عيسى بوقانون

أطروحات الأستاذ مصطفى العقاد كانت تجمع بين "التذاوت" المنسجم بين التجليات التاريخية والأدبية والعرض الفني الجمالي للمحطات التاريخية المؤثرة في الحضارة الإسلامية.

"
نقد الماضي أمر شرعي, ينبغي أن نتخذه أداة إجرائية ضرورية حين نرنو إلى فهم دقيق ومنهجي للمعطى التاريخي باعتباره مؤثرا في الأنساق المعرفية والقيم الحضارية
"
واختراق أفلام مصطفى العقاد للسينما الهوليودية يمثل في حد ذاته تحديّا كبيرا من أجل إبراز الصفحات المطوية والحلقات المفقودة للميراث الإسلامي بمنظورات عميقة بعيدا عن الرؤى السطحية التي لا تكاد تقارب الهدف في سبب.

المعالجات الإسلامية والمقاربات العربية للتاريخ كانت تنظر إلى النقد – حتى ولو كان إيجابيا- على أنه مسّ بالمقدس، وهو حكم في رأينا عقيم وسلبي أسس للرؤية السلبية ومكنها في الذاكرة الجمعية العربية والإسلامية، لأن النص الديني والإسلامي إنما عمل على تمكين العقل الإنساني من النظر إلى الأشياء بعين النقد والتأمل، وقد تجلى ذلك في آيات قرآنية عدة من بينها: {أفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}. سورة الغاشية.

نقد الماضي أمر شرعي ينبغي أن نتخذه أداة إجرائية ضرورية حين نرنو إلى فهم دقيق ومنهجي للمعطى التاريخي باعتباره مؤثرا في الأنساق المعرفية والقيم الحضارية.

وقد كانت طرق المعالجة السنماتوغرافية للأستاذ مصطفى العقاد وبخاصة في فيلمه "الرسالة" تتسم بالجرأة والمعالجة الجريئة للأحداث التاريخية المؤثرة في المخيلة الإسلامية.

ومما لا شك فيه أن معالجة كهذه جريئة ليست بالأمر الهين ولا بالمهمة السهلة على اعتبار أنها تؤسس لقراءات سلبية لدى غير قليل من المنتسبين للفكر الديني.

فلم يكن عجبا أن يكون فيلم "الرسالة" تعرّض لانتقادات شديدة اللهجة من لدن غير قليل من دوائر القرار في العالم الإسلامي التي حاولت تحطيم إنجاز المشروع عندما كان يصوّر بالمغرب في سبعينيات القرن الماضي. وكان لليبيا الموقف المشرّف آنذاك بأن تبنت مشروع "الرسالة" عمليا.

وكان للفيلم أثر كبير في تحويل المسارات العقدية لغير قليل من المشاهدين في أرجاء العالم أجمع. وقد أعطى الفيلم بانوراما شاملة ناقدة للشخصيات الإسلامية التي تركت بصماتها في رسم المنطلقات التأسيسية للمنهج الإسلامي. منطلقات حيكت بمعالجات جريئة وأداء متميز من أجل إبراز الصفحات المشرقة من حضارتنا الإسلامية لكن برؤية فنية متحررة من القيود, ثائرة أو مناهضة وفي كل أشكالها متمردة، متمردة على المفاهيم البالية والأفكار العقيمة التي تحارب أي قراءة ناقدة ولو إيجابية وتعتبرها مساسا بالمقدس واقترابا مما "لا يقترب منه" أي من "المسكوكات المحنطة".

معالجات العقاد ورؤاه التي كان يعرضها باعتماد المنحى الفني الجمالي إنما تؤسس لمنظومة فكرية يتداخل فيها صراع الحضارة وتحاورها بالفن والإبداع.

وقد أبلى الرجل بلاء حسنا في إظهار الصفحات المشرقة والمطوية في مسار الحضارة الإسلامية بعرض جمالي فني راق يكشف فيه المستور وينقض ما علق بالعرب والمسلمين وتفكيرهم من المتسلقات والأعشاب التي علقت به ردحا من الزمن.

لم يكن استحضار الشخصيات الإسلامية وإبرازها سينمائيا بالأمر السهل ولا المقبول، ذلك أن للأحكام الدينية والعرفية رؤاها المتشددة حيال تلك القضايا التي تعتبرها بعض المؤسسات الدينية مساسا بالمقدس وتهديدا للدين وخروجا عن المألوف و"عقوقا".

وقد استشار العقاد علماء الدين المسلمين لتفادي إظهار مشاهد أو معالجة مواضيع قد تكون مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي ونال موافقة الأزهر والمجلس الشيعي الأعلى.

ورغم ذلك كان النقد شديدا للفيلم لأنه يتناول "المحظور"، وتعرض المخرج حينها إلى نقد شديد من المؤسسات الدينية وحوربت أفلامه وختم عليها بالشمع الأحمر، ومنعت من العرض في غير قليل من الدول.

"
أي نقل للواقع ينبغي أن يكون مرفقا بجمالية في الكتابة وبتقنية في التأثير وإضفاء روح الفاعلية عند مستقبل النص، لأن التداخل بين البنى الفكرية والفنية الجمالية هو الذي يشكل جمالية النص أي نص كان
"
جرأة الفيلم كانت تريد الالتفات إلى أهم التفاصيل يقول العقاد: "لقد عملت الفيلم لأنه كان موضوعا شخصيا بالنسبة لي، شعرت بواجبي كمسلم عاش في الغرب بأن أقوم بذكر الحقيقة عن الإسلام. إنه دين لديه 700 مليون تابع في العالم، هناك فقط القليل المعروف عنه، مما فاجأني. لقد رأيت الحاجة لأن أسرد القصة التي ستصل هذا الجسر، هذه الثغرة إلى الغرب".

وأيا كان الأمر فإن مصطفى العقاد قد حارب السلبية في جميع أشكالها وارتضى الإيجابية منهجا من خلال رؤية كونية تعمد إلى التجديد في الرؤى والابتداع في المعالجة البناءة.

هذا الطرح المتجدد والإيجابي إنما يبرز بجلاء من خلال الأعمال الفنية التي كسرت الحواجز وغاصت في أعماق الحقيقة لتجلية جوهرها باعتماد أدوات إجرائية جديدة تعتمد التراث العربي رافدا أساسيا لقراءته بإيجابية والنظر فيه بتأمل لأن القدامى درسوا واقع تاريخهم برؤاهم هم تلك التي كانت تتواءم وأجهزتهم المفهومية وهي في حقيقة الأمر قراءات لا تعدو أن تكون إرهاصا أو قراءات تتناسب مع المعطى المعرفي الذي أوجدته وسائل بسيطة ومتواضعة تعدّ من ضمن البالي التليد والعهد البائد في عمق الحضارة الحديثة التي جعلت تجديد الرؤى وابتداعها مع ما يتواءم والحضارة الحديثة، من أولى أولوياتها.

كان العقاد إيجابيا محاربا لأشكال السلبية التي تربعت على الفكر العربي سنين طويلة لا يعلم مداها إلا الله، تلك السلبية التي شملت الفكر والعادات والأخلاق.

وكان العقاد قد لعب دورا أساسيا وجوهريا في نقض الواقع وتغييره باعتماد الفن، الفن ليس من أجل الفن, ولكن من أجل الحياة بل من أجل التغيير والنقد والنقض والثورة ومن أجل الدفاع عن الإيجابية.

الفن في رأينا ليس نقلا فوتوغرافيا لتجليات الواقع وإلا كان أقرب إلى التقرير الخبري الممل والمبتذل الذي ينقل حقائق الأشياء بعين سلبية ولا تسنح له الروح التجديدية لإبداء الرأي.

مسألة إبداء الرأي والرضوخ لفكرة أن التقرير ينبغي أن يكون ناقلا للواقع بدون رتوش هي فكرة في رأينا مضللة وتثير السخرية والضحك لأنها تؤسس لمبدأ السلبية وتقرّه وتثبته. إننا نرى أن أي نقل للواقع ينبغي أن يكون مرفقا بجمالية في الكتابة وبتقنية في التأثير وإضفاء روح الفاعلية عند مستقبل النص أو قل إن شئت القارئ. فالتداخل بين البنى الفكرية (الموضوعاتية) والفنية الجمالية هو الذي يشكل جمالية النص أي نص كان.

الفن عند العقاد كان من أجل الحياة ومن أجل تشخيص الواقع والتاريخ لكن كان أيضا من أجل تغيير الواقع ونقد التاريخ ومحاربة الأفكار البالية والعقيمة.

تلك هي الرؤية التي من الواجب النظر إليها بعين الاعتبار والاحتراز، إيجابية في القراءة, إيجابية في الفهم وإيجابية في التأثير.

فأي نص إبداعي ينبغي أن يتوفر على هذا المفهوم, التأثير في الآخر باعتماد الإستراتيجيات الكتابية المختلفة ومنها تمكين ما أسميه "السوسبنس في القراءة" أو "لذة الانتظار" إذا ما أنا استعرت مصطلح "رولان بارت".

"
التجديد ليس ثورة عمياء على الماضي التليد أو نقضا للموروث الحضاري بحجة العصرنة كما يفعله الآن "أنصاف المثقفين" و"تابعو المستشرقين من الشعوبيين" بقدر ما هو قراءة هادئة في التراث الإسلامي بعين معاصرة
"
أما التجديد فلا ينسحب مفهومه – فنيا- على الانصهار في الآخر والذوبان فيه خنوعا بقدر ما هو مرجع رئيس يسهم أكثر في تجلية الرؤية وتفتيت ما استعصى من تراث القدامى.

الانفتاح يجب أن لا يكون انبطاحا بقدر ما هو أداة إجرائية تساعد لا محالة في بناء الرؤية الشمولية الموحدة التي تؤسس لمنظومة معرفية وفنية متكاملة.

ما أحوجنا إلى اتباع رؤى مصطفى العقاد والاقتداء بها نموذجا حين نرنو إلى تجديد مفاهيمنا الدينية والاجتماعية.

التجديد لا ينسحب مفهومه- كما تعودنا- على الرؤية الحضارية وحسب بقدر ما يحمل في طياته مفهوما شموليا. التجديد في الفن والتجديد في السينما ما هما سوى جانبين مهمين لبناء المفهوم العام والمنطلق التأسيسي للابتداع بشكل أوسع.

التجديد في رأينا ليس ثورة عمياء على الماضي التليد أو نقضا للموروث الحضاري بحجة العصرنة كما يفعله الآن "أنصاف المثقفين" و"تابعو المستشرقين من الشعوبيين" بقدر ما هو قراءة هادئة في التراث الإسلامي بعين معاصرة.

القراءة النقدية للتراث تتجلى من خلال التعمق فيه وليس بإسقاط رؤى حديثة من أجل إظهار قصوره، ليس التجديد في منظورنا إلا ما أسميه أنا "تذاوت متداخل" بمعنى انصهار حتمي بين ذاتنا نحن وذات الآخر. أي تداخل منسجم يؤسس لجدلية حتمية بين التراث والحداثة.

فسائق السيارة الراشد لا يمكن أن ينطلق نحو الأمام بسيارته إذا ما هو أهمل استعمال "المرآة العكسية الخلفية". فالنظر إلى الخلف أكثر من ضرورة للانطلاق نحو الأمام. تماما الأمر ينسحب على القراءة الإيجابية. القراءة المتجددة يجب أن تكون متجذرة ومستوعبة لعناصر الماضي ومتحكمة في أدواته.

الرؤية الحداثية في مفهومنا لا تنقض الماضي والتراث كمعطى بل تغوص في رؤاه وتنزلق في أروقته المتناقضة، لكن مفهوم التجديد إنما هو أيضا استلهام لواقع المستجدات الحديثة والتمكن من أدواتها وإتقان أساليبها.

طوال حياته كلها عاش مصطفى العقاد إيجابيا وسعى لمحاربة كل أشكال السلبية عند العرب وكان شديد الاعتزاز بثقافته وهويته وناضل من أجل محاربة الأحكام المسبقة عن العرب والمسلمين ورسم صورا تفاؤلية بدون رتوش للصفحات المشرقة في الحضارة الإسلامية باستدعاء الشخصيات المؤثرة في تاريخ الحضارة الإسلامية.

مصطفى العقاد (1935 - 11 نوفمبر 2005) مخرج ومنتج وممثل سينمائي سوري المولد أميركي الجنسية. ولد في حلب بسوريا ثم غادرها للدراسة إلى الولايات المتحدة الأميركية في جامعة كاليفورنيا، وأقام فيها حتى أواخر مراحل حياته. قتل في تفجيرات فنادق عمان هو وابنته ريما عندما كانا في الأردن.
__________________
كاتب جزائري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك