعضها عربية في يم عميق، وهذا إذا ما استمرت وتيرة الاحتباس الحراري على معدلاته الحالية دون نقصان.

في تقرير حديث صادر مثلاً عن البنك الدولي، تم فيه إجراء دراسة مقارنة للأضرار المتوقع حدوثها على حوالي 84 دولة حول العالم منها 13 دولة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، إذا ما ارتفع مستوى سطح البحر من 1 إلى خمسة أمتار، تبين من خلال نتائج هذا التقرير أن مصر وتونس وقطر والإمارات العربية المتحدة سوف تكون أكثر دول المنطقة تأثراً بهذا الارتفاع، حيث عرض التقرير في ذلك أرقاماً وبيانات مفزعة عن عدد السكان ومساحة المناطق العمرانية والزراعية المحتمل تضررها.

وقد كان من الطبيعي أن يعم القلق أرجاء كثيرة من العالم العربي بسبب هذه التقارير، لكن القلق في مصر كان مضاعفاً بحيث وصل إلى حالة من الفزع، وهذا بسبب كثافة التناول الإعلامي للمشكلة مع تدخل كثير من غير أهل الاختصاص في الأمر، وتناول القضية في أحيان كثيرة في إطار معلومات منقوصة أدت بالتبعية إلى إفتاءات علمية مغلوطة، إلى الحد الذي تصور معه كثير منا أن أمر غرق الدلتا أصبح لا مناص منه، وأن مدنًا كثيرة شمال مصر زائلة لا محالة إلى البحر!

والواقع أن الصورة ليست على هذا النحو المرعب، لا في مصر ولا في غيرها، فمع الاعتراف بأن قضية التغير المناخي أصبحت شيئاً واقعاً وأن أثارها باتت ملموسة في كثير من المناطق، فإن غرق المناطق الساحلية بصفة عامة ودلتا النيل بصفة خاصة أمر لازال محل جدل، وهناك كم كبير من المعطيات والمعلومات العلمية المغيبة عنا التي يجدر بل وينبغي توضيحها وإجلاؤها.

عواقب النمذجة
تنبني غالبية النظريات والأبحاث المعنية بدراسة مخاطر ارتفاع سطح البحر، والمفترضة وقوع أكثر من سيناريو لغرق المناطق الساحلية بسبب التغير المناخي، على فكرة بسيطة للغاية هي أن استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري سوف يؤدي إلى ذوبان مساحات متزايدة من الكتل الجليدية بالقطبين الشمالي والجنوبي وكذلك إلى زيادة حجم الكتل المائية بالبحار والمحيطات بفعل عامل التمدد.

وهذا بدوره سوف يؤدي إلى ارتفاع مستوى البحر بمقدار ما يتناسب مع حجم الزيادة الحادثة في درجة الحرارة، مما يعني تقدم البحر وجوره على أجزاء شاسعة من الأراضي الساحلية المنخفضة وربما غمرها للأبد.

أما الآلية التي تعتمد عليها غالبية هذه الدراسات في تحديد نسبة الارتفاع المتوقع في سطح البحر وفي حساب المساحات المهددة بالغرق، فهي "النماذج الرياضية" أو ما يعرف بأسلوب "النمذجة" أو "المحاكاة الرقمية".

"
تطبيق النماذج الرياضية بخاصة في مجال التنبؤ بالمناخ وفي محاكاة ديناميكية المحيطات هو أمر لا زال خاضعا للاجتهاد ولا زال في طور التطوير, وإن كان بدأ يتقدم ويحقق نجاحاً ملموساً الفترة الأخيرة
"
والنمذجة بصفة عامة هي أسلوب علمي مستحدث ذاع وانتشر استخدامه بعد اختراع الحاسوب، ويلجأ إليه العلماء عادة عندما يصعب تقليد أو تنفيذ تجربة ما عملية على أرض الواقع.

وفيما يخص النماذج الرياضية العاملة في مجال التنبؤ بالمناخ فهي تحاول محاكاة الواقع وتمثيل ما يمكن أن يحدث في المستقبل، وذلك من خلال قدرتها على إيجاد الرابط بين نظام ما (مثل الغلاف الجوي أو البحار والمحيطات) والعوامل المؤثرة فيه، واستنهاض تلك العلاقة في المستقبل من أجل معرفة تداعيات هذا التأثير.

وهناك أنواع كثيرة لنماذج التغير المناخي تتباين فيما بينها في أسلوب العمل ونوعية البيانات والمتغيرات المدخلة إليها، لكنها تشترك جميعاً في أنها تتطلب كماً كبيراً من البيانات والمدخلات النظرية والعملية، مما يعني أن عدم دقة مدخل واحد يمكن أن يؤدي إلى تغيير دقة جميع نتائج ومخرجات النموذج المطبق، وهي في حالتنا هذه سيناريوهات الغرق.

والحقيقة أن هذا الأسلوب بدأ يتقدم ويحقق نجاحاً ملموساً الفترة الأخيرة، مما يفترض أن استخدامه في التنبؤ بمقدار الارتفاع الحادث في مستوى البحر ومقدار المساحات المهددة بالغرق بسبب الاحتباس الحراري، لابد وأن يكون واعداً ومقارباً بشكل كبير للواقع المستقبلي.

ورغم أن هذا الرأي صحيح إلى حد ما فإن الواقع يقول إن تطبيق النماذج الرياضية بخاصة في مجال التنبؤ بالمناخ وفي محاكاة ديناميكية المحيطات، هو أمر لا زال خاضعا للاجتهاد ولا زال في طور التطوير.

كما أن هناك اختلافات واضحة بين نتائج بعض النماذج وبعضها الآخر بما في ذلك تلك النماذج التي أعدتها اللجنة الدولية للتغير المناخي ذاتها، مما يعني أنه لا يجب أبداً أخذ الأمور على عواهلها، واعتبار مخرجات أو سيناريوهات هذه النماذج كأنه أمر مسلم به.

الوجه الآخر لسيناريوهات الغرق
فضلاً عن إشكاليات نمذجة التغير المناخي، هناك في الواقع أكثر من ملحوظة وحقيقة علمية أخرى قد تم إغفالها في معظم النقاشات والحوارات الإعلامية الدائرة، مما ساهم في زيادة قتامة وكآبة مشهد سيناريوهات الغرق، لذا قد يكون من الجدير هنا إلقاء بعض الضوء على أهمها، وهي كالتالي:

- غرق الدلتا والأماكن الساحلية الأخرى المنخفضة في العالم مبني أساساً على نظرة تشاؤمية باستمرار ارتفاع الحرارة وذوبان الجليد، وعلى فشل المجتمع الدولي في الحد من انبعاثاته الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، لكن الأمل مع ذلك باق ولم يفقد.

"
ينبغي إدراك أن الغرض الأساسي من وراء إصدار لجنة التغير المناخي وغيرها من الهيئات العلمية لأكثر من سيناريو وتقرير للغرق، لم يكن بالطبع إحداث بلبلة أو نشر الفزع في نفوسنا بل فقط إشعارنا بجسامة تداعيات التغير المناخي
"
إذ هناك نظرة مقابلة تفاؤلية بإمكان الحد من معدلات التلوث الحالية، وبإمكان نجاح الجهود والتدابير الدولية الجارية حالياً في وقف تلك الظاهرة، وبالتالي انتفاء خطر ارتفاع مستوى البحر وغيرها من التداعيات المستقبلية.

- أغلب التقديرات التي ذكرت عن حجم المناطق الساحلية المعرضة للغرق بخاصة منطقة الدلتا، اعتمدت على تقييم سريع وغير دقيق لمناسيب وارتفاعات تلك المناطق، مفترضة انخفاض معظم أراضيها عن مستوى البحر، هذا في حين توضح القياسات الحقلية وخرائط التضاريس الدقيقة تباين ارتفاعاتها ومناسيبها، ووجود بعض وسائل الحماية الطبيعية والصناعية بها، وهو ما يقلل كثيراً من الخسارة الناتجة (إذا) ما ارتفع فعلاً مستوى البحر.

- ارتفاع مستوى سطح البحر (إذا ما تحقق) لن يكون فجائياً ولن يهجم علينا كالطوفان الأول مثلما هو متخيل، بل سيكون على أي حال تدريجياً وبدرجة لا توجد أي خطر مباشر على الثروة البشرية. وستكون بالطبع هناك خسائر في المنشآت والبنية الأساسية، لكن ستكون هناك أيضاً فرصة كافية لاتخاذ إجراءات السلامة اللازمة.

وعلى أي حال ينبغي إدراك أن الغرض الأساسي من وراء إصدار لجنة التغير المناخي وغيرها من الهيئات العلمية لأكثر من سيناريو وتقرير للغرق، لم يكن بالطبع إحداث بلبلة أو نشر الفزع في نفوسنا وأواسطنا كما هو واقع، بل فقط إشعارنا بجسامة تداعيات التغير المناخي وبخطورة ما يمكن أن يحدث لو لم نهتم بمعالجة الأمر.

وقد حرصت في وصفها لنتائج تلك السيناريوهات على استعمال معان وتعبيرات محددة وغير جازمة مثل "محتمل"، "من الوارد"، "قد تتعرض"، وغيرها، مما يفيد الاحتمال وعدم اليقين، متبعة في ذلك المنهج العلمي ومبتعدة عن المزايدة.

عناصر الإثارة والجاذبية في مشهد الغرق
الواقع أن التنبؤ بأمر غرق الدلتا وغيرها من المناطق الساحلية وإصدار أكثر من سيناريو للغرق على خلفية الاحتباس الحراري، ليس مسألةً جديدةً على الإطلاق ولا يمكن اعتبارها كشفاً علمياً محققاً، وهو ما صورته معظم التقارير والنقاشات الإعلامية التي تناولتها مؤخراً، بل على العكس تماماً فالدراسات الخاصة بهذا الموضوع وتحديداً على منطقة دلتا النيل تعود إلى أكثر من 19 عاماً مضت.

السؤال المنطقي الآن: ما هو الجديد إذن؟ وما الذي استدعى كل هذا الاستنفار الإعلامي في المنطقة من أجل مناقشة قضية علمية يعود إصدارها الأول إلى حوالي عقدين ماضيين، ولا يوجد فيها أي معطى علمي جديد منذ ذلك الحين سوى بعض التحديث لسيناريوهات الغرق؟

هناك في الواقع أكثر من عامل ربما ساهم بشكل أو آخر في صعود قضية تداعيات التغير المناخي وبخاصة احتمال ارتفاع مستوى البحر، إلى بؤرة اهتمام المشاهد في منطقتنا ومناطق أخرى من العالم.

أول هذه العوامل في اعتقادنا هو فوز اللجنة الدولية للتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة، مناصفة مع آل جور، بجائزة نوبل للسلام لهذا العام. وهذا بلا شك حدث هام ولافت للغاية، وكفيل بتسليط مزيد من الضوء على القضية التي بسببها نالت اللجنة وآل جور جائزة رفيعة بمثل هذا الحجم، وكفيل أيضاً بإعطاء مصداقية لكل ما يصدر عن لجنة المناخ وربما آل جور بشأن تداعيات التغير المناخي.

من العوامل المؤثرة أيضاَ إقحام قضايا البيئة وبخاصة مسألة التغير المناخي وتداعياتها في أحداث سياسية واقتصادية عالمية كثيرة مرت وفرضت نفسها علينا خلال الفترة الأخيرة، وأقربها نتائج الانتخابات في أستراليا.

وقد أدى هذا إلى تولد انطباع غير مباشر لدي المشاهد العادي بأهمية تلك القضية تحديداً، وبحقيقة المخاطر التي يمكن أن تفرضها علينا، وهو ما أهله لتصديق كل ما يتداول بشأنها، ومن ذلك سيناريوهات الجدل سابقة الذكر.

وإذا أضفنا إلى هذا، المعاناة اليومية التي بدأنا جميعاً نستشعرها في كل يوم بسبب تقلب وتلعثم الطقس بغير ميعاد، مع ما بدأت مسامعنا تعتاد عليه من كوارث طبيعية متلاحقة، المتهم الأول فيها هو التغير المناخي، تبقى إذن النتيجة المنطقية لكل ذلك هي تحول اهتمامات الفرد العادي نحو الاعتقاد في كل ما يقال عن التغير المناخي وبقية تداعيات الاحتباس الحراري.

نفس هذه المستجدات قد تفسر أيضاً أسباب ذلك التهافت الإعلامي غير المسبوق وغير المعهود في الإعلام المصري والعربي عموماً لمناقشة سيناريوهات الغرق المحلية، هذا مع الاعتراف بأن الأمر يستحق وأن فيه من الخطورة ما يستدعي بالطبع كل انتباه.

الاحتياط من الخطر أم الانزواء خلف السدود؟

"
يجب الالتفات لأن يكون الحل شاملاً ضد التغييرات البيئية وذلك من خلال مراجعة سلوكياتنا الخاطئة ونمط حياتنا الاستهلاكي غير العابئ بقدرات النظم البيئية, ومن خلال تكاتف الجميع من أجل وقف التدهور الحادث في مقدرات البيئة
"
بغض النظر عن مدى نجاح وسائل الإعلام بالمنطقة في عرض سيناريوهات الغرق، وبيان واقعها العلمي الحقيقي للمشاهد العربي، فإن المقصود من العرض السابق إيضاح أن تقارير غرق الدلتا وغيرها من المناطق الساحلية، وإن بنيت ملاحظاتها وتوقعاتها على مؤشرات واقعية، لا تخرج عن كونها مجرد نظريات لازالت محل بحث واجتهاد بما لا يمكن الجزم معه بأن تنبؤاتها سوف تتحقق في الغد.

وليس هذا تهوينا من القضية، ولا هي دعوة للتواكل وعدم الاستعداد للغد أو لعدم الالتفات للنتائج العلمية الصادرة بشأنها، بل هي دعوة للالتفات إلى أن الأمر ليس نبوءة ينبغي تصديقها والإيمان بها، إلى حد التسابق في حرث البحر وبناء مصدات بحرية وسدود وهمية، كما أوصى بذلك أحد الخبراء المزعومين في لقاء مباشر معه في واحد من أكثر البرامج جماهيرية في مصر.

الحقيقة أنه سيكون من العبث تركيز اهتماماتنا وجهودنا على التفكير في كيفية وقف تقدم البحر، في حين أن الاحتباس الحراري إذا ما استمر على معدلاته الحالية قد يتسبب لنا في مشاكل أكبر وأخطر من ذلك بكثير.

هناك حروب وعواصف وفيضانات وجفاف وشح في المياه وغير ذلك من الكوارث المدمرة، هل ستحمينا حينها السدود والحواجز البحرية المقترح بنائها؟ وماذا يفيد علاج العرض في ظل عدم انتفاء السبب؟

من هنا يجب الالتفات لأن يكون الحل شاملاً، وذلك من خلال (مثلاً) مراجعة سلوكياتنا الخاطئة ونمط حياتنا الاستهلاكي غير العابئ بقدرات النظم البيئية المحيطة، ومن خلال تكاتف الجميع أفرادا وحكومات من أجل وقف التدهور الحادث في مقدرات البيئة.

هذا وحده كفيل بحمايتنا من سيناريوهات الغرق، ومن أي متاعب أخرى مستقبلية. وعلى أي حال يجب ألا نغرق هكذا في التشاؤم أو نخضع للفزع مهما كان، وربما يكفي هنا التذكير بحديث المصطفي صلى الله عليه وسلم حين أوصاناً قائلاً "إذا قامت القيامة وفي أحدكم فسيلة، فليغرسها..

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك