مصباح الله عبد الباقي

الظروف الأمنية في أفغانستان
مظاهر شدة المقاومة وانتشارها
من يقوم بالمقاومة؟
سبب انتشار المقاومة وقوتها
ماذا يتوقع في المستقبل؟

سقطت حكومة طالبان رسميا بعد خروجها من كابل يوم 8/12/2001 ودخول قوات المعارضة لنظام طالبان إلى العاصمة الأفغانية بمساعدة القوات الأميركية والبريطانية. واليوم بعد ست سنوات من المأساة المستمرة للشعب الأفغاني في نهاية العام 2007 عندما ننظر إلى الوراء نجد أن الظروف قد تغيرت في أفغانستان كثيرا عما كانت عليه عند احتلال القوات الأميركية لها آنذاك، ولم يعد الوضع كما كان في أيام الهجوم الأميركي الأول.

فالأميركان بثوا الرعب في قلوب الناس عن طريق استخدام الأسلحة المهيبة المدمرة، وكان الناس يظنون في ذاك الوقت أن أميركا قد قضت على المقاومة قضاء نهائيا مبرما، ولن تقوم للمقاومة قائمة بعد ذلك، لكنني في ذاك الوقت أيضا كتبت أن الأميركيين بإقدامهم على غزو أفغانستان لم يستفيدوا من التجربة السوفياتية في المنطقة بصورة صحيحة؛ لأن قوات الاتحاد السوفياتي دخلت أفغانستان بكل سهولة ويسر ولم يتعرض لها أحد أثناء دخولها، لكنها لم تتمكن من السيطرة على أرض أفغانستان وجبالها الوعرة حتى رحلت.

ويرى الخبراء أن هذا ما سيحدث مع الأميركان، فإنهم قد دخلوا بكل سهولة ويسر، إلا أنهم لن يتمكنوا من بسط السيطرة على كل الأراضي الأفغانية، ولن يتمكنوا من الخروج من أفغانستان برغبتهم كما دخلوا. فما هي الظروف الحقيقية في أفغانستان الآن؟ وماذا يحدث هناك؟ ولماذا تغيرت الظروف؟ وماذا يتوقع في المستقبل؟ هذا ما سنتناوله في السطور القادمة.

الظروف الأمنية في أفغانستان
توجد قوات المقاومة في أغلب الولايات الجنوبية والجنوبية الغربية والولايات الشرقية وبعض ولايات المنطقة الوسطى في أفغانستان، لكن نوعية الوجود تختلف من منطقة إلى أخرى، وكذلك تختلف جهات المقاومة.

فالولايات الجنوبية والجنوبية الغربية مثل قندهار وأورزجان وهلمند وفراه وغزني، وكذا بعض الولايات المركزية مثل ولاية ميدان وردك ودايكندي، تشهد حضورا بكثافة كبيرة جدا لقوات المقاومة وخاصة قوات حركة طالبان.

حيث يخوضون معارك مكشوفة مع قوات حلف الناتو وقوات الحكومة وكثيرا ما تسقط المديريات بكاملها في أيديهم في هذه الولايات، وقياداتهم معروفة، ومناطق نفوذهم واضحة ومكشوفة، ويسيطرون على مناطق قريبة جدا من مراكز الولايات، ولا يمكن لقوات الحكومة أن تبيت في مقراتها في المديريات لأنها تتعرض لهجمات المقاومة أثناء الليل.

يحدث ذلك في ولاية غزني وولاية ميدان وردك، والولايات الجنوبية الغربية كلها، وكثيرا ما يقيمون نقاط التفتيش المؤقتة على الطرق العامة خاصة على الطريق العام بين كابل وقندهار وبين كابل وجاريز، ويفتشون السيارات ويختطفون من يريدونه، وتتعرض قوات الحكومة والقوات الأجنبية لهجمات قاتلة على هذه الطرق، ومن كثرة هجمات المقاومة التي تتعرض لها قوات حلف الناتو على طريق كابل قندهار سمي هذا الطريق بـ"طريق الموت".

وهناك ولايات أخرى في الجنوب مثل ولاية خوست وبكتيا توجد فيها قوات المقاومة بكثافة لكن وجودها أقل من وجودها في الولايات السابقة الذكر، وتجمع المقاومة هنا بين حرب العصابات والمواجهات المكشوفة.

"
قوات المقاومة موجودة في أغلب الولايات الجنوبية والجنوبية الغربية والولايات الشرقية وبعض ولايات المنطقة الوسطى في أفغانستان، لكن نوعية الوجود تختلف من منطقة إلى أخرى، وكذلك تختلف جهات المقاومة
"
أما الولايات الشرقية مثل ولاية لغمان وولاية ننجرهار وولاية كونر وكذا ولاية كابل، فتوجد فيها قوات المقاومة لكن قياداتهم ليست معروفة، ووجودها فيها أقل كثافة من الولايات الجنوبية الغربية والولايات الجنوبية والولايات المركزية، ويختارون تكتيك حرب العصابات والتفجيرات عن بعد (ريموت كنترول).

ويتم التركيز علي قوات حلف الناتو، ولا يتعرضون كثيرا للقوات الحكومية، وكذا لا يتعرضون للمدارس الحكومية ولا للمؤسسات الإغاثية، ولا للمؤسسات الحكومية الأخرى، بل ويطلبون من القوات الحكومية أثناء الهجوم أن تتنحى عن قوات حلف الناتو لأنهم يقصدونها هي خاصة بالهجوم.

أما المناطق الشمالية مثل قندز وبدخشان وبغلان وغيرها والمناطق الغربية مثل مدينة هرات وما جاورها من الولايات، فتوجد فيها قوات المقاومة وجودا ضئيلا، ويتلخص عملها في حرب العصابات وتفجير العبوات، والقيام بالعمليات "الاستشهادية".

مظاهر شدة المقاومة وانتشارها
لقد اشتد عود المقاومة في هذه السنة أكثر من ذي قبل، ومن هنا أعلنت الأمم المتحدة في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن العام 2007 أكثر الأعوام دموية منذ سقوط حكومة طالبان ومنذ دخول القوات الأميركية أفغانستان في العام 2001.

ودلل الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة على ذلك بكثرة حوادث الاختطاف وكثرة الهجمات الانتحارية، لكننا نرى أن مظاهر شدة المقاومة وانتشارها كثيرة ومتنوعة ومنها المظاهر التالية:

- كثرة الهجمات الانتحارية أو الاستشهادية، فقد كثرت هذه الهجمات إلى درجة لا تتصور، فقد شهدت العاصمة الأفغانية كابل وحدها عشرات الهجمات الانتحارية أو الاستشهادية في هذه السنة، وقد شهدت كابل في الأسبوع الأول من دسمبر/ كانون الأول 2007 هجوما انتحاريا بصورة يومية تقريبا، وهذه من أفتك أنواع الأسلحة بيد المقاومة.

- كثرة الخسائر في الأرواح, لقد واجهت قوات التحالف وقوات نظام كابل خسائر كبيرة في الأرواح في هذه السنة، وهذا أمر مشهود معترف به.

- السيطرة على المناطق الواسعة, فقد توسعت رقعة المناطق التي تسيطر عليها المقاومة خاصة حركة طالبان، حيث يسيطرون على مراكز المديريات في كثير من الولايات، وكثيرا ما يكون مركز المديرية بيد القوات الحكومية وتكون المديرية بكاملها بيد طالبان.

وفي بعض الأماكن يرى الجيش الأفغاني والشرطة أن عناصر طالبان يمرون من طريق لكنهم لا يتعرضون لهم خاصة في ولاية قندهار وما جاورها من الولايات، بل ويهددون بعض مراكز الولايات فيدخلونها ويشتبكون في داخل المدن مع قوات حلف الناتو أو القوات الحكومية.

"
من مظاهر المقاومة السيطرة على الطرق العامة, فأغلب هذه الطرق معرضة في كل وقت لسيطرة طالبان وإقامة نقاط التفتيش عليها واختطاف الأجانب وموظفي الحكومة أو المؤسسات غير الحكومية
"
فقد اعترف الرئيس الأفغاني حامد كرزاي في المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس حلف الناتو بوب دوب شفر يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2007 في كابل بسيطرة طالبان على مناطق في أفغانستان، وقال: "تسقط مناطق من أفغانستان بيد طالبان، لكن عندما تريد القوات الحكومية استردادها تخرج منها طالبان فورا، لكننا لا نريد -لأسباب موجهة لدينا- استرداد تلك المناطق من أيدي طالبان عمدا".

- السيطرة على الطرق العامة, فإن أغلب الطرق العامة معرضة في كل وقت لسيطرة طالبان وإقامة نقاط التفتيش عليها واختطاف موظفي الحكومة أو المؤسسات غير الحكومية التي تعمل في مجالات مختلفة، وأحيانا يختطفون الأجانب وهذه الحوادث تحدث بكثرة.

هذه بعض مظاهر انتشار المقاومة لوجود القوات الأجنبية على أرض أفغانستان وللحكومة المتعاونة معها، لكن هذه الكلمات لا تستطيع أن تقدم صورة حقيقية عن مدى قوة المقاومة وانتشارها، فإن جولة بسيطة في داخل أفغانستان كفيلة بالوصول إلى هذه القناعة.

من يقوم بالمقاومة؟
كلما تذكر مقاومة القوات الأميركية في أفغانستان يقفز اسم حركة طالبان إلى الذهن، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل المقاومة قاصرة على حركة طالبان أم أن هناك جهات أخرى تشارك فيها؟

وللإجابة على هذا السؤال أقول: لا شك أن أكبر فصائل المقاومة ضد الوجود الأميركي في أفغانستان وأقواها وأكثرها انتشارا هي حركة طالبان، لكنها ليست هي الجهة الوحيدة، بل هناك جهات أخرى تشارك حركة طالبان في المقاومة منها الحزب الإسلامي التابع لحكمتيار، الذي يدعي باستمرار في وسائل الإعلام المحلية أن له نشاطا في أغلب مناطق أفغانستان خاصة في المناطق الشرقية وحول كابل والمناطق الجنوبية الغربية.

والجهة الثالثة التي تشارك في المقاومة هي تنظيم القاعدة، الذي يخرج الناطق الرسمي باسمه ويعلن استشهاد بعض أفراد التنظيم في المواجهات مع الأميركان، ويبدو أن القاعدة تمكنت من تجنيد مجموعة كبيرة من الشباب الأفغان والباكستانيين. غير أن هذه الجهات الثلاث تشتغل في أفغانستان بصورة مستقلة، من غير أن تنسق العمليات فيما بينها.

سبب انتشار المقاومة وقوتها
لا شك أن المقاومة مرت بظروف مختلفة، فقد واجهت ظروفا قاسية في بداية الهجوم الأميركي على أفغانستان، لكنها استردت عافيتها بمرور الزمان، وبدأت تقوى بمرور الوقت إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم، وكان وراء هذه القوة وهذا الانتشار أسباب نجملها فيما يلي:

- العامل الديني: وهو أهم العوامل التي ساعدت على انتشار المقاومة وقوتها، فإن الكثيرين ينظرون إلى احتلال القوات الأميركية وقوات حلف الناتو لأفغانستان بأنه احتلال لبلد مسلم من قبل الكفار، وهذا ما يجب مقاومته وإخراج المحتل منه، ولا يصح أن ننسى في هذا السياق الخلفية التاريخية للشعب الأفغاني في مقاومة المحتل دائما.

"
من الأسباب المؤثرة جدا في انتشار المقاومة وقوتها همجية القوات الأجنبية خاصة الأميركية ظنا منها أنها تستطيع إخماد جذوة المقاومة باستخدام القوة
"
- همجية القوات الأجنبية: من الأسباب المؤثرة جدا في انتشار المقاومة وقوتها همجية القوات الأجنبية وخاصة الأميركية منها، فقد دمرت القرى بكاملها بمن فيها بمجرد الظن، وأهانت الرجال والنساء وأخذتهم إلى معتقلاتها الجهنمية. وتظن هذه القوات الأجنبية أنها تستطيع إخماد جذوة المقاومة باستخدام القوة استخداما همجيا، لكنها بالعكس من ذلك تساعد على انتشار المقاومة وتقويتها.

- ما يصدر منهم بعد الفينة والأخرى ما يدل على عدائهم الشديد للإسلام: فما يفعله الغربيون من الإساءة لمقدسات الإسلام، وما يصدر منهم من الإساءة للقرآن الكريم في أفغانستان وفي معتقلاتهم، ومحاولات نشر الفساد وتشجيع الإساءة للإسلام باسم حرية الرأي، كل ذلك يؤدي إلى تشديد المقاومة في جبهات القتال ضد قوات حلف الناتو وغيرها.

- الفشل الذريع لنظام كرزاي في كل المجالات قد أفقد الشعب الأفغاني الثقة في هذا النظام، وانعكس ذلك في تقوية جبهة المقاومة. فنظام كرزاي قد فشل إداريا، والغالبية العظمى من الشخصيات المؤثرة في الحكومة متهمة بالاختلاسات وجمع الأموال بطرق ملتوية بينما يموت الناس جوعا في القرى والأرياف، كما أن هذا النظام فشل في توصيل الخدمات الأساسية للشعب فشلا ذريعا، وقد اعترف حامد كرزاي أكثر من مرة بذلك في كلماته العامة ببعض المناسبات، إلى جانب ذلك قد انتشرت الرشوة في الدوائر الحكومية وبالأخص في دائرة القضاء مما أفقد الناس الأمل في هذا النظام.

- إلى جانب ما ذكر، فإن القبضة الأميركية استرخت كثيرا من ذي قبل على الدول المجاورة لأفغانستان، ذلك أن وجود القوات الأميركية وقوات حلف الناتو في أفغانستان ليس في صالح البلدان المجاورة لأفغانستان التي تملك القوة النووية أو تلك التي تحاول تطوير مفاعلها النووي.

وهذه الدول تدرك هذه الحقيقة مع ما تكن من العداء لحركة طالبان أو الجهات المقاومة الأخرى، لكنها تدرك أن خطر وجود القوات الأميركية أو قوات حلف الناتو بجوارها أكبر بكثير من وجود القوات الإرهابية -حسب زعمها- بجوارها.

- استخدمت فصائل المقاومة سلاح الهجمات الانتحارية أو الاستشهادية بصورة مؤثرة جدا، وقد تضاعف تأثير المقاومة وانتشارها باستخدام هذا السلاح استخداما مؤثرا جدا، مما يجعل أثر هجوم واحد أشد وقعا على قوات التحالف من عدة مواجهات مكشوفة.

- وجدت طالبان وباقي فصائل المقاومة ملاذا آمنا في الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان لمعالجة الجرحى واستعادة الأنفاس، حيث تحتاج حركات المقاومة إلى ملاذ أو منطلق ينطلقون منه، وقد تمكنت المقاومة الأفغانية ضد القوات الأجنبية من إيجاد ذلك المنطلق بمرور الوقت في الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان.

ماذا يتوقع في المستقبل؟

"
السياسة الأميركية كانت ناجحة جدا عندما ورطت أوروبا معها في هذه الحرب بتسليم قيادة المعركة إلى حلف الناتو في أفغانستان، لكن إلى متى ستتحمل أميركا والدول الأوروبية مصاريف هذه الحرب؟!
"
فصائل المقاومة ليست جيوشا نظامية، من هنا قد يصعب عليها السيطرة على أفغانستان أو جزء منها والدفاع عنها، وفي المقابل فإن قوات حلف الناتو تستطيع أن تسترد المناطق التي تسيطر عليها قوات المقاومة، وإن كانت قوات الناتو بعددها الحالي البالغ حوالي 43 ألف جندي لا تستطيع كذلك السيطرة على جميع مناطق أفغانستان بجبالها الوعرة ووديانها السحيقة ومفاوزها الشاسعة إلا بتوفير نحو 500 ألف جندي، وهذا غير متوفر حاليا.

ومن هنا يمكن أن تسترد قوات حلف الناتو المناطق من قوات المقاومة أو من قوات طالبان، ولكن عندما تعود تلك القوات إلى مراكزها تسترد المقاومة مرة أخرى تلك المناطق.

لذا تعتبر هذه الحرب حرب استنزاف لقوات التحالف من ناحية، وحرب الأعصاب وقوة الإرادة من ناحية أخرى، فإذا ضعف الوضع الاقتصادي للدول التي تمول هذه الحرب فإنها ستخسرها بعد ذلك بسهولة جدا.

ومن هنا كانت السياسة الأميركية ناجحة جدا عندما ورطت أوروبا معها في هذه الحرب بتسليم قيادة المعركة إلى حلف الناتو في أفغانستان، لكن إلى متى ستتحمل أميركا والدول الأوروبية مصاريف هذه الحرب؟!

الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير هذه المعركة. والأمر الثاني الذي سيلعب دورا أساسيا في حسم المعركة هو قوة الإرادة وتمالك الأعصاب، فالجهة التي تملك القوة الإرادية الأقوى وستتمالك الأعصاب هي التي ستكسب المعركة.
ــــــــــــ
كاتب أفغاني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك