الطيب بوعزة

كاتب مغربي

ميلاد الدولة القومية
قوة الدولة وانحلالها

لم تكن الدولة في العقود السابقة إطارا سياسيا فحسب، بل إطارا ناظما للمجتمع بكامل بناه ومجالاته. ولم تكن لسلطتها حدود داخل مجال سيادتها.

غير أن التطورات التي تعتمل الآن في الواقع المعاصر أخذت تسحب سلطات الدولة وتقلل من نفوذ مؤسساتها، فاسحة المجال أمام تغول سلط وقوى أخرى عابرة للقارات بنفوذها الاقتصادي والإعلامي والسياسي. حتى أن البعض أخذ يتساءل بجدية هل ثمة حاجة اليوم لاستمرار هذا الإطار السياسي التقليدي (الدولة)؟

أما بالنسبة للنظام العربي، فله خصوصية لا بد أن تسترعي انتباه الباحث، فشكل الدولة فيه لا يزال غامضا عائما أمام الطبيعة العشائرية والقبلية التي تسود أغلب الأقطار العربية.

ومع ازدياد الوعي العربي بضرورة تطوير نظام الدولة القُطرية، وتأهيلها لتنتقل إلى إطار سياسي فاعل، تأتي التحولات العالمية بتغييرات عاصفة تؤذن بالانتقال إلى مجتمع اللادولة، حيث يتم تقليص بنيتها ووظيفتها إلى مجرد جهاز شرطة يقتصر دوره على حفظ الأمن لا غير،أما الوظائف الاقتصادية والإعلامية والتعليمية، وحتى القانونية فيتم رسمها وإقرارها في الخارج.

إنها تحولات جذرية تفرض معاودة التفكير في فهمنا للدولة ومطالب تطويرنا لها.

ومن أجل إضاءة هذا المفهوم السياسي نريد في هذا المقال تحليل نظام الدولة، والنظر في تاريخية تطوره في السياق الدولي، وإيضاح التغييرات التي طرأت عليه، مع استحضار أفقه المستقبلي.

ميلاد الدولة القومية

"
الناظر في مسار التاريخ الأوروبي منذ ميلاد الدولة القومية وانتظامها النظري وفق مفهوم السيادة سيلاحظ أن هذا المسار كان توكيدا مستمرا لقوتها وتمكينا لإطارها السياسي بوصفه الفاعل المحوري على مستوى العالم
"
في الإطار التاريخي الغربي تؤشر بداية عصر الحداثة على ميلاد مفهوم الدولة القومية، وعادة ما يرجع مؤرخو الفقه الدستوري الميلاد النظري لهذا المفهوم إلى جون بودان في كتابه "ستة كتب في الجمهورية" سنة 1576.

وابتداء من هذه اللحظة التاريخية ومع بداية تفكك سلطة كنيسة روما وانحلال قبضتها الزمنية، أخذت الدولة بمفهومها القومي، وإطارها الجيوسياسي تقدم ذاتها بوصفها الشخصية السياسية الأولى الفاعلة في الواقع الدولي.

والناظر في مسار التاريخ الأوروبي منذ ميلاد الدولة القومية، وانتظامها النظري وفق مفهوم السيادة سيلاحظ أن هذا المسار كان توكيدا مستمرا لقوتها وتمكينا لإطارها السياسي بوصفه الفاعل المحوري على مستوى العالم.

لكن الملاحظة الثانية هي أن هذا المسار التطوري سينتهي ببنية الدولة في القرن العشرين إلى أقصى لحظات نموها والتمكين لسلطتها ونفوذها السياسي الداخلي، وذلك مع ميلاد "الدولة الشمولية" في النموذج الفاشي، و"الدولة الشمولية البيروقراطية" في النموذج الاشتراكي.

وهذه التقوية الإطلاقية للدولة وسلطتها في النموذج الاشتراكي الماركسي يبدو مفارقا للأصول النظرية والفلسفية للماركسية، إذ تقوم هذه الأصول على رؤية "مادية تاريخية" ترى في التاريخ الاجتماعي والسياسي صيرورة جدلية ستنتهي إلى زوال الطبقات ومن ثم زوال الدولة.

ولقد كانت النظرية السياسية اللينينية واعية بوجوب هذه التقوية المطلقة لسلطة الدولة وبنيتها، حتى أن لينين كان يرى أن تطويرها إلى قوة إطلاقية شمولية هو الشرط الضروري لنفيها لاحقا، لأن في تطوير نظام الدولة الاشتراكية تمكينا لطبقة العمال (البروليتارية) التي هي مقدمة ضرورية لزوال الطبقات.

فالماركسية منذ تنظيرها للمادية التاريخية مع ماركس وإنجلز كانت ترى في الدولة أداة طبقية تعكس الصراع الطبقي، ومن ثم فزوال الطبقات –مع المجتمع الشيوعي- يعني زوال الحاجة إلى الدولة.

ولذا فالمشروع الماركسي يعبر عن فكر حالم بمجتمع اللادولة، وهو الحلم الذي نجده قد عبرت عنه قبل ماركس الفلسفة الفوضوية مع برودون.

قوة الدولة وانحلالها

"
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الدولة القومية ذات السيادة في فقدان مكانتها كوحدة وحيدة للقوة، فاسحة المجال أمام فاعلين جدد في الواقع السياسي والاقتصادي العالمي
"
وإذا كان القرن العشرون قد شهد خلال صيرورته أكبر تطوير وتقوية لبنية الدولة وسلطتها، فإنه سيشهد أيضا بداية عملية انحلال قوتها ونفوذها السلطوي، والتقليل من أحادية حضورها على المستوى العالمي، كفاعل وحيد.

وقد بدأ هذا الانحلال أولا بزوال نموذج الدولة الفاشية، ثم سقوط نموذج الدولة الاشتراكية.

ويمكن القول مع بيتر دراكر وغيره من الباحثين والمؤرخين إنه "منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الدولة القومية ذات السيادة في فقدان مكانتها كوحدة وحيدة للقوة"، بمعنى أنه بعد الحرب العالمية الثانية ستبدأ قوة الدولة في الانحلال تدريجيا فاسحة المجال أمام فاعلين جدد في الواقع السياسي والاقتصادي العالمي.

وهنا فإن السؤال الأساسي الذي أخذ يطرح بإلحاح هو: هل ستستمر الدولة كمفهوم وإطار تنظيمي أم أنها مجرد نتاج تاريخي ستنتفي الحاجة إليه فيختفي ويزول؟ هل ستنتقل البشرية إلى الانتظام وفق أطر وبنيات جديدة مغايرة للإطار الجيوسياسي التقليدي (الدولة) أم أنها ستحتفظ بهذا الإطار مع تطويره وتجديد أساليب بنائه؟

لهذه الأسئلة أجوبة شديدة الاختلاف في الخطاب السياسي المعاصر، حيث يذهب البعض إلى القول إن البشرية مقبلة في قادم السنين على تحولات نوعية في بنياتها السياسية والاقتصادية، وسيلحق هذا التحول نظام الدولة أيضا على نحو يدفع إلى تجاوزها.

لكن اتجاها آخر يرى أن الدولة كإطار جيوسياسي سيبقى ويستمر، وإن لحقه تطوير وتجديد في شكله وصيغ انتظامه.

ومن بين الباحثين في مستقبل النماذج السياسية والمجتمعية نجد الكاتب الأميركي دراكر يشير إلى أن "الدولة القومية لن تختفي، ومن الممكن أن تبقى أقوى وحدة سياسية لوقت طويل قادم".

بيد أنه يضيف أنها لن تكون الوحدة السياسية الفاعلة دون منافس، بل ستظهر باستمرار قوى وفاعليات مؤثرة في الواقع، ستسحب تدريجيا مجموعة من السلطات التي كانت الدولة تنفرد بممارستها.

بمعنى أن دراكر يذهب إلى أن الدولة كإطار جيو سياسي ستبقى لكن مع حدوث تغييرات عميقة -إن لم نقل جذرية- في السلطة الموكلة لها في نماذجها التقليدية.

"
ثمة أسئلة جوهرية وأساسية مطروحة اليوم على التفكير السياسي والقانوني، تشكل محور النقاش في الفلسفة والاقتصاد السياسي الراهن لمفهوم الدولة, وهذه الأسئلة ستبقى مطروحة لفترة عقود قادمة
"
وبالفعل لقد ظهرت اليوم قوى جديدة أخذت تنازع الدولة في كثير من اختصاصاتها ونفوذها. لكن شكل البنية السياسية للمجتمع الإقليمي والدولي من الصعب التنبؤ بطبيعته على نحو تفصيلي.

لذا يصح أن نقول إن ثمة أسئلة جوهرية وأساسية مطروحة اليوم على التفكير السياسي والقانوني، تشكل محور النقاش في الفلسفة والاقتصاد السياسي الراهن. تلك الأسئلة التي يختصرها دراكر في:

"ما الأساس الذي سيبقى للدولة؟ وما الجوانب داخل الدولة التي ستقوم بها أطراف أخرى؟ وما الذي سيكون مهما على المستوى القطري؟ وما الذي سيكون خارجيا؟ ما الذي سيكون محليا ومنفصلا؟" مؤكدا برؤية استقبالية أن "هذه الأسئلة سوف تكون أسئلة لموضوعات سياسية مركزية ستبقى مطروحة لفترة عقود قادمة".

إن هذه الأسئلة تشكل اليوم -وكذا في ما نستقبل من سنين- الهاجس الإشكالي المركزي للخطاب السياسي والقانوني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك