إبراهيم عجوة

كم هو الزمن المتبقي الفاصل بين الشعب الفلسطيني وبين استحقاقات نكبة وطنية سياسية جديدة؟ سؤال ربما يبدو للوهلة الأولى كنعيق الغراب, وربما يبدو نوعا من التشاؤم الذي يمكن الرد عليه ببساطة عبر نزوع معاكس نحو التفاؤل.

الموضوع ليس محصورا في المسافة الفاصلة بين حالتين نفسيتين، بقدر ما قد يكون محصورا في المسافة الفاصلة بين نكبتين، واحدة متحققة والأخرى محتملة.

قد تكون أسهل إجابة على سؤال متشائم من خلال الثقة الهاربة إلى الأمام التي عهدناها في الخطاب السياسي الشعبوي أو التعبوي سيان حين يقعان في نفس خانة الممارسة السياسية: "أن الشعب الفلسطيني شعب التضحيات والبطولات والمقاومة لا يمكن أن يمرر المؤامرات وسيقاومها وينتصر عليها".

"
الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة أشبه ما تكون بالمرحلة التي سبقت النكبة عام 1948 من حيث الانقسام في قواه السياسية بين المساومة والمقاومة وبخيارات سياسية مسدودة الأفق بشكل غير مسبوق على كلا الجانبين
"
لا بأس من التفاؤل حين لا يكون مجرد معادل وهمي للضرورات الموضوعية يتم من خلاله تبرئة الضمير من واجبات التصدي في الميدان الضروري أو يكون بديلا عن ضرورات الإدراك العميق للمخاطر المحتملة والممكنة.

الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة أشبه ما تكون بالمرحلة التي سبقت النكبة عام 1948، من حيث الانقسام في قواه السياسية بين المساومة والمقاومة وبخيارات سياسية مسدودة الأفق بشكل غير مسبوق على كلا الجانبين.

ويعيش هذا الشعب حالة من الضياع السياسي أورثته إياه خيارات قواه السياسية. هذه القوى التي وضعت نفسها بخياراتها السياسية أمام أزمة هوية، حيث أصبح جلها إن لم نقل كلها عاجزا عن تعريف نفسه كتنظيم مقاومة أو تنظيم سلطة.

ولم تعد هذه القوى قادرة على تعريف المرحلة التي تعيشها هل هي مرحلة تحرر وطني أم مرحلة بناء الدولة المستقلة والتنمية.

في المستوى اللفظي تعرف هذه القوى كل شيء فتصيب أحيانا وتخطئ أحيانا، ولكن مع عجز مشهود عن إدراك أو توفير متطلبات هذا التعريف. ليس المجال هنا للتدخل في القصد أو العجز أو نقيضهما، بل هو مجال ومحاولة لتصوير الواقع الذي نحن فيه.

التاريخ يعيد نفسه هكذا قيل ولكنه غالبا ما يعيد المأساة على شكل مهزلة.

فكم هي مساحات التشابه ما بين المشهد السياسي الدولي والإقليمي نهاية الحرب العالمية الثانية والمشهد السياسي الدولي والإقليمي الراهن. فبعد نهايات الحروب الكبرى وعودتها في هيئات وأشكال جديدة أخرى، تجري في العادة تسويات بين المراكز الدولية لإعادة رسم الخرائط السياسية والإستراتيجية على الصعيد العالمي.

ولا نأتي بجديد إذا ما قلنا إن المراكز الدولية هي من ترسم تلك الخرائط وفق مصالحها وفي ضوء ميزان القوى المتحقق فيما بينها. ويكون ما تبقى من العالم مجرد مجالات حيوية وكعكة قابلة للاقتسام.

في تلك المرحلة، أعني ما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ تراجع الاستعمار القديم وبروز قوى عظمى استعمارية طامحة وطامعة جديدة على المسرح الدولي تجمعت حول قطبين أساسيين شكل الاستقطاب حولهما جوهر النظام العالمي بمراكزه وأطرافه.

كان تأسيس الكيان الصهيوني باعتباره حاجة إمبريالية في فلسطين وترسيخ خارطة سايكس بيكو وإعادة إنتاج الاستعمار الجديد على شكل تبعية وقوانين واتفاقات ومؤسسات دولية، أحد أبرز النتائج التي ترتبت على المنطقة العربية.

لم يحل الانقسام الدولي دون ولادة الكيان الصهيوني بل إن الاتفاق الدولي كان قابلته الأولى حيث اعترف به القطبان فور تأسيسه واعترفت به كذلك المؤسسات الدولية.

قاوم الشعب الفلسطيني الهجرة الصهيونية منذ بدايات القرن التاسع عشر وبقي يقاومها طوال الحربين العالميتين وما بينهما. إلا أن مقاومة الشعب الفلسطيني الباسلة وتضحياته الفريدة وانتفاضاته المتوالية، لم تحل دون قدرة المراكز الدولية المتوافقة على تأسيس الكيان الصهيوني وإسباغ الشرعية الدولية عليه والتأسيس لأول نكبة فلسطينية ولاكثر الظواهر الاستعمارية غرابة وشذوذا في التاريخ.

"
لم يحل بروز ظاهرة المقاومة الفلسطينية المعاصرة بعد النكبة دون احتلال الضفة الغربية ولم يمنع وجودها الكثيف والمسلح في لبنان الخروج من بيروت، ولم يمنع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الكبرى نكبة أوسلو، ولا حالت انتفاضة الأقصى دون الوصول إلى الحالة المتردية التي نحن عليها اليوم
"
كما لم يحل بروز ظاهرة المقاومة الفلسطينية المعاصرة بعد النكبة دون احتلال الضفة الغربية ولم يمنع وجودها الكثيف والمسلح في لبنان الخروج من بيروت، ولم يمنع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الكبرى نكبة أوسلو وملحقاتها، ولا حالت انتفاضة الأقصى دون الوصول إلى الحالة المتردية التي نحن عليها اليوم.

الوضع العربي الراهن مفكك وغارق حتى أذنيه في همومه الداخلية، وفي السعي المرعوب للاحتماء من مخاطر عاصفة إعادة التشكيل المحتمل للجغرافية والنظم السياسيتين.

فالكل يسعى لتقليل حجم المخاطر المترتبة على كيانه دون النظر إلى ما هو أبعد من ذلك. ولم يكن بروز شعار الكيان القطري أولا مجرد ظاهرة لفظية عابرة بقدر ما كان تجسيدا لهذا القلق الأساسي.

لا يبدو أن الاكتفاء بالاصطفاف مع قوى الممانعة أو المساومة كافيا لتجنب المخاطر، فلا القوى المساومة قادرة على تحصيل ما تتوهم، ولا قوى الممانعة قادرة على الوصول إلى نهاية شعاراتها المطروحة على طاولة التفاوض.

وهي تخوض معاركها الرئيسية وستكون بالتالي مجبرة على دفع الفواتير المترتبة عليها والتي قد يكون أكثرها على حساب الهياكل السياسية الطرفية والأضعف.

ففي أي عملية سياسية تدفع الفواتير دائما على حساب الطرف الأضعف. ولا نأتي بجديد إذا ما قلنا إن أضعف الكيانات السياسية في الخارطة السياسية العربية هي فلسطين ولبنان كمناطق توتر ومناطق استحقاق لتوسع الكيان الصهيوني وترسيخ دوره.

لقد بدأت ملامح التوافقات تطل برأسها على المشهد السياسي الراهن، حيث شكلت وثيقة بيكر هاملتون بما هي ملامح إستراتيجية أميركية عليا، ومحصلة توافق جمهوري ديمقراطي أميركي، أساس الإستراتيجية الأميركية لمعالجة الأزمات والملفات في منطقة الشرق الأوسط عموما وفي البلاد العربية خصوصا.

لقد شهدت مرحلة ما قبل الوثيقة هجمة إعلامية وسياسية شرسة على معظم نظم المنطقة بشقيها المعتدل والمتشدد وإن بدرجات متفاوتة الحدة. شملت هذه الهجمة طهران ودمشق كأكثر العواصم تطرفا حتى الرياض العاصمة الأكثر اعتدالا، طبعا وفق التصنيف الأميركي.

هذا النوع من الهجوم جعل من استقرار وبقاء نظام الحكم على رأس سلم أولويات عناصر النظام القطري العربي. وأصبح الاعتراف بالنظام السياسي من قبل الأميركان هو جل ما تسعى هذه الأنظمة إلى تحقيقه.

لقد كان النظام السوري والإيراني أكثر النظم استهدافا من قبل الولايات المتحدة الأميركية. لكن وثيقة بيكر هاملتون أظهرت رغم كل الصخب حول الملفين استعدادا مبدئيا للاعتراف بالنظامين والحوار معهما.

وحتى لا يهان منطق التحليل السياسي يصبح من الضروري الاعتقاد بأن أحداً من النظامين لا يسعى إلى تجاوز التوافقات الدولية، فلا إيران تطمع في الهيمنة على الخليج العربي ولا هو مسموح لها حتى لو أدى ذلك إلى حرب نووية.

ولا سوريا بطامحة بعد خروجها من لبنان في العودة إليه. لكن أقصى طموح موضوعي لإيران بعد الاعتراف بالنظام السياسي يكمن في الحصول على عراق غير معاد.

أما سوريا فلم يعد لديها طموح العودة إلى لبنان بعد أن أُخرجت منه. وأصبح جل طموحها هو لبنان غير معاد وتسوية مشرفة في هضبة الجولان.

"
غالبا ما أخضعت القوى السياسية الفلسطينية نفسها طوعا أو كرها لتكون مجرد ذخيرة في سلاح هذا الطرف أو ذاك.. لا بأس من الانحياز للأصدقاء ولكن ليس إلى الحد الذي نتحول فيه إلى مجرد ذخيرة في بنادق الأطراف المتصارعة
"
ما بين المعادي وغير المعادي صراع على مستوى الضمانات التي يبتغيها كل طرف من أجل ضمان عدم المعاداة. وقبل الوصول إلى نهايات وتسويات هناك صراعات كثيرة ودماء واستعصاءات قد تقود إلى حروب صغيرة ومناوشات وقد تصل إلى نهاياتها دون حصول ذلك بالضرورة.

بين هذه الملفات يأتي الملف الفلسطيني الذي غالبا ما تم استخدامه وعلى مدى الصراع ورقة مساومات، ونادرا ما تم التعامل معه بمستوى التسميات التي تطلق عليه باعتباره القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية.

أخطر ما في الملف الفلسطيني أن القوى السياسية الفلسطينية غالبا ما أخضعت نفسها طوعا أو كرها لتكون مجرد ذخيرة في سلاح هذا الطرف أو ذاك.

لا بأس، فإن تحديد معسكر الأعداء والأصدقاء من صميم العملية النضالية، والانحياز لمعسكر الأصدقاء أيضا من ضروراتها، ولكن ليس إلى الحد الذي نتحول فيه إلى مجرد ذخيرة في بنادق الأطراف المتصارعة أو نتحول إلى ذخيرة في بنادق أعدائنا لنصبح كمن يطلق النار على نفسه.

هل قرأت القوى المتخندقة في معسكر الاعتدال إلى أين تقاد؟ ألم تع إلى اليوم أن أقصى ما يمكن أن يقودها إليه معسكر الاعتدال هو شبه كيان سياسي في الضفة الغربية، سيتم إلحاقه ضمن كنفدرالية تنموية مع أحد الأقاليم التنموية في الأردن؟ ألم تقرأ بعد استهدافات جدار الفصل والاستيطان والمشاريع الممولة يابانيا في غور الأردن؟ ألم تقرأ دلالات الحل المقبول لحق عودة اللاجئين؟

ألم تقرأ الإصرار الأميركي الصهيوني على يهودية الدولة والموافقة شبه الضمنية عليها بدءا من لقاء العقبة وانتهاء بتصريحات ما يسمى بكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات؟ الذي صرح بأن هذا شأن داخلي إسرائيلي، وألحقه بلغو سياسي كالقول "فليسموها يهودية اشتراكية عظمى أو ما يشاؤون فهذا شأنهم".

ألا يشي هذا بأن الكيان الصهيوني يضع المقدمات لمعالجة ملف فلسطينيي 48 بآليات التهجير والتبادل السكاني وغيره، وتصريحات عريقات تشي بقبول مبدئي وإن تغلفت بسخرية وتهريج سياسي يخفي تواطؤا ما؟

هل أدركت قوى معسكر المقاومة الفلسطيني وحلف محور الممانعة أن هناك إمكانية لتسويات قد يخرج الطرف الفلسطيني وقد دفع الفواتير الأساسية للتسويات الإقليمية المطروحة؟

يمكن اعتبار كل ما ذكر أعلاه مجرد سيناريو ولكنه ليس من نوع سيناريوهات الرياضة الذهنية بقدر ما أن المناخات السياسية الراهنة والتجربة التاريخية للشعب الفلسطيني وقوانين تسوية الصراعات الدولية هي ما تجعله سيناريو محتملا.

قد يقول البعض وماذا يمكن فعله في مثل هذه الحالة أو في مثل هذا السيناريو؟

إن الحضيض الذي وصل إليه وضع القوى السياسية الفلسطينية راهنا سواء قوى المقاومة أو التسوية، والحال المزري الذي آلت إليه أوضاع الشعب الفلسطيني، يدفع للاعتقاد بإمكانية حصول هبة شعبية فلسطينية انطلاقاً من قانون حركة الشعوب المحتلة والمضطهدة، التي لا يشذ عنها الشعب الفلسطيني، بل لعله يعتبر من أفضل تجلياتها في المقاومة والمواجهة والدفاع عن الحقوق.

"
يكاد المرء يرى أنياب النكبة تطل عليه في كل لحظة, والعالم لن يبقى يراوح مكانه في هذا الهلام السياسي العالمي ما بعد انتهاء الحرب الباردة بل هو بصدد وضع اللمسات الأخيرة على نظام ربما نكون من ضحاياه مرة أخرى
"
لكن الهبات الشعبية غالبا ما تأتي عمياء وتحتاج إلى قوى سياسية راشدة ومدركة وقادرة على قيادة هذه الهبات، وتوظيفها في الإطار الذي يخدم مصالح الشعوب، وإلا فإن القوى الاستعمارية واستطالاتها هي من سوف يحول هذه القوة بما هي مادة خام إلى قوة تحفر عميقا إلى أسفل كما حصل في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، حيث استطاعت قوى التسوية تحويلها إلى حامل موضوعي لاتفاقية أوسلو وما بعدها. ولعل المشهد الراهن يكفي للتدليل على ما بعدها.

فهل تستطيع القوى السياسية الفلسطينية إعادة ترتيب أوراقها آخذة كل هذه السيناريوهات بالاعتبار وفتح حساب سياسي وطني جبهوي يمكن الشعب الفلسطيني من وضع طاقة المقاومة التي يختزنها في هذا الحساب السياسي بما قد يؤول إلى تجنيبه، بالحد الأدنى، نكبة محتملة إن لم يمكنه من التقدم على طريق التحرير؟

آمل أن لا يفهم مما ورد أعلاه المماهاة بين قوى المقاومة والمساومة أو المماهاة بين محور الاعتدال والممانعة، ولكن المطلوب أن لا يتم التغاضي عن أن لكل خيار قوانينه ومخاطره واستحقاقاته، وإن اختلفت كما ونوعا ولا بد من الاحتراس من المخاطر أياً كان مصدرها وأيا كانت النوايا الكامنة خلفها، فالنوايا لا تحاكم ولا يتم الاحتراس منها ولكن النتائج الموضوعية والسيناريوهات المحتملة وفق قوانين الصراع هي ما يجب دائما رصده والتعاطي معه إيجابا أو سلبا.

هل المتبقي من الزمن كاف للقيام بذلك أم سنبقى نراوح في المكان في حسابات فئوية وحسابات وأجندات إقليمية وقطرية عربية حتى تداهمنا النكبة ونصير أسرى لمنتجاتها كما حصل في مراحل سابقة؟

مجرد جرس تنبيه، حيث يكاد المرء يرى أنياب النكبة تطل عليه في كل لحظة. والعالم لن يبقى يراوح مكانه في هذا الهلام السياسي العالمي ما بعد انتهاء الحرب الباردة بل هو بصدد وضع اللمسات الأخيرة على نظام أمني سياسي جيوبوليتيكي وإستراتيجي ونحن ربما نكون من ضحاياه مرة أخرى. فماذا نحن فاعلون؟
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك