أكرم البني

السؤال الملح الذي يطرح نفسه اليوم: من هو صاحب المبادرة وله المصلحة الأكبر في تسخين الجبهة التركية الكردية، أهو حزب العمال الكردستاني أم الجيش التركي، أم هناك طرف ثالث تتغذى سياساته ومراميه من تفعيل هذا الصراع وتأجيجه؟!

منذ أشهر وبعد زمن طويل من الهدوء، بدأت تتواتر بيانات لقوات حماية الشعب وهي الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني عن عمليات متفرقة تقوم بها، كان أهمها ما سمته هجوماً صاعقاً وبالأسلحة الثقيلة، ضد نقطة عسكرية تركية في منطقة شرناخ التابعة لولاية ماردين في شمالي كردستان، الأمر الذي أسفر عن مقتل 14 جندياً تركياً وجرح عدد آخر.

وأوضح البيان أن ما حصل رد مشروع على العملية التي قام بها الجيش التركي قبل ذلك وأسفرت عن قتل تسعة مقاتلين أكراد في المنطقة ذاتها, وإن مرت العمليات السابقة بسلام وآثرت الحكومة التركية ضبط النفس والرد بمتابعات ميدانية محدودة ضد المليشيات الكردية.

"
ما يحدث اليوم يجعلنا نقف أمام مشهد يذكرنا بما كان يحدث في عقد الثمانينيات من تسعير للصراع بين الدولة التركية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، والذي كاد يفضي في نهاية المطاف إلى اجتياح عسكري تركي لمناطق حدودية سورية
"
لكن العملية الأخيرة كانت أشبه بالقشة التي قصمت ظهر البعير حيث لم يبق أمام الرئيس التركي الجديد عبد الله غل والمشرف على ما يسمى لجنة مكافحة الإرهاب، سوى أن يدعو إلى عقد اجتماع ضم بعض مسؤولي الحكومة وأركان المؤسسة العسكرية لبحث كيفية الرد ووضع حد لما يقوم به عناصر حزب العمال.

لنقف أمام مشهد يذكرنا بما كان يحدث في عقد الثمانينيات من تسعير للصراع بين الدولة التركية ومقاتلي الحزب، والذي كاد أن يفضي في نهاية المطاف إلى اجتياح عسكري تركي لمناطق حدودية سورية لولا اعتقال زعيم الحزب عبد الله أوجلان وتوقيع اتفاق بين البلدين جوهره التزام كل طرف بمنع أي نشاط معادٍ ضد الآخر ينطلق من أراضيه.

فما سبب إقدام المقاتلين الأكراد في هذا الوقت بالذات على تنشيط عملياتهم ضد المواقع العسكرية التركية، وفي الوقت الذي كرست فيه الانتخابات التركية الأخيرة فوز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مقاعد البرلمان وما يعنيه ذلك من احتمال التقدم خطوات جديدة وملموسة نحو تخفيف معاناة الشعب الكردي ربطاً بالاهتمام المعروف لدى هذا الحزب بمعالجة أوضاع الشمال وتالياً بالوعود التي أطلقها في حملته الانتخابية لتخصيص مزيد من الجهد والمال لتنمية تلك المناطق وضمان الحقوق الثقافية للأقليات القومية فيها.

وأيضاً هو الوقت نفسه الذي يتحين فيه الجيش التركي أي فرصة لرد الاعتبار لدوره وتكريس حضوره السياسي في البلاد بعدما منيت القوى الملتفة حوله بإخفاق مشهود في الدفاع عن وصايته على العلمانية وفي نيل وزن أكبر في الانتخابات الأخيرة.

وقد جاءته هذه الفرصة على طبق من ذهب، عندما وضع المقاتلون الأكراد البرلمان التركي أمام واجب لا مجال للالتفاف عليه وهو التصويت على عمليات عسكرية واسعة ضد مواقع حزب العمال في الأراضي العراقية كانت فاتحتها التهديد بملاحقة المقاتلين الأكراد داخل الحدود العراقية، ثم إعلان ثلاث ولايات كردية مناطق عسكرية مغلقة خاضعة لسيطرة قوات الأمن والجيش ومحرمة على وسائل الإعلام والصحافة، تلتها الحشود الكثيفة على طول جبال كردستان وحدودها مع العراق.

وجاءت أخيراً عمليات التوغل لملاحقة المليشيات الكردية والغارات التي شنت ضد بعض القرى الكردية الحدودية بحجة لجوء المتمردين إليها واعتمادهم عليها كقاعدة للانطلاق في عملياتهم ضد القوات التركية.

إن تعذر تعليل زمن هذه الاندفاعة في الصراع الكردي التركي، وصعوبة تقديم إجابة شافية عن ضرورة اختيار هذا الوقت بالذات، يثير المزيد من الأسئلة عن غرض حزب العمال من فتح جبهة الحرب مرة أخرى من الحدود العراقية، وهو الذي التزم سنوات ومن طرف واحد بوقف إطلاق النار.

هل ثمة خطة جديدة لديه أم أن الأمر مجرد خبطات ثأرية لا تضع في اعتبارها منحى أو هدفا؟ أم يتعلق السبب بتوافقات خفية مع قوى إقليمية أو عالمية غرضها إحراج أكراد العراق وتجد في تعسير هذا الصراع ما يحقق لها بعض أهدافها؟ أم هناك حاجة ذاتية إلى تأكيد الوجود وربما كرفض طفولي لنتائج الانتخابات التركية التي وضعت عملياً القضية الكردية على سكة الحل السياسي وربما كشكل من أشكال الرد الانفعالي على حالة من العجز عن اتباع الوسائل السلمية والنضالات المدنية لتعزيز الحضور ونيل ثقة الشارع، وما يعنيه ذلك من رفض ضمني لاحتمال أن ينجح حزب العدالة والتنمية في تخفيف معاناة الشعب الكردي وكسب مستوى أعلى من تعاطفه، خاصة أن مرشحي حزب المجتمع الديمقراطي -وهو حليف حزب العمال الكردستاني- قد أخفقوا في منافسة مرشحي حزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية للفوز بالمقاعد البرلمانية المخصصة لها.

"
ليس غريباً تفسير ما يحصل على الجبهة التركية الكردية بأنه تناغم بين رغبتي حزب العمال الكردستاني والجيش التركي على التصعيد، فثمة مصلحة مشتركة لكليهما في الهروب إلى الأمام وتسعير الصراع ربما إلى حد الانفجار
"
وبالتالي ليس غريباً تفسير ما يحصل على الجبهة التركية الكردية بأنه تناغم بين رغبتي حزب العمال والجيش التركي على التصعيد، فثمة مصلحة مشتركة لكليهما في الهروب إلى الأمام وتسعير الصراع ربما إلى حد الانفجار، على أمل أن يتمكن كل منهما من معالجة أزمته المزمنة وقد ازدادت تفاقماً بعدما كرست الانتخابات الأخيرة فوز حزب العدالة بأغلبية مقاعد البرلمان، وهو الطرف القادر عبر سياساته الوسطية على سحب البساط من تحت أقدامهما.

من دون شك تتحمل السلطات التركية مسؤولية مزدوجة تجاه استمرار المشكلة الكردية وتجاه ما يجري، مرة بإصرارها المزمن على تجاهل خصوصية الوضع القومي في الجبال وإهمال مطالب الشعب الكردي وحقوقه المشروعة خاصة أن تعداد الأكراد صار يتعدى 15 مليوناً، ما انعكس إحباطا سياسياً واحتقاناً اجتماعياً في صفوفهم، ومرة بتكرار اللجوء إلى الخيار العسكري لمعالجة التوترات الحاصلة.

لكن ثمة مسؤولية أيضاً تقع على عاتق حزب العمال وبخاصة ما يشاع عن عودته إلى أسلوب الكفاح المسلح كطريق رئيسي لتحصيل الحقوق، وما يعنيه ذلك من احتمال طي نتائج المراجعة النقدية التي أجراها قبل وبعد اعتقال زعيمه أوجلان، والتي كرست قبوله بمبدأ الحكم الذاتي في إطار الدولة التركية واعتبار حل المسألة الكردية جزءا لا يتجزأ من معالجة القضية الديمقراطية العامة في البلاد..

وهذا الأمر يدل -من جهة- على تأثير لا يزال كبيراً لمن لا يريدون تمثل الدروس المستخلصة من الهزائم والانكسارات التي شهدها النضال الكردي في ثوراته المعاصرة ( جمهورية مهاباد في إيران 1946، اتفاق مارس/ آذار في العراق 1975 وغيرها) وكيف لعبت أساليب النضال العنيف وتدخل العوامل العالمية والإقليمية دوراً كبيراً.

وهذا مرشح للتكرار اليوم، في إجهاض طموحه القومي بعدما وصلت "اللقمة إلى الفم" في غير لحظة من لحظات تاريخه، وليس أدل على ذلك سوى إجماع الدول الثلاث المعنية بالمشكلة الكردية -تركيا وإيران وسوريا- على مواجهة أي اندفاع كردي قد يربك الأوضاع الخاصة في هذه البلدان ويضعف مساعيها لتأكيد دورها الإقليمي.

وهو أمر بديهي أن تقف الأحزاب وقفة نقدية لتأمل ما حصدته سياساتها بعد زمن من التجربة ولمراجعة مواقفها وحساباتها، الأمر الذي مارسه بالفعل حزب العمال وخلص منه إلى تقديم أولوية النضال السياسي الديمقراطي بصفته خياراً إستراتيجياً لنيل الحقوق القومية، ما دام يعني بداهة نضالاً من أجل مساواة جميع القوميات في نظر المجتمع والقانون، وهو في الحالة الكردية تثبيت الحقوق المشروعة لهذا الشعب المضطهد كحقه في المواطنة وحقوقه الثقافية والسياسية، وحقه المتساوي في المشاركة في إدارة السلطة والدولة، بما في ذلك أيضاً تقرير مصيره بالوسائل والأساليب الديمقراطية.

مثلما خلص إلى أن أعمال العنف والقتل لم تسعفه ولم تثمر الثمار المرجوة، بل بدت هذه الطريق المليئة بالآلام والتضحيات غير قادرة حتى على تعديل توازن القوى في هذا الاتجاه، وبدا أن المراهنين على المواجهات الدامية وتسعير الاضطرابات الأمنية قد أخفقوا في إيقاظ الجمهور وتعبئته مثلما أخفقوا في ضعضعة الدولة التركية أو زعزعة سلطانها، إن لم نقل إنهم منحوها أكثر من مرة ذريعة قوية لاستخدام العنف المضاد على نطاق واسع، ومكّنوا تالياً الجيش والقوات العسكرية من إعادة ترتيب صفوفها وتشديد القبضة القمعية.

"
إذا كان ثمة أسباب عديدة تشجع القوى الكردية في تركيا على العودة إلى أسلوب العنف والكفاح المسلح منها ما يتعلق بتخلف مقومات النهوض السياسي ومنها ما يرجع إلى استمرار مناخات القمع, فإن تعقيدات المشهد الراهن يجب أن لا تحجب عن عيوننا وجود دوافع أخرى
"
إذا كان ثمة أسباب عديدة تشجع القوى الكردية في تركيا على العودة إلى أسلوب العنف والكفاح المسلح، منها ما يتعلق بتخلف مقومات النهوض السياسي ومنها ما يرجع إلى استمرار مناخات القمع والاضطهاد والشعور بشدة الحيف والظلم من سياسات الحكومة التركية، فإن تعقيدات المشهد الراهن يجب أن لا تحجب عن عيوننا وجود دوافع أخرى.

بعض هذه الدوافع يمكن إرجاعه إلى أمراض ذاتية مستوطنة -إن على المستوى النفسي أو الاجتماعي- تتكامل مع الدوافع الموضوعية وتتغذى منها وتعزز لدى الناس الاستهتار بأهمية العقلانية السياسية وجدواها، وتزيد من انتشار ظواهر ضيق الصدر وردود الفعل والتسطيح تجاه حراك المجتمع السياسي والمدني وتجاه سلبيات الواقع وسيئاته، وتزيد تالياً من الأوهام بأن خيار التطرف والمكاسرة هو ما يوفر الشروط المساعدة على تحقيق كل الأهداف.

وبعضها الآخر يمكن إرجاعه إلى ما يشاع عن تناغم في المصالح بين حزب العمال الكردستاني وبعض الأطراف الإقليمية والعالمية، ونخص بالذكر الولايات المتحدة الأميركية التي يبدو أنها تجد فيما يقوم به حزب العمال ما يساعد على تحويل الانتباه عن الساحة العراقية وما تعانيه من جهة، ولتوظيف هذه التطورات من جهة أخرى كأداة ضغط على الحكومة التركية لتحذيرها من مغبة دفع مواقفها أكثر خارج حقل السياسة الأميركية.

وهنا يقتضي التذكير بموقف البرلمان التركي من احتلال العراق ثم رفضه تحليق الطائرات الأميركية في الأجواء التركية للقيام بعمليات عسكرية، وأيضاً ببعض الإشارات التي ظهرت من هذا المسؤول الأميركي أو ذاك تعبر عن الامتعاض من مسار التقارب بين السياسة التركية والسياستين الإيرانية والسورية.

والحال، إذ يبقى الاحتمال قائما بأن يشهد الصراع التركي الكردي مزيداً من التصعيد في الفترة القادمة، لكنَّ ثمة رهانا كبيرا بأن تسير الأزمة الراهنة نحو التهدئة وإن تكن مؤقتة، في ضوء التفاهمات التي جرت على هامش مؤتمر إسطنبول لجوار العراق، وفي ضوء وعود صريحة من الحكومة العراقية بإغلاق مكاتب الأحزاب الموالية لحزب العمال ومحاصرة نشاطاته وإبعاد قياداته -إن وجدت- عن الأراضي العراقية.

يتناغم هذا المسار مع دعوة حزب العمال إلى الحوار والتفاهم السلمي مع الحكومة التركية ربطاً ببادرة حسن نية تجلت في إطلاق سراح ثمانية جنود أتراك احتجزهم مع بدء اندلاع المعارك.

"
مثلما يبدو أن الأكراد هم اليوم في أمس الحاجة إلى العقلانية في تفكيرهم وفي كل عمل يقومون به، فإن حزب العدالة والتنمية معني أيضاً بهذا الخيار والتحسب من الانجرار إلى الرهان على لغة الحسم العسكري
"
هذا الأمر ينقذ من جانب آخر الوضع الخاص لكردستان العراق والذي بات مصيره مهدداً في حال توسع المعارك واحتدامها، فالحرب التركية ضد حزب كردي ستغذي بلا شك الروح القومية شعبياً وتسعر الكفاحية العسكرية، وقد تأتي على الجهد الذي بذله أكراد العراق في بناء إقليمهم متحداً فدرالياً مع الدولة العراقية.

من خلال ما سبق يصح القول إن توسيع المعارك على الجبهة التركية-الكردية سيقود الشعبين إلى دورة جديدة من المعاناة والآلام ويترك أثاره السلبية على مستقبل الحقوق القومية الكردية وعلى تركيا ذاتها ومسيرتها الديمقراطية، الأمر الذي يمنح الأولوية للحوار السلمي وأن يشكل هذا المسار منعطفاً جديداً لمختلف الأطراف وبالأخص حزب العمال الكردستاني.

فهو المعني اليوم قبل الغد بالحفاظ على ما حققه أكراد العراق من تنمية وتطور، وأساساً بالتخلص من أوهامه بجدوى العمل العسكري أو الرهان على نتائج مجزية من اللعب على العوامل الخارجية ما دام خير من يعرف مدى خطورة هذه اللعبة على مصالح الشعب الكردي عامة وفي العراق خاصة، عدا عن أنه لا يملك من الأوراق ما يساعده على ذلك.

أخيراً، ومثلما يبدو أن الأكراد هم اليوم في أمس الحاجة إلى العقلانية في تفكيرهم وفي كل عمل يقومون به، وليس لديهم من وسيلة لنسف المنطق المضاد لهمومهم ومطالبهم وذاك الجو المحموم باللاعقلانية إلا بالعقلانية والخيار الديمقراطي، فإن حزب العدالة والتنمية معني أيضاً بهذا الخيار والتحسب من الانجرار إلى الرهان على لغة الحسم العسكري، وإلا فإنه يذهب -عن قصد أو دون قصد- إلى منح الجيش فرصة كي يكون من جديد اللاعب الأول في المجتمع التركي.
ــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك