صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي

 

لعل الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران كان آخر الزعماء والشخصيات التي ناشدت الجنرال ضياء الحق عدم تنفيذ حكم الإعدام في رئيس وزراء باكستان السابق ذي الفقار علي بوتو.

ولعل تأخر ميتران في توجيه النداء كان سببه اقتناعه بأن تدخله لن يغيّر الأمر لأن فرنسا لم يكن لها تأثير حقيقي على الجنرال المصمم على فعلته، فالطرف الذي يمكن أن يمارس تأثيرا حقيقيا عليه هو الولايات المتحدة لا غير.

ولذا فإن الرئيس الفرنسي قام بتوجيه النداء فقط إرضاءً لمطالب الكثير من القوى السياسية والثقافية في بلاده التي كانت ترى في ما يوشك أن يحدث يومها عملية اغتيال علني على مسمع ومرأى العالم.

"
مشرف استعاد قراءة درس ضياء الحق مع بوتو ليستفيد منه, فرأى أن الوقت أصبح مناسبا للقيام بخطوة جريئة في اتجاه تثبيت وجوده في السلطة وسط عواصف أخذت تهب على نظامه من جبال وزيرستان ومن شوارع كراتشي وراولبندي
"
غير أن الولايات المتحدة آنذاك لم تكن تريد الدخول في مواجهة حقيقية مع الجنرال ضياء الحق في وقت كانت تخوض فيه حربا ضروسا بالوكالة ضد غريمها السوفياتي في مستنقع أفغانستان، وبالتالي فقد اكتفت بالإعراب عن عدم رضاها بطريقة محتشمة تفهمها ضياء الحق ولم يعِرْها اهتماما.

قد يكون الجنرال برويز مشرف استعاد قراءة ذلك الدرس ليستفيد منه وهو يمر بظروف سياسية صعبة فرأى أن الوقت أصبح مناسبا للقيام بخطوة جريئة في اتجاه تثبيت وجوده في السلطة وسط عواصف أخذت تهب على نظامه من جبال وزيرستان ومن شوارع كرا تشي وراولبندي.

ولم يكتف بمباركة الولايات المتحدة لإعادة انتخابه رئيسا لباكستان رغم أن المحكمة العليا الباكستانية لم تقل كلمتها بعد في شرعية نجاحه، فقد بدا له ذلك غير كاف لتدعيم سلطته في ظل تنامي القوى المعارضة وعودة بعض رموزها من الخارج بتشجيع أميركي لم يكن خافيا عليه.

ولذا فقد تصور أن حليفه الأميركي يمر في هذه المرحلة بأسوأ أحواله وأن إعادة بعض مشاهد سيناريو الجنرال ضياء الحق باتت ممكنة، فالولايات المتحدة تتخبط في مستنقعي العراق وأفغانستان وموعودة بحرب ثالثة في إيران كما أن الإدارة الجمهورية لم يعد أمامها سوى عام واحد قبل الانتخابات الرئاسية, والرئيس بوش في عجلة من أمره لتحقيق نتائج على المسرحين العراقي والإيراني بقدر ما يستطيع.

وفي سبيل ذلك فإنه مستعد لتبني المؤتمرات الدولية وإطلاق الوعود لكل طرف له صلة بهذين الملفين كما أنه على استعداد للتعامل مع أي نظام سياسي مهما كانت طبيعته السياسية طالما أن هذا الأخير يستطيع أن يقدم مساهمة هامة تصب في قناة المجهود الأميركي المكرس لتحقيق إنجاز في هاتين القضيتين.

لا شك أن القراءة التي قد يكون الجنرال مشرف قام بها، ليست خاطئة ولكن المقارنات والاستنتاجات التي خرج بها ربما لا تكون كلها صحيحة، وذلك من عدة وجوه أهمها:

1- أن المعارضة الباكستانية في زمن ضياء الحق كانت أضعف بكثير مما هي عليه الآن، والزوابع التي تعصف بنظام مشرف من داخل باكستان ومن خارجها لم يعرفها ضياء الحق الذي كان يلتحف يومها بلواء الجهاد وذهب في ممالأته للقوى الدينية والشارع إلى حد إقرار الشريعة وتطبيق الحدود.

"
مشرف لا يبدو -في نظر الولايات المتحدة- أنه قد طبق وصفة الإرهاب بنجاح, ولعل أحد أسباب فشله حسب الرؤية الأميركية يكمن في كونه ليس لديه ما يمكن أن يتصدى به لتحديات القوى الدينية سوى العنف والجيش
"
ولم تكن الولايات المتحدة ولا الغرب بقادرين على رفع أصواتهم ضد التوجهات الدينية الاستعراضية لنظامه، فقد كانت حربهم التي يقودونها ضد عدوهم الأيديولوجي في أفغانستان حربا تلتحف بعباءة دينية يجري التحشيد والتجنيد لها في بلاد العرب والعجم والهند والسند وكل فتى ينطق بالشهادتين في كل بقعة من العالم.

 كما أن البوابة الوحيدة التي يمكن أن يمر من خلالها كل من يريد أن يجاهد الشيوعيين هي تلك التي يسيطر عليها ضياء الحق، فلولا باكستان التي كان يحكم عليها قبضته لما عرف التاريخ -على الأغلب- حربا منتصرة اسمها حرب المجاهدين في أفغانستان.

2- ليس بإمكان الجنرال مشرف أن يذهب إلى الحد الذي ذهب إليه سلفه ضياء الحق في مزايداته الدينية فقد تبدل الحال والزمان وأية محاولة لإعادة تمثيل ما كان يقوم به ضياء الحق في ثمانينيات القرن العشرين أصبحت في القرن الواحد والعشرين تهمة تحشر مشرف في زمرة رعاة الإرهاب والمحرضين عليه، وهي تهمة تتصدع من خشيتها الجبال ويفر خوفا منها المرء من أبيه.

فالمطلوب منه هو أن يعلن الحرب على الإرهاب الديني فيقتحم المساجد التي تأوي الغلاة ويقفل أبواب المدارس التي تعد أوكارا للمتطرفين وأن يبعث بجيشه إلى جبال وزيرستان لقتال القبائل التي توفر ملاذات آمنة للقاعدة وطالبان.

غير أن الجنرال مشرف لا يبدو أنه -في نظر الولايات المتحدة- قد طبق هذه الوصفة بنجاح، ولعل أحد أسباب فشله حسب الرؤية الأميركية يكمن في كون مشرف ليس لديه ما يمكن أن يتصدى به لتحديات القوى الدينية سوى العنف والجيش.

فهو لا يدعمه تنظيم مؤطر فكريا وتنظيميا يستطيع أن ينازل القوى الدينية على الأرضية الاجتماعية والسياسية، ولعل هذا أيضا ما حدا بالولايات المتحدة إلى تشجيع عودة القيادات الحزبية التي نفاها مشرف وذلك تحت مظلة المصالحة الوطنية لمواجهة أوضاع تهدد المصالح الأميركية ليس بوسع الجنرال أن يواجهها وحده.

فهؤلاء لديهم قوى منظمة وزخم في الشارع، مما يجعل انضمامهم إلى الحرب الأميركية على الإرهاب أكثر فاعلية ومصداقية، ولهذا فإن عودتهم تعتبر نافعة وليست ضارة للولايات المتحدة، فإن أسقطوا الجنرال وتحالفوا معها فلن يكونوا بأقل فاعلية ولا بأقل شرعية منه، وإن تحالفوا مع مشرف وتقاسموا السلطة معه فلن تكون الأوضاع بأسوأ مما كانت عليه في ظل حكم الرئيس الجنرال بمفرده.

لا شك أن سوء الأحوال التي بلغها نظام مشرف هو الذي جعله يقبل بفكرة المصالحة الوطنية المطلوبة أميركيا محاولا أن يوظفها لمصلحته فيستفيد من مصالحة هؤلاء تحت الرعاية الأميركية دون أن يعطيهم الشيء الكثير.

"
بنيظير بوتو ونواز شريف اختارا التصعيد مع مشرف حتى لا تكون عودتهما مجرد طلب للغفران وسلامة البقاء، فخرجا في مظاهرات تتحدى حالة الطوارئ، وتحالفا مع تنظيمات دينية يعتبرانها معتدلة
"

فعمد إلى ترشيح نفسه للرئاسة دون أن يدخل معه هؤلاء في المنافسة وذلك ليؤمن لنفسه فوزا لم تؤيده المحكمة العليا بعد ولكنه بلغ -حسب إعلان وزارة الداخلية الباكستانية- حوالي 75% من أصوات المشاركين في الاقتراع.

 ولكن الجنرال مشرف لم ير في ذلك ضمانة كافية لاستمراره في الحكم وخيل إليه أنه يستطيع أن يذهب إلى أبعد من ذلك فقفز ولم يخط، فأعلن حالة الطوارئ وطرد القضاة الذين لم يقولوا كلمتهم بعد في موضوع انتخابه وشن حملة من الاعتقالات والإقامة الجبرية ضد المئات من معارضيه.

ولعله أراد أن يثبت للأميركيين وللعائدين بأنه لا يزال رجل باكستان القوي الذي يستطيع أن يختار قواعد اللعبة مع منافسيه الذين قد تصوّر لهم أنفسهم الأمّارة بالسوء أنهم عائدون على ظهور أحصنة بيضاء.

غير أن هؤلاء أيضا من أمثال بنيظير بوتو ونواز شريف اختاروا التصعيد معه حتى لا تكون عودتهم مجرد طلب للغفران وسلامة البقاء فخرجوا في مظاهرات تتحدى حالة الطوارئ وبدؤوا يؤسسون التحالفات مع تنظيمات دينية يعتبرونها معتدلة ليقلصوا من مساحة الأرضية التي يقف عليها الجنرال وليثبتوا للولايات المتحدة أنهم أكثر مقدرة من مشرف في جذب الكثير من القوى الدينية إلى معسكرهم بدلا من المعسكر المتطرف.

لقد أدت نشاطات المعارضين المتسارعة إلى ردات فعل عصبية من جانب مشرف أحرجت الإدارة الجمهورية راعية فكرة المصالحة الوطنية وزادت من ضيق الرئيس بوش الذي يريد الاحتفاظ بالطرفين متحدين في هذه المرحلة ضد أعداء الولايات المتحدة من المتطرفين في باكستان وأفغانستان كما وضعت هذه التصرفات الأطراف الثلاثة أمام مواقف وخيارات حرجة.

فمن ناحية وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام جنرال لا يزال يحكم قبضته حتى الآن على الجيش والأمن ولا يزال الضامن لأمن منشآت باكستان النووية التي أخذت تثير الجدل في الغرب، ولكنه يتصرف على نحو يزيد من حرج موقفها ويضاعف من الأخطار التي تهدد باكستان.

"
مشرف صاحب الموقف الأكثر حرجا، لأنه إذا تمادى في التصعيد فإنه لا يضمن عواقبه وقد تتخلى عنه الولايات المتحدة, وإذا تراجع وقبل بقواعد لعبة ديمقراطية واضحة فإن سلطته متآكلة لا محالة ولعل من الأفضل له أن يستقيل
"
بينما يجد زعماء المعارضة أنفسهم أمام جنرال ليس مستعدا لتفعيل أهم بنود فكرة المصالحة وهو تقاسم السلطة مرحليا حسب الرغبة الأميركية، كما أنهم يحسّون بقوتهم في الشارع وفي نظر الرأي العام العالمي ولكن غريمهم لا يزال حتى الآن يسيطر على آلة العنف والقمع ولا يواجه أي موقف أميركي علني واضح زاجر.

أما الجنرال مشرف فهو صاحب الموقف الأكثر حرجا، لأنه إذا تمادى في التصعيد فإنه لا يضمن عواقبه وقد تتخلى عنه الولايات المتحدة كما تخلت عن كثيرين قبله.    

وإذا تراجع وقبل بقواعد لعبة ديمقراطية واضحة فإن سلطته متآكلة لا محالة ولعل من الأفضل له أن يستقيل غير أن هذا القرار يعد خيارا صعبا بالنسبة لرجل حاز السلطة بقوة السلاح.

وفي معمعة هذه الخيارات الباكستانية الصعبة تبقى الولايات المتحدة الأميركية هي القادرة على إنجاح أي منها، لأن الظروف التي كان يستطيع فيها جنرال باكستاني أن يشنق قادة معارضيه أمام بصر العالم دون أن يولي اهتماما لمناشدات كباره، قد مضت بعيدا مع زمن القطبية الثنائية.

المصدر : الجزيرة