تيسير نصر الله

هل هو صراع سلطة أم برامج سياسية؟
سيناريو تعزيز الفصل
سيناريو محاولات السيطرة
سيناريو الحوار
حوار مع تهيئة أجواء مناسبة له
خطوات تهيئة الأجواء قبل بدء الحوار

كتب الكثيرون حول العلاقة بين حركتي فتح وحماس، عرضاً لتاريخهما، وسرداً لخلافاتهما، وتبياناً لأوجه القوة والضعف في كل منهما. لذا فلن أكرر ما كتبه الآخرون في هذا المقال، حيث أنني لا أنوي استعراض التاريخ، والمبادئ، والإستراتيجيات، والأهداف، والمنطلقات، والظروف التي أوجدت كلاّ من الحركتين، فهذا الأمر بات في حكم المعروف لدى جمهور المتابعين.

ولكنني سأحاول البحث عن الحلول المحتملة بينهما، والإجابة عن تساؤلات كثيرة تدور في ذهن المتابعين، بعيداً عن مبدأ الانحياز لهذه الحركة أو تلك، بل سأجعل من المواقف التي اتبعتها كل واحدة منهما منطلقي في البحث، وإبداء وجهة النظر المناسبة.

وحتماً فإنني أدرك تمام الإدراك أنني أكتب في موضوع شائك ومعقد، وتتباين فيه وجهات النظر إلى مستوى التخوين والتكفير، وأبعد من ذلك القتل.

هل هو صراع سلطة أم برامج سياسية؟
ازدادت التحليلات حول سبب الخلاف بين الحركتين، لدرجة الوصول إلى استخدام الحسم العسكري لحل هذا الخلاف، كما حدث في غزة أواسط يونيه/حزيران الماضي، عندما لجأت حماس إلى أسلوب الحسم العسكري، والاستيلاء على مقرات الأجهزة الأمنية، وبالتالي السيطرة على قطاع غزة بالقوة العسكرية المسلحة.

فرب قائل يقول إن السبب وراء ذلك هو الصراع على السلطة، خاصة بعد أن شاركت حماس للمرة الأولى في الانتخابات التشريعية عام 2006 وحصدت غالبية مقاعد المجلس التشريعي، مما أدخلها في مؤسسات السلطة من أوسع الأبواب، وجعلها تشكّل حكومة حمساوية خالصة من بين أعضائها.

لم تعمّر هذه الحكومة طويلاً نتيجة تداخلات كثيرة نحن لسنا بصدد الخوض في تفاصيلها، مما أعقب ذلك تجاذبات وتناقضات أدت إلى التوقيع على اتفاق مكة بين الحركتين، الذي فتح الباب على تشكيل حكومة وحدة وطنية تقاسمت فيها الحقائب الحركتان.

وهذه الحكومة لم تعمر طويلاً هي الأخرى لأسباب باتت معروفة للجميع، من أهمها عدم وضوح البرنامج السياسي للحكومة، وانطلاق كل طرف من موقف سياسي مختلف.

لذا فإن تضارب البرامج السياسية وسوء استخدام العلاقات الدولية أديا إلى فشل حكومة الوحدة الوطنية، وتم الحسم العسكري ليطلق الرصاصة الأخيرة على تلك الحكومة، مما أدخل الساحة الفلسطينية مجدداً في احتمالات أحلاها مر.

لذا فإن الصراع بين الحركتين هو صراع على السلطة وفق برامج سياسية مختلفة ومتضاربة ومتعارضة.

سيناريو تعزيز الفصل

"
ربما يتبع اجتياح محتمل لقطاع غزة عدة سيناريوهات على رأسها محاولة إضعاف حماس كتنظيم عسكري وتقوية الجناح المعتدل على حساب الآخرين، أو قد تكون هناك احتمالات لدخول قوات عربية أو دولية، وقد يكون هناك تسوية على تقاسم السلطة بين فتح وحماس
"
يتمثل هذا السيناريو في بقاء الوضع بين فتح وحماس كما هو عليه الآن، أي لا تنسيق ولا حوار إلاّ بعد أن تتخلى حماس عن سيطرتها على قطاع غزة، وتعيد الأمور هناك إلى ما كانت عليه قبل الرابع عشر من يونيو/حزيران 2007.

وهذا الموقف يتردد كثيراً في تصريحات قادة حركة فتح والناطقين باسمها، ولعله موقف مجمع عليه لدى كل الفتحاويين، وهو الموقف الذي رفضته حماس منذ اللحظة الأولى والتي سيطرت فيها على قطاع غزة وحتى الآن، ويقع تحت هذا الاحتمال الفصل الأوتوماتيكي بين الضفة الغربية التي تسيطر عليها فتح، وبين قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس.

وهنا يبرز السؤال: إلى متى هذا الانفصال، هل هو أمر لا رجعة عنه ولا نقاش فيه وأصبح من المسلمات، رغم أننا نسمع الكل يتحدث عن وحدة الوطن وخاصة من حركتي فتح وحماس، وهل سيوافق الشعب الفلسطيني على بقاء الوضع على ما هو عليه الآن، والتسليم بالأمر الواقع الذي فرضته حماس في غزة؟

إن هذا الاحتمال يعزز الهيمنة الإسرائيلية، وهناك من يقول إن إسرائيل ستحطم أي محاولة للتقارب بين فتح وحماس، فهي المستفيد الأول من الفصل. وحتى لو أقدمت إسرائيل على اجتياح قطاع غزة، فهذا الاجتياح حسب الإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة لتعزيز الفصل، لا يعني إنهاء سلطة حماس في قطاع غزة، فإسرائيل تريد أضعاف حماس فقط ولكنها تفضل سلطة حماس في قطاع غزة.

وربما يتبع اجتياح محتمل لقطاع غزة عدة سيناريوهات على رأسها محاولة إضعاف حماس كتنظيم عسكري وتقوية الجناح المعتدل على حساب الآخرين، أو قد تكون هناك احتمالات لدخول قوات عربية أو دولية على غرار دارفور أو الصومال، وقد يكون هناك تسوية على تقاسم السلطة بين فتح وحماس ما بعد الاجتياح للخروج من المأزق، وهذا أمر مستبعد.

سيناريو محاولات السيطرة
الاحتمال الثاني يحتمل التصعيد العنيف من قبل الحركتين، ومواصلة سياسة الحسم العسكري، وعدم الاكتفاء بالوضع الحالي، ونلمس ذلك من خلال تصريحات قادة في حماس، وذلك بالتهديد للجوء إلى نفس الأسلوب الذي قامت به حماس في غزة، خاصة على أثر قيام أجهزة الأمن بملاحقة وتتبع كوادر حماس وخاصة أولئك الذين يتهمون بأنهم أعضاء في القوة التنفيذية، وتربطهم صلات وثيقة بقادة حماس في غزة.

وتحذّر هذه القيادات أن موعد الحسم العسكري في الضفة قد اقترب، في نفس الوقت الذي تعمل حركة فتح على استعادة قوتها في غزة، ولمسنا ذلك في المهرجان الضخم الذي نظمته الحركة في الذكرى الثالثة لرحيل مؤسسها وزعيم الشعب الفلسطيني ياسر عرفات، حين خرجت غزة عن بكرة أبيها في ذلك المهرجان، الذي قيل عنه وفيه الكثير، وكثرت التحليلات بعده، في أن فتح عائدة إلى غزة بأسرع وقت.

إن لجوء الحركتين إلى هذا الاحتمال يعني أنهما ماضيتان في تأكيد الطلاق بينهما، وأن الأيام القادمة تحمل الكثير من المفاجآت، وهذا الأمر يثير الرعب في أوساط الشارع الفلسطيني الذي لم يوافق على ما قامت به حماس في غزة، ورفض أسلوبها بشكل مطلق، فهو المتضرر الوحيد من جرّاء هذه السياسة التي رفضها سابقاً وسيرفضها لاحقاً.

ولكن يجب التأكيد أن كلتا الحركتين لا تتبنيان نفس الأسلوب في مسألة السيطرة، فحركة حماس تؤكد على خيار الحسم العسكري، وبأنها ستصلي في المقاطعة برام الله تماما كما صلت في المنتدى، ولكن حركة فتح تحاول قدر الإمكان تجنب الفعل العسكري في صراعها مع حماس داخل قطاع غزة.

"
لجوء فتح وحماس إلى خيار الحسم العسكري يعني أنهما ماضيتان في تأكيد الطلاق بينهما، وأن الأيام القادمة تحمل الكثير من المفاجآت، وهذا الأمر يثير الرعب في أوساط الشارع الفلسطيني
"
فهي تدرك أن الصراع مع حماس يحتاج إلى التصاق أكثر بالجماهير، وبالتالي فقد تبنت حركة فتح خيارات سلمية للضغط على حماس لحثها على التراجع عن انقلابها العسكري في القطاع، وستعتمد فتح على قدرتها على حشد الناس بشكل هائل خصوصا أمام حالة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يعيشه قطاع غزة جراء الحصار والإغلاق وسياسات حماس في تسيير أمور القطاع.

لكن لا أحد يدرك تداعيات هذين الخيارين، فقد تحدث ضربة خاطفة لحماس في الضفة شللا في جهاز السلطة التي يقودها الرئيس محمود عباس، وهذا أمر تتحسّب له أجهزة السلطة وتعمل على مدار الساعة لمنعه، وفي اتجاه آخر قد يكون للعمل الجماهيري الواسع لحركة فتح في قطاع غزة تداعيات قد تنذر بثورة شعبية تطيح بحماس وبمقراتها وقوتها بلمح البصر أمام ضربات الجماهير.

سيناريو الحوار
وهذا السيناريو يمثل الحلقة الأضعف لغاية اللحظة، فحماس لم تبد أي مرونة تذكر في مسألة التراجع عن حسمها العسكري، وفتح لن تتنازل عن هذا المطلب الذي من أجله حدث الانفصال، ولعل المطالبات العربية والفلسطينية والإسلامية الداعية للحوار حرصا على المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، تقف يوميا أمام هذا المعطى الخطير، وتعجز عن إقناع حركة حماس بضرورة التراجع.

إن الحوار قد يتحول إلى وسيلة حقيقية لإنهاء حالة الانفصال والضعف الناتج عنه إذا ما بادرت حماس وبشكل سريع لاتخاذ الخطوة الأولى في هذا المجال، وإلا فإن المستقبل لن يحمل الكثير من البشائر في هذا المجال.

حوار مع تهيئة أجواء مناسبة له
الحوار بحاجة لحسن النوايا، ويتساءل البعض هل بقيت هناك نوايا حسنة بعد كل الذي جرى في غزة، وهل عقلية حماس ترضى بالحوار، وبنتائج الحوار أياً كانت هذه النتائج، خاصة بعد تجربة جولات الحوار الطويلة التي حدثت على أثر وثيقة الوفاق الوطني التي هندسها الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وبعدها حوارات مكة التي انتهت بالتوقيع على وثيقة مكة المكرمة.

تجارب الحوار بين فتح وحماس باءت بالفشل عبر الحقبة الماضية لماذا ستنجح الآن؟ هذا هو السؤال المهم، هل تغيرت عقلية قادة حماس بقبول الآخر الفلسطيني بعيداً عن سياسة التخوين والتكفير والتشهير والتحريض، وسياسة الإقصاء والإبعاد؟؟

وهل فتح جاهزة هي الأخرى لتوفير المناخ المناسب للحوار الوطني، من خلال وقف كل عمليات الاعتقال ضد كوادر وعناصر حماس في الضفة، ووقف التحريض على أبناء حماس؟

بوجهة نظري لا يمكن أن ينجح الحوار بدون تهيئة الأجواء المناسبة له من قبل الطرفين، وتنازل كل طرف عن مواقفه التي من الممكن، بل من المحتم، أن تفشل الحوار قبل أن يبدأ، وبداية يجب أن يتفق الطرفان على وقف كافة مظاهر التحريض المعلن وغير المعلن، وعبر وسائل الإعلام المختلفة وفي أدبيات الحركتين، فالحوار عبر وسائل الإعلام يفجّر الأمور ويزيدها تصعيداً.

خطوات تهيئة الأجواء قبل بدء الحوار

"
مطلوب من حماس التراجع عن خطوتها العسكرية في قطاع غزة، والاعتراف بالخطأ الذي ارتكبته والاعتذار, ومطلوب من فتح وقف الملاحقة والتحريض ضد أبناء حماس، والموافقة على مبدأ الشراكة السياسية، ونتائج الانتخابات 
"
فالخطوات المطلوبة من حماس لتهيئة الأجواء لبدء حوار جاد يفضي إلى نتائج لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية هو قبول حماس بالتراجع عن خطوتها العسكرية في قطاع غزة، والاعتراف بالخطأ الذي ارتكبته عندما أقدمت على هذه الخطوة، وبالتالي الاعتذار للشعب الفلسطيني على ما سببته له من نكبة جديدة، ومن ضرب للنسيج المجتمعي، وللعلاقات الأخوية والعائلية والنضالية بين أبناء الشعب الواحد.

وإقصاء كل القيادات الحمساوية التي تحرّض على الفتنة والقتل، والموافقة على محاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم قتل وتعذيب ضد أبناء فتح والشعب الفلسطيني عبر تقديمهم للقضاء الفلسطيني، وعدم التستر عليهم مهما كانت الأسباب.

وبالتالي ترسيخ مبدأ الشراكة السياسية والتسامح في عقول أبناء حماس، وإبعاد الدين عن السياسة، فالدين لله والوطن للجميع.

أما الخطوات المطلوبة من فتح فتتمثل بوقف الملاحقة التي تقوم بها السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية ضد أبناء حماس، ووقف سياسة التحريض في أدبيات فتح وتصريحات قادتها ضد حركة حماس، والموافقة على مبدأ الشراكة السياسية، ونتائج الانتخابات.

إن الأفق لا يبشّر بخير على الإطلاق، فبعد مؤتمر أنابوليس هناك مسيرة جديدة قد بدأت، وهناك انسجام عربي كامل مع هذه المسيرة مهما كانت نتائجها التي لا تبشر بخير هي الأخرى إذا لم يدر العرب معركتهم التفاوضية بكل حنكة وتنسيق وصلابة.

إن انقسام غزة والضفة وابتعادهما عن القدس التي لفت بجدار سميك سيجعل من الموقف التفاوضي والمقاوم في آن في مهب ريح عاتية.

إن التفاوض يتطلب جبهة داخلية متينة، ولكن هل حماس ستعزز هذه الجبهة التي يقودها أبو مازن. كما أن "المقاومة" تحتاج إلى تعاطف شعبي فلسطيني يحميها، فهل هناك تعاطف شعبي فعلي مع "المقاومة" في غزة بعد كل النكبات التي حلت بهم؟
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك