راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

كلما تعرضت تجربة إسلامية لفشل سواء أكان بسبب منها أم من خارجها، مثلما حصل لإخوان الأردن في التشريعيات الأخيرة أو لإخوان الجزائر في البلديات.. وحتى عندما اقتصر الفشل على التوقعات كما هو في المغرب، إذ حافظ الإسلاميون على مواقعهم بل حسنوها قليلا، إلا وتعالت أصوات من الشرق والغرب لمفكرين عرب وأعاجم مرددين ما كان قد أعلن عنه ثم تراجع، المفكر الفرنسي أوليفي روي "سقوط المشروع الإسلامي" على غرار سقوط الشيوعية!! فإلى أي مدى يصح ذلك؟

اعتقادا، يؤمن المسلمون بأن رسالة النبي عليه السلام كلمة الله سبحانه الأخيرة إلى البشرية، تعهد الله بحفظها تعهّده بحفظ نظام الكون الذي يستمر ما استمر هذا الدين ويزدهر ما ازدهر، فإذا انصرف الناس عنه كان ذلك من أمارات الساعة وانخرام نظام الكون، لأن الله سبحانه إنما خلق الكون ليكون تجليا لأسمائه الحسنى ولقدرته وجلاله وجماله لعدله ورحمته ومراداته، كما جاءت بها شرائعه، وعهد بها إلى خلفائه، قياما بها وحراسة لها.

"
الله تعهد بحفظ نظام الكون الذي يستمر ما استمر هذا الدين ويزدهر ما ازدهر، فإذا انصرف الناس عنه كان ذلك من أمارات الساعة وانخرام نظام الكون، لأن الله سبحانه إنما خلق الكون ليكون تجليا لأسمائه الحسنى ولقدرته وجلاله وجماله لعدله ورحمته ومراداته
"
فإذا تركت ظهريا ونامت النواطير عن الثعالب تاركة إياها ترتع، وانتهت المقاومة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد) وساد الشر دون منازع، فقد انتفت الحكمة من خلق هذا النظام الكوني واستمراره، فآذنت شمسه بالمغيب ونظامه بالانخرام"إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عظلت" (التكوير). وإذن الإسلام باق ما دام هناك ليل ونهار وشمس وقمر وتزاوج وإنجاب. ذلك في مجال الاعتقاد.

أما في عالم الشهادة عالم الأسباب، فعلى ما يوجد في طريق الإسلام المعاصر ودعاته من وحوش ومكايد ومخططات استئصال تشيب لهولها الولدان، تقودها دول كبرى خرّت أمام أساطيلها صريعة إمبراطوريات عظمى كالفاشية والنازية واليابانية والشيوعية.

ومع أن أمة الإسلام على الصعيد الحكومي الداخلي وعلى الصعيد الدولي، تعيش حالة يُتم وضعف وتمزق بسبب انهيار آخر دولة تحدثت باسمها، فتفرق بعدها الشمل بل أنكى من ذلك تم اختراق دولها ومجتمعاتها فتحولت طائفة من أبنائها نخبا وحكاما حربا على الإسلام وحضارته، حتى نطق أكثر من دستور لـ "دولة إسلامية" بحظر قيام حزب على أساس الإسلام، وبمفهوم المخالفة أن كل فكرة أخرى يمكن أن ينهض على أساسها حزب لخدمتها إلا هذا اليتيم، بينما هو المالك الأصلي للدار، فيحرم حتى من غرفة فيها.

ومع ذلك فالمفارقة صارخة، أنه بقدر ما تتصاعد وتيرة تمسك الأمة بدينها كما يبدو ذلك في تصاعد الإقبال على الصلاة والحجاب والكتاب الإسلامي والمعاملات المالية.. وينداح الإسلام أسرع من أي دين آخر، بقدر ما تتسع الهوة بين هذه الشعوب وبين حكامها الذين تتفاقم عزلتهم ويشتد تذيلهم للأجنبي.

بالتأكيد مصر فاروق التي احتضنت ممثلي الثورة في المغرب العربي ومصر عبد الناصر التي احتضنت قيادة الثورة الجزائرية، هي أقوى وأكثر استقلالا من مصر مبارك العاجزة حتى عن إمداد امتدادها الطبيعي في غزة بالوقود والغذاء بله احتضان المقاومة في فلسطين والعراق.

الإسلام يتقدم: ومع كل الاستهداف للإسلام واستسلام حكومات أمته للأجنبي، فالثابت أن الإسلام لم يحقق بقاءه وحسب، بل هو يتقدم بثبات وسرعة تحت القصف إن على مستوى الكم أو على مستوى الكيف.

جغرافيته في اتساع، بالدعوة وبالهجرة والإنجاب وباسترداده بلادا واسعة تمتد ملايين الأميال في آسيا الوسطى يعيش عليها عشرات الملايين اقتطعها المد الشيوعي واقتطعهم من دار الإسلام، هم اليوم ينفضون الغبار عن مساجدهم ومدارسهم رغم الكيد الغربي الذي يمد العون سخيا للحرس الشيوعي القديم حتى ولو أرسى جمهوريات ملكية، بينما خارج المنطقة الإسلامية يمارس كل أسباب الضغط والدفع للإطاحة ببقايا الشيوعية في تلك الجمهوريات من بولونيا إلى أوكرانيا.

وعلى الصعيد الجغرافي أيضا، للإسلام المعاصر عوالمه الجديدة الممتدة في كل إرجاء المعمورة من الأميركتين إلى أوروبا وعبر كل القارات.

وهو بصدد التفاعل مع عوالمه الجديدة أخذا وعطاء باذلا إسهامه في ازدهارها وخيرها، لا يعكر صفوه ويعرقل سيره غير فكر وأعمال التطرف، رد فعل أحمق عن سياسات غربية ظالمة.

"
الإسلام ماض في تأصيل جذوره في عوالمه الجديدة وتطوير ثقافة إسلامية تتناغم مع الخصوصيات, كما طور من قبل ثقافات إسلامية عربية وفارسية وهندية ومالاوية وأفريقية
"
ولكن الإسلام ماض في تأصيل جذوره في عوالمه الجديدة وتطوير ثقافة إسلامية تتناغم مع خصوصيات تلك البلاد كما طور من قبل ثقافات إسلامية عربية وفارسية وهندية ومالاوية وأفريقية.

أما على صعيد الكيف فقد أمكن للمسلمين أن يكسبوا في إيمانهم خيرا بعد قرنين من الإصلاح عودا إلى الجذور، فهم اليوم أوعى بعصرهم ولغاته وعلومه وتقنياته، قد استفاقوا من صدمة الحداثة والانبهار بها، محررين دينهم من كثير من آصار الانحطاط، مميزين بينها وبين أصول الدين، مقتحمين عالم الحداثة مسلمين.

وهي عملية بدأت منذ قرنين، عبر ممارسة الاجتهاد استئنافا للحوار والتفاعل بين الوحي والواقع، بحثا عن حلول جديدة لمشكلات جديدة، إفادة من تراثنا ما هو نافع واقتباسا من المدنية الحديثة ما يتساوق مع مقاصد الإسلام ولخدمته.

وهكذا تمت وتتم في الإسلام عملية مهمة جدا لم تتم في دين آخر-كما لاحظ ذلك عالم الاجتماع الانجليزي آرنست جلنر- يعني استيعاب الإسلام الحداثة الغربية بدل أن تحتويه كما فعلت مع كل الديانات الأخرى، ليستخدمها في ضخّ دماء جديدة في عقول وحياة أهله دون أن يبذل الثمن الذي طلب منه: الإقدام على إجراء جراحات في بنيته حتى يتلاءم والحداثة العلمانية، مما تحمس له حكام ونخب: أتاتورك وبورقيبة وشاه إيران.. إلى عدد من المفكرين وبعضهم من خريجي المعاهد الدينية: عبد الرازق وطه حسين وخالد محمد خالد.. قبل أن تدركهم توبة.

ومن ثمار هذه العملية التاريخية المهمة جدا التي أنجزها الإصلاح الإسلامي أعني احتواء الإسلام للحداثة بشروطه ولمصلحته، هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي تعمر الأمة من أقصاها إلى أقصاها وبالخصوص قطاعات التعليم حيث يهيمن القطاع الطلابي الإسلامي على كل الكليات في بلاد الإسلام، وحيث وجد مسلمون يتمتعون بنفس من الحرية.

وانعكس ذلك في النقابات المهنية التي تمثل الطبقة الوسطى: المهندسين والأطباء والمحامين والصيادلة والجامعيين والصحفيين وحتى الجمعيات النسائية، والجمعيات الخيرية.

ولقد كان من آثار هذه العملية التاريخية المهمة، اندلاع ثورات التحرير في القرن الماضي التي دحرت جيوش الاحتلال وصولا إلى حركات المقاومة في أيامنا، وهي تنازل بكفاءة عالية جيوش الاحتلال، ولن تصبر طويلا حتى تولي الأدبار عن دار الإسلام، تجرر أذيال الخزي في أثر أسلافها.

ومن ثمارها تحريك آلة الاجتهاد المعطلة منذ عصور، اجتهاد أصّل لمكانة العلم في دين الإسلام وللتربية الحديثة وللنشاط الاقتصادي باعتباره جزءا من عبادة المسلم وللفنون الجميلة ولحقوق الإنسان وللحرية والديمقراطية ولدور المرأة شقيقة للرجل.

وبذلك توالى بروز معالم الحياة الإسلامية بهذا العصر في مجالات كثيرة منها المجال الاقتصادي حيث فرض مفهوم الاقتصاد الإسلامي شخصيته المتميزة مقابل الاقتصاد التقليدي الرأسمالي، فامتدت سلسلة واسعة من البنوك والشركات الإسلامية التي تلتزم بضوابط الشريعة، وبلغ نجاحها إلى حد أن غدت كبريات البنوك الغربية مثل سيتي بنك وباركليز تفتح لها فروعا تتعامل بالشريعة الإسلامية، وكان أحدثها البنك الإسلامي البريطاني خطوة كبرى.

وانعقدت له المؤتمرات العلمية والندوات الدراسية بل قد فتحت جامعات غربية مثل جامعة لافرا في إنجلترا كلية لدراسة الاقتصاد الإسلامي، باعتباره قادرا على تقديم حلول لمشكلات عجز عنها الاقتصاد الرأسمالي وتتسبب في الأزمات الخطيرة.

"
الأحزاب الإسلامية تمكنت من أن تحقق أقدارا غير قليلة من النجاح إن على صعيد تعبئة أوسع القطاعات الجماهيرية وراء قضايا الأمة الكبرى في العدل والحرية ومناصرة ضحايا العدوان الدولي على شعوب إسلامية
"
ومن ذلك أيضا ظهور معالم أخرى للحياة الإسلامية في مجال الأدب والفنون مثل الرابطة العالمية للأدب الإسلامي.. ومن مثل تطوير الزي الإسلامي للمرأة الذي هو صورة معاصرة تجسم قيم الإسلام في الحشمة، متفاعلة مع ما اقتضته الحياة المعاصرة من مشاركة واسعة للمرأة في المجال العام، فضلا عن تقديم دراسات وبرامج لأحزاب ونقابات وجمعيات إسلامية.

ولقد أمكن للأحزاب الإسلامية أن تحقق أقدارا غير قليلة من النجاح إن على صعيد تعبئة أوسع القطاعات الجماهيرية وراء قضايا الأمة الكبرى في العدل والحرية ومناصرة ضحايا العدوان الدولي على شعوب إسلامية، والوقوف إلى جانب المقاومة فيها مثل قضية فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير والعراق وأفغانستان، أو في مجال التصدي لأنظمة القهر والاستبداد مناصرة لحقوق الإنسان والديمقراطية والعدل الاجتماعي والتعاون في ذلك مع سائر القوى الوطنية، قومية ويسارية وليبرالية في تشكيل جبهات لفرض التحول الديمقراطي، والتعاون كذلك مع قوى تحررية في العالم مثل الحركة العالمية المناهضة للعولمة، والجماعات الدينية المدافعة عن الأسرة والعفة.

وبرهنت الأحزاب الإسلامية ونوابها في البرلمانات من المغرب إلى أندونيسيا على مدى ما تتوفر عليه هذه الجماعات من مستوى عال من المبدئية والواقعية في الآن ذاته، وتنهض الحركة الإسلامية اليوم بمهمة تجديد النخبة السياسية وتشبيبها، بديلا عن جيل سياسي علماني حكم فأنهكه الفساد وشبع شيخوخة وعقما.

وحتى عندما حكمت أحزاب إسلامية وأزيحت مثل حزب الرفاه، لم تستنفر الجماهير إلى الجهاد، مسفّهة ما اتهمت به من توظيف للديمقراطية!! وسرعان ما عادت إلى الساحة عبر صناديق الاقتراع أقوى مما كانت بعد أن تعلمت من تجربتها، وتشكلت في هيئات جديدة حاملة برامج واقعية متطورة، محمولة إلى الحكم على أجنحة آمال شعوبها في العزة والرفاه وطهارة الأيدي المتوضئة، فحققت مستويات تنموية غير مسبوقة.

ينطبق بعض ذلك أيضا على الأحزاب الإسلامية المشاركة في السلطة التشريعية، وهو حال أغلبها من باكستان إلى مصر واليمن والكويت والجزائر.. وكذا على الأحزاب المشاركة في الحكومات أيضا، وهي غير قليلة من إندونيسيا إلى بنغلاديش والجزائر.

عموما يمكن اعتبار أن تجربتها قد أسهمت في تطويرها ذاتيا فجعلتها أكثر فقها بالواقع المحلي والدولي، كما أسهمت في خدمة الإسلام وترسيخ التجربة الديمقراطية، وفوتت على أعداء الإسلام فرصة دفعها إلى الصدام مع الحكومات مما تضررت منه التجربة الديمقراطية كثيرا.

ولكن هذه المشاركات تبقى في عمومها جزئية وأحيانا ضارة، وتظل الصورة العامة لوضع الإسلام -وربما الأفضل ضمن الظروف القائمة- أنه في المعارضة للاستبداد العلماني المحلي وللهيمنة الدولية الداعمة له، سواء أكانت معارضة معترفا بها أم تدور عليها رحى القمع إلى درجة السحق أحيانا أخرى.

وفي كل الأحوال المشروع الإسلامي أوسع من أن يختزله حزب أو برنامج للحكم، الحكم مجرد جزء من مشروعه، وليس هو الأعظم والأهم، ولذلك سقطت للإسلام دول لا تحصى بينما استمر فعله في الأمة والتاريخ. ولطالما عرفت حضارة دولة "الحداثة " التي تغولت حتى خنقت مبادرات المجتمع وابتلعته.

"
الإسلام اليوم يمثل أمل الأمة بل الإنسانية في استعادة الأخلاق والعدل والمعنى إلى حضارة تتعرى من كل ذلك بشكل مريع، شهدت عليه فضائح غوانتانامو وأبوغريب وكاترينا وأحزمة الفقر المحيطة بكثير من المدن الحديثة
"
إن مركز الإسلام ازدهر ازدهارا في مجتمعات زاخرة بالفكر والثروة في ظل دول فاسدة، حيث كانت سلطة الدول محدودة والمبادرة الحرة متاحة.

وإنما اشتد طلب الإسلاميين على الحكم بأثر المشروع الإسلامي الإنسان، فردا وأسرة وعلاقات اجتماعية، باعتباره مشروعا مجتمعيا تربويا يتجه إلى الإنسان ليحقق في حياته أيا كان وضعه حضورا لله في حياته يلوّن كل فكره ومشاعره وسائر مسالكه وعلاقاته بصبغة إلهية.

وفي هذا الصدد يمكن اعتبار المشروع الإسلامي رغم ضعف إنجازه في مستوى الوصول إلى السلطة بسبب العوائق، قد حقق على صعيد الأمة إنجازات كبرى تؤهله عن جدارة للحديث باسم الرأي العام في الأمة الإسلامية.

نعم هو في المعارضة، والعلمانية في السلطة، ولكنه المعارضة الأقوى والأوسع شعبية. ولم يكن الأمر كذلك قبل أزيد من ثلث قرن فقط. الإسلام اليوم يمثل أمل الأمة بل الإنسانية في استعادة الأخلاق والعدل والمعنى إلى حضارة تتعرى من كل ذلك بشكل مريع، شهدت عليه فضائح غوانتانامو وأبوغريب وكاترينا وأحزمة الفقر المحيطة بكثير من المدن الحديثة مثل باريس.

من الدروس المستفادة من تجارب التطبيق الإسلامي في مستوى منهج التغيير والحكم، أهمية مبدأ التدرج ورفض الاستدراج إلى العنف إلا دفعا لمحتل، وتركيز الجهد على إصلاح الإنسان ومؤسسات المجتمع، بدل التمركز حول الدولة. أعز مطالب الإسلام وبالخصوص ضمن وضع التجزئة: الحرية، القيمة الإسلامية الكبرى والبوابة الرئيسة لكل إصلاح.

وخير من الانفراد بالحكم ولو كان ذلك مقدورا عليه انتخابيا، المشاركة فيه ضمن جبهات وطنية.

إن مستقبل حركات الإسلام مرتبط بالإسلام، تتقدم بتقدمه وتتراجع بتراجعه، بصرف النظر عن تراجع ظرفي لهذه الحركة أو تلك لا تلبث أن تتلافاه. إن مد الإسلام في حالة صعود بما يقطع أن نخبته حاكمة غير بعيد، بإذن الله سبحانه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك