سامر علاوي

عام أكثر دموية والدعوة للحوار تتجدد
مديرية موسى قلعة ورفع المعنويات
النفق المظلم وسيناريوهات الخروج

أحداث عام 2007 جاءت مطابقة لتوقعات المراقبين للشأن الأفغاني نهاية العام الذي سبقه باستمرار التدهور الأمني, حيث فاجأت حركة طالبان القوات الأجنبية والأفغانية باستيلائها على مديرية موسى قلعة في ولاية هلمند جنوب البلاد على أنقاض اتفاق هش بين القوات البريطانية في المنطقة ووجهائها تم التوصل إليه في سبتمبر/أيلول 2006 كان يقضي بإخلاء طالبان والقوات الأجنبية من موسى قلعة وتسليم إدارتها لزعماء القبائل.

تزامن استيلاء طالبان على المديرية مع استعادة الولايات المتحدة قيادة القوات الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف) من القوات البريطانية بعد أن كانت الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية أعربتا عن امتعاضهما من الاتفاق الذي توصلت إليه إيساف بقيادة القوات البريطانية والذي أعطى طالبان محضنا آمنا ومجالا أكبر للتحرك.

عام أكثر دموية والدعوة للحوار تتجدد

"
بعد ست سنوات على ما وصف بدحر طالبان إلى الأبد على أيدي قوات التحالف، عاد الحديث يتركز على فتح قنوات اتصال مع الملا عمر وحكتميار, لكن كرزاي أوضح أنه يفتقد عنوانيهما ليتواصل معهما!
"
وبعد أن كان العام 2006 يوصف بأنه عام عودة طالبان فإن هذا العام وصف بأنه الأكثر دموية منذ الإطاحة بحكومة طالبان نهاية العام 2001، وذلك بسقوط أكثر من ستة آلاف قتيل بحسب الإحصائيات الحكومية وحوالي 140 عملية انتحارية استهدفت القوات الأجنبية والأفغانية.

الأخطر من ذلك قد يكون في اتساع عمليات طالبان أفقيا ليشمل معظم ولايات أفغانستان الأربع والثلاثين وزيادة التأييد الشعبي لها، بحسب استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات غربية تحظى بالمصداقية.

في حين قال تقرير مؤسسة سنلس الأوروبية التي تتخذ من لندن مقرا لها إن 55% من الأراضي الأفغانية أصبحت خارج نطاق عمل المؤسسات الأجنبية غير الحكومية وتحت نفوذ طالبان المباشر.

ومثّل الاستيلاء على مقرات المديريات وإخلائها إستراتيجية في تحرك طالبان حيث إنها غير قادرة على الاحتفاظ بها مع التفوق الجوي والبري لقوات التحالف (القوات الأميركية) وقوات إيساف والقوات الأفغانية, إضافة إلى العمليات الانتحارية التي اخترقت العاصمة كابل فقرعت آذان كل من ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي في مارس/آذار الماضي في قاعدة بغرام الجوية ووزير الدفاع روبرت غيتس على طريق مطار كابل في ديسمبر/كانون الأول السابق.

بعد ست سنوات على ما وصف بدحر طالبان إلى الأبد على أيدي قوات التحالف، عاد الحديث يتركز على فتح قنوات اتصال مع طالبان توجت بإعلان الرئيس حامد كرزاي استعداده للحوار ومخاطبة الملا محمد عمر وزعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار إلا أنه يفتقد عنوانيهما ليتواصل معها.

لكن أي حوار مع الشخصين يرتبط بشرطيهما المتمثل في خروج القوات الأجنبية من البلاد، ومع اختلاف في رؤية الملا عمر وحكمتيار حول التعامل مع حكومة كرزاي في ظل هذه القوات وفي حال رحيلها أو جدولة رحيلها فإنها تركت أثرها على الكتلتين (الحزب الإسلامي وطالبان) اللتين لم تتخليا عن حمل السلاح.

فهناك من يرى أن الدعوة للحوار هدفت بالدرجة الأولى إلى ضرب إسفين المتشددين الذين يرفضون مبدأ الحوار والمتعدلين الذين يقبلون به ويتعاطون معه.

لكن الحركة تداركت الموقف عبر تصعيد عملياتها وقطعت الطريق على أي انشقاق من خلال سلسلة من البيانات أصدرها قادتها العسكريون برفض الحوار والجماعات المسلحة المنضوية تحت طالبان وإن كانت لا تعتبر نفسها جزءا منها.

أما الحزب الإسلامي فوجه رسالة واضحة للحكومة الأفغانية والقوى الأجنبية الراعية لها باستعداده لاستئناف العمليات العسكرية عبر عملية نوعية استهدفت قافلة للقوات الأجنبية على مقربة من مقر قيادة هذه القوات في كابل.

مديرية موسى قلعة ورفع المعنويات 

"
بينما رأت القوات الأجنبية والأفغانية الاستيلاء على مديرية موسى قلعة إنجازا يسهم في رفع معنويات جنودها, رأت فيه طالبان تغيرا لا يغير من واقع الأمر شيئا في إستراتيجيتها التي لا تعتمد على الاحتفاظ بمناطق تمثل عبئا إداريا عليها
"
القوات الأجنبية والأفغانية عادت لتستولي على مديرية موسى قلعة نهاية العام، إنجاز اعتبرته هذه القوات انتصارا عزيزا يسهم في رفع معنويات جنودها على أبواب عام جديد، في حين رأت فيه طالبان تغيرا لا يغير من واقع الأمر شيئا في إستراتيجيتها التي لا تعتمد على الاحتفاظ بمناطق إدارية والتعويل بدلا من ذلك على النفوذ الشعبي لفكرها والعسكري لمسلحيها.

أما المراقبون فرأوا في هذا التطور جزءا من واقع أفغانستان التي اعتادت على رحلة الشتاء والصيف، فالظروف المناخية المتمثلة في برودة الطقس وتساقط أوراق الأشجار بما يكشف تحركات مسلحي طالبان أمام الطيران المعادي تؤسس للقوات الأجنبية اقتحام معاقل طالبان الحصينة على غرار ما فعلته في وقت مماثل من العام السابق عندما دخلت مديرية بانجاويي في ولاية قندهار حيث كانت هذه المديرية تعتبر أحد معاقل طالبان الحصينة والتي كانت قد انطلقت منها عام 1994.

النفق المظلم وسيناريوهات الخروج
حال أفغانستان في نهاية العام يمكن وصفها بأنها منتصف النفق المظلم التي تهيئ العام المقبل 2008 ليكون عام أفغانستان من الدرجة الأولى, فطالبان قد تسعى إلى إثبات المزيد من الحضور على الساحة الأفغانية عبر تصعيد عملياتها، كما أن التململ الذي أبدته بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة في أفغانستان يجعل واشنطن وبريطانيا تحاولان تسريع الحسم.

ويتجلى ذلك في مطالبتهما الدول الأوروبية بإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان في إطار قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك بعد أن أصبح تعداد هذه القوات يزيد عن خمسين ألف جندي في حين لم يكن يتجاوز عشرين ألف جندي بعيد الإطاحة بطالبان عام 2002.

ولا يخفي قادة الناتو السياسيون والعسكريون أن أفغانستان باتت تشكل تحديا رئيسيا للحلف حيث إنها أول عملية خارج نطاقه الجغرافي، أما الخيار الآخر للقوات الأجنبية والذي يجنبها المزيد من الخسائر في الأرواح فهو تأهيل الجيش الأفغاني الجديد.

لكن ذلك يبدو متعذرا بعد أن أعلنت وزارة الدفاع حديثا أنها بحاجة إلى مضاعفة تعداد الجنود الأفغان إلى أربعة أضعاف عما هو عليه الآن لتتمكن من السيطرة على الوضع داخل البلاد والدفاع عنها في مواجهة أي عدوان خارجي.

"
السيناريوهات السياسية المتوقعة للخروج من النفق تذهب إلى إمكانية وضع أفغانستان تحت رعاية أممية إذا أخفقت الحكومة الحالية في تحقيق اختراق أمني أو سياسي يفضي إلى حوار مع طالبان والحزب الإسلامي
"
إضافة إلى تأهيل القوات الجوية والمدرعة وتزويدها بالمعدات اللازمة، وهو أمر يبدو غير ممكن في ظل التخوفات الحالية من وقوع هذه المعدات في أيد معادية.

أما السيناريوهات السياسية المتوقعة للخروج من النفق فإنها لم تتبلور بعد، إلا أن المحللين السياسيين يذهبون إلى إمكانية وضع أفغانستان تحت رعاية أممية إذا أخفقت الحكومة الحالية في تحقيق اختراق أمني أو سياسي يفضي إلى حوار مع طالبان والحزب الإسلامي.

وتنحصر التقديرات المحلية لما قد يفضي إليه أي حوار في منح طالبان حكما ذاتيا في المناطق التي تسيطر عليها مقابل إلقاء السلاح أو مشاركتها في السلطة, وذلك بتلقيها ضغطا من باكستان المتهمة بدعمها، لكن عقدة خروج القوات الأجنبية ستبقى عائقا أمام هذه السيناريوهات ولا يبقى في ظل استمرار الوضع على حاله سوى مواجهة الفوضى.
ـــــــــــــ
مراسل الجزيرة في كابل

المصدر : الجزيرة

التعليقات