فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


عرف الفكر السياسي الثوري في العالم العربي نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ما سُمّي -حسب الترجمة السائدة آنذاك- "المجالسية"؛ وهي فكرة مُستلهمة بالكامل من تراث وفكر الحركة التروتسكية في أوروبا.

"
الأمر الخطير في خطط إنشاء "مجالس الصحوة في العراق" هو أنها أدت بشكل متدرج ومتواصل إلى بروز قوى محلية تفرض سيطرتها وتتفرد بحكم هذه المناطق أو البقع الصغيرة بوصفها "سلطات محلية شرعية" اكتسبت شرعيتها من عمل "بطولي"
"
كانت "المجالسية" جزءا من نظرية ثورية من بين نظريات وأفكار يسارية أخرى، راحت تنتشر كالنار في الهشيم داخل بعض فصائل المقاومة الفلسطينية التي اتخذت من وديان الأردن معسكرات لها.

وكانت –في أنظار بعض الحالمين الرومانسيين- سبيلا من بين سبل "نظرية" كثيرة لحصول الفدائيين المسلحين على "كل السلطة"، أو انتزاعها بالقوة وإعادة تجميعها في يد المقاومة، أي أنها كانت سبيلا للتخلص من "توزع وهمي للسلطة" من خلال تحقيق شكل تمثيلي مسلح، ينتزع "شظايا السلطة" من أيدي الطبقات والقوى الحاكمة، وإعادة احتكارها ووضعها في أيدي ممثلي الفصائل.

وبالطبع ليس ثمة من شبه محتمل بين تأسيس مجالس "الصحوة" اليوم في عموم العراق، وبين فكرة المجالسية تلك إلا في جانب واحد فقط هو أن "المجالسية الجديدة" مُصممة بالكامل لتشكيل جهاز عسكري مؤلف من رجال القبائل، ولا يضم بين صفوفه سوى أفراد وجماعات تطوعت أو نذرت نفسها –لقاء المال في الغالب- لقتال القاعدة ومطاردتها.

وهؤلاء ليسوا مقاتلين محترفين ولا يمكن عدهم كذلك، كما هو الحال مع الفدائيين الفلسطينيين، إلا في حدود كونهم يمتلكون خبرات قتالية محدودة، اكتسبها بعضهم من فترة خدمته في الجيش العراقي السابق، وبعض آخر اكتسبها من العمل مع "جماعات مسلحة" خلال السنوات المنصرمة من الاحتلال.

شكليا تبدو فكرة تأسيس "مجالس الصحوة" كأنها لا تقوم إلا على فهم بسيط للوضع العراقي المعقد؛ وأن لجوء الأميركيين إلى حلّ يقومُ على أساس تسليح العشائر العراقية، إنما هو مجرد مظهر واحد من بين مظاهر عدة تدل على أن الإستراتيجية العسكرية الأميركية تترنح هناك.

أما من حيث الجوهر فإن انتقال الأميركيين إلى سياسة تسليح العشائر طبقا لبرنامج دعم متكامل، هو في حقيقته أبعد بكثير من مجرد تخبط أميركي في الوحل؛ ذلك أن الزج بالعشائر في قلب الصراع المتراكب الأبعاد والقوى، له أهداف وأغراض تتجاوز بكثير مجرد "خلق جماعات" مسلحة جديدة.

الأمر الخطير في خطط إنشاء "مجالس صحوة في العراق" جنوبا وغربا وشرقا هو أنها أدت بشكل متدرج ومتواصل إلى بروز قوى محلية، راحت تفرض سيطرتها على مقاطعات هنا وهناك، وهي تتفرد بحكم هذه المناطق أو البقع الصغيرة بمعزل عن عشائر أخرى، بل وتبسط سلطانها في بعض المناطق بوصفها "سلطات محلية شرعية" اكتسبت شرعيتها من عمل "بطولي".

وليس ثمة بطولة في خيال العراقيين في هذه اللحظة من التاريخ، أكبر من نموذج القوة التي تفرض الأمن ولو في حي واحد من الأحياء.

ولعل ظاهرة سيطرة بعض عشائر آل بو ريشة في الرمادي على مناطق بعينها، وإنشاء "مخافر للشرطة" خاصة بهم، مقابل سيطرة عشائر منافسة من آل بو نمر على مناطق أخرى وإنشاء مخافر خاصة بهم أيضا -وهي ظاهرة جديدة وغير مشهودة في تاريخ العراق- قد تكون مجرد تعبير عن المضمون الحقيقي "للمجالسية الجديدة" من حيث هي شكل تمثيلي لسلطات مسلحة محلية.

إن توزع السلطة في العراق الجديد وتشظّيها وانقسامها بين جماعات مسلحة، وتشجيع القبائل السنية على حماية مناطق نفوذها في المقاطعات والقرى والبلدات الصغيرة التي تعيش فيها سوف يصبح مع مرور الوقت نوعا من الاعتراف بالأمر الواقع وتكريسه.

فتقيم كل قبيلة "سلطتها المحلية" الخاصة بها، بكل ما يتطلبه ذلك من تأسيس شرطة محلية وحتى جيش محلي من أجل حماية "حكومة محلية" تديرها هذه العائلة أو تلك القبيلة؛ بل وإنشاء نقاط تفتيش وحواجز وحتى جمارك.

وهذه دون مراء هي كل مستلزمات ومواصفات نظام "الكانتونات". وأكثر من ذلك يبدو من الواضح أن العراق الجديد يتجه نحو نمط شاذ من التفتيت، تصبح فيه القبائل قادرة على إقامة "سلطاتها المحلية" بديلا عن السلطة المركزية.

ويُلاحظ في هذا السياق أن قبائل غرب العراق السنية تبدو أكثر حماسة لتأسيس "مجالس الصحوة" مقارنة بالعشائر الشيعية في الجنوب، وربما أكثر استعدادا منها للعمل مع الأميركيين والحكومة كتفا لكتف؛ بينما تبدو عشائر جنوب العراق الشيعية على العكس من ذلك، أكثر تحفظا وأقل استعدادا للانخراط في مشاريع من هذا النوع.

وذلك ما يؤكده رفض عشائر محافظة ميسان (العمارة) قبل أيام قليلة بالإجماع، طلبا أميركيا بتأسيس "مجالس صحوة شيعية" على غرار مجالس الرمادي.

"
أكثر ما يجب أن يثير قلق العراقيين ومخاوفهم في هذه المرحلة من الصراع ضد الاحتلال هو انتقال مطلب الفدرالية من الطائفة إلى القبيلة، إذ ليس من المستبعد ولا المستغرب أن نسمع غدا عن "فدراليات القبائل" التي سوف تحصل على مكاسب يصعب التنازل عنها
"
وهذا موقف لا يضاهيه من حيث القوة سوى موقف عشائر محافظة ديالى السنية والشيعية التي امتنعت معا عن الالتحاق بمشروع "المجالسية".

ولذلك ينبغي في هذا الإطار الاعتراف دون تردد بأن "مجالس الصحوة" التي بلغ تعداد أفرادها اليوم نحو 62 ألفا قد خلقت واقعا جديدا في العراق قد يصعب تخيل إمكانية الخروج منه بسهولة.

فهي غدت قوة عسكرية سياسية يمكن، أو يجب من المنظور الإستراتيجي الأميركي، تطويرها وتنمية قدراتها، بحيث تصبح مع مرور الوقت لاعبا أساسيا في علاقات قوة سمتها البارزة التجاذب العنيف والقدرة على فرض الوقائع أو تكريسها.

ليس دون معنى إذن، ما تسرب في الآونة الأخيرة من أنباء عن قيام العشرات من رجال قبائل الأنبار بتوجيه رسالة إلى العاهل الأردني تدعوه صراحة إلى المساعدة في "دمج الرمادي بشرق الأردن".

إن تشظي السلطة في العراق وتفسخ الكيان المجتمعي بات هو الخطر الحقيقي الذي يواجه العراقيين، لا خطر الحرب الأهلية الطائفية.

ولعل أكثر ما يجب أن يقلق العراقيين اليوم إزاء مستقبل بلادهم، هو تطور معارك "مجالس الصحوة" في اتجاهات، قد تؤدي تدريجيا إلى ظهور قوى محلية تسعى كل منها إلى تقاسم السلطة فيما بينها على أسس قبلية لا طائفية وحسب، بحيث يجد العراقيون أنفسهم في قلب معادلات سياسية، تصبح فيها القبائل طرفا في تقطيع أوصال العراق، لا في "تحريره من الإرهاب" كما يزعم الأميركيون.

وأكثر ما يجب أن يثير قلق العراقيين ومخاوفهم في هذه المرحلة من الصراع ضد الاحتلال هو انتقال مطلب الفدرالية من الطائفة إلى القبيلة، فإذا كنا نسمع عن "فدراليات طائفية" خلال السنوات الماضية فليس من المستبعد أو المستغرب أن نسمع غدا عن "فدراليات القبائل" التي سوف تحصل -من قتال وهمي وبطولة وهمية- على مكاسب يصعب التنازل عنها.

فهل تمكن الأميركيون فعلا من إضعاف الطوائف بعد نحو خمس سنوات من الاحتلال؟ وهل نجحوا حقا في خلق "مسلحين طائفيين" قادرين على "إخراس الطائفة" وربما تحطيمها إنْ لزم الأمر؟

وهل سينتقل الأميركيون في الغد إلى حقبة جديدة يصبح فيها "مسلحو القبائل" أنفسهم قوة ضاربة قادرة على "إخراس القبيلة" نفسها وربما تحطيمها؟

وهل سيكون ذلك بمثابة "مستلزمات إنشاء كانتونات مسلحة" تديرها جماعات وقوى محلية صغيرة وشرسة وعديمة الرحمة؟

مثل هذه الأسئلة تُثار اليوم بقوة ومع كل لحظة تصبح فيها "سلطة القبيلة" بديلا عن "سلطة الطائفة".

ليس من قبيل التكهن القول إن مجالس الصحوة (أي المجالسية الجديدة) المسلحة والمفرغة من أي روح وطنية أو ثورية ستمثل ذروة الخطر الذي سوف يهدد كيان العراق ومستقبله، فهي قوى طامحة إلى تشكيل "سلطات محلية" صغيرة مبعثرة في كل مكان.

وللمعلومات فقط فإن الأميركيين أنفقوا حتى الآن نحو 62 مليون دولار على تسليحها وتمويلها، ضمن برنامج من المتوقع أن يكلف مليارات الدولارات.

ما تثيره هذه الأرقام الرسمية المأخوذة من تصريحات علنية للناطق باسم قوات الاحتلال هو التالي: هل من المنطقي أن تجند قوات الاحتلال نحو 62 ألفا من الرجال -والعدد في طريقه للارتفاع بكل تأكيد- من أجل مواجهة تنظيم القاعدة؟

وكم يبلغ أفراد القاعدة؟ وهل هذه مهمة حقيقية أم هي صورة أخرى من صور الحرب الوهمية ضد عدو وهمي من أجل إحراز نصر وهمي؟

"
سياسة الدفع بالقبائل إلى التحول قوة مسلحة ليس هدفه "محاربة القاعدة"، بل غرضه المباشر إعادة نقل المجتمع في العراق من مجتمع شبه مسلح إلى مجتمع "مسلح بالكامل" من أجل دفعه إلى الانغماس في حروب قبلية لا نهاية لها
"
في الواقع يجب أن تثير هذه الأرقام فزع العراقيين والعرب جميعا مما يُخطط لهم في السر والعلن، ذلك أن "صناعة العدو" تبدو ناجحة حتى الآن، ما دام كل هذا العدد من العراقيين منخرط في حرب لا يعرفون أي شيء عن أهدافها الحقيقية.

وما يجب قوله الآن بوضوح تام هو أن سياسة الدفع بالقبائل إلى التحول قوة مسلحة ليس هدفه "محاربة القاعدة" -فهذا هدف سخيف لا يتطلب كل هذا العدد من الرجال- بل غرضه المباشر إعادة نقل المجتمع في العراق من مجتمع شبه مسلح إلى مجتمع "مسلح بالكامل" من أجل دفعه إلى الانغماس في حروب قبلية لا نهاية لها، موضوعها الرئيس توزيع السلطة بين "مسلحين تم تصنيعهم" وتشجيعهم على تقاسم الأرض والنفوذ والثروة.

لقد انتقلت الإستراتيجية الأميركية في العراق بالفعل من مرحلة تفجير النزاع الطائفي -أي وضع طائفة بعينها في مواجهة عنيفة مع طائفة أخرى- إلى مرحلة "تفجير النزاع داخل الطائفة" الواحدة.

وفي هذه الإستراتيجية الشيطانية توجد كل العناصر اللازمة لإعادة توزيع السلطة المركزية بين القوى المتصارعة، أي خلق نظام "السلطة الموزعة" التي يستحيل في وقت لاحق تجميع عناصرها المبعثرة، من دون استخدام أقصى درجات العنف بين الأفراد في المجتمع المحلي الواحد.

تُرى كيف يمكن أن يسترد العراقيون السلطة المركزية إذا ما توزعت بين القبائل، وإذا ما انتصرت في حربٍ هي في النهاية حرب وهمية ضد عدو وهمي لا يحصد فيه المحاربون سوى نصر وهمي؟

وكم من الوقت يلزم العراقيين لكي يستردوا لا عراقا موحدا -فذلك مطلب بعيد المنال اليوم وفي الغد القريب- بل "ما يشبه عراقا قابلاُ للبقاء" حتى وإنْ كان فدراليا وفي أتعس صور الفدرالية؟

في الأمثال الشعبية يُقال "إن الإنسان قد يقبل بالحمى إذا ما تراقص شبح الموت أمام بصره"، والعراق الجديد، مثله مثل الإنسان المريض بالحمى، قد يتجه لقبول الفدرالية كحل لمواجهة خطر التفتت إلى "سلطات محلية" محروسة بقوة السلاح.

وتلك لعمري ذروة المأساة وقمة السخرية في عراق زُعم أنه جديد، وجديد تماما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك