منير شفيق

مؤتمر أنابوليس مؤتمر الخداع والغش، والدليل على ذلك أن ما يبتغيه بوش وأولمرت من ورائه في اللحظة الراهنة غير ما يدعيانه من أنه ينعقد من أجل إطلاق مفاوضات جادة تصل إلى حل الدولتين خلال عام 2008.

"
لا أهمية للاختباء وراء الحجة القائلة بأن القضايا الجوهرية ستطرح على جدول المفاوضات الثنائية، خاصة أن الموقف الإسرائيلي معروف، ولا حاجة إلى تجديد المفاوضات لمعرفة ما هو معروف، بل من السذاجة أن لا يطرح المفاوض الإسرائيلي شروطا أخرى مثل الاعتراف بأن إسرائيل دولة لليهود
"
إن كل ما هو مطلوب من الذين يتابعون تصريحات الداعين إلى المؤتمر والمشاركين فيه هو أن يتذكروا خلال الأشهر القليلة القادمة ما يقال الآن عن المؤتمر وأهدافه أو عن المفاوضات الجادة التي يريد إطلاقها. وقد ادعت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن "نجاح المؤتمر يكمن في إطلاقه للمفاوضات".

نعم علينا جميعا أن نتذكر ونذكّر من يعنيهم الأمر بأن ما قيل ترويجا للمؤتمر أو إسنادا للمشاركة فيه، عن بدء المفاوضات الثنائية سيبدأ في التلاشي ويذهب إلى النسيان بمجرد انتهاء المؤتمر.

ولن نسمع أحدا ممن سوّغوا مشاركتهم في المؤتمر ينتقد نفسه بأنه خدع بوعود بوش ورايس وأولمرت لأن المهم أن ينسى الجميع ما قاله هو وقاله غيره حول المؤتمر، وذلك حين يتبين أن المفاوضات الموعودة "طبخة بحص".

عندما تلخص كوندوليزا رايس نجاح المؤتمر في إطلاق المفاوضات الثنائية، وعندما تستند المشاركة الفلسطينية والعربية إلى "أهمية" إطلاق هذه المفاوضات وما يعلق عليها من آمال، نكون أمام نتيجة محتومة لا تحتاج إلى انتظار ما سيحدث، لأن المفاوضات الثنائية مجرّبة منذ اتفاق أوسلو، ومجرّبة أكثر بعد أن تراجعت إدارة بوش عن رعايتها والإشراف عليها، كما فعلت إدارة كلينتون، وكما فعلت إدارة بوش الأب (مؤتمر مدريد).

ففي التجربة الأولى اعتمدت الإدارة الأميركية في عهد كلينتون على عدم فرض أي شيء على الحكومة الإسرائيلية حتى لو تباين الرأي بينهما في قضية تفصيلية.

أما إدارة جورج دبليو بوش فقد تركت الأمر كله للمفاوضات الثنائية فقط، ومثلها فعل من وافقوا على خريطة الطريق التي أسقطت كل المرجعيات عمليا، أو أخضعتها لنتائج المفاوضات، أي لما توافق عليه الحكومة الإسرائيلية، فالحديث عن مرجعيات هنا مجرد قنابل دخان.

ولهذا توقفت المفاوضات وتعثرت حتى اضطر الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى الإعلان عن "موت العملية السلمية، ثم تراجع عن ذلك، وها هو ذا يتراجع عن كل الشروط التي تحدث عنها للمشاركة في مؤتمر أنابوليس ويقبل المشاركة تحت هدف واحد فقط هو "إطلاق المفاوضات".

إطلاق المفاوضات يعني رهن الأمر كله للمفاوض الإسرائيلي، ثم ليطرح المفاوض الفلسطيني على الأجندة ما يشاء، فالمفاوض الإسرائيلي سيطرح بدوره ما يشاء.

وهذا يعني أن لا أهمية للاختباء وراء الحجة القائلة بأن القضايا الجوهرية ستطرح على جدول المفاوضات الثنائية، لأن الموقف الإسرائيلي معروف، ولا حاجة إلى تجديد المفاوضات لمعرفة ما هو معروف، بل من السذاجة أن لا يطرح المفاوض الإسرائيلي شروطا أخرى مثل الاعتراف بأن إسرائيل دولة لليهود. مما يلغي حق العودة، ويفقد عرب 48 حقهم في أرض وطنهم الذي سيصبح لليهود فقط.

وقد صرّح أولمرت بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض موافقان على "يهودية الدولة" من دون أن ينفيا ذلك أو يؤكداه، بل جرت الموافقة على المشاركة في مؤتمر أنابوليس في ظل هذا التصريح.

وباختصار لا يستطيع أحد أن يجادل في كيفية موقف المفاوض الإسرائيلي، ولا في أن المفاوضات ستنتهي إلى الدوران في مكان واحد أو الفشل الذريع أي العودة إلى توقف المفاوضات مع أول مناسبة، و"من يتجاهل المجرّب عقله مخرّب".

أما المصير الآخر الذي ينتظر الوعود الخلب حول إطلاق مفاوضات جادة ماضية إلى الفشل والتلاشي خلال عام 2008، فهو سرعة الأحداث التالية لانتهاء مؤتمر أنابوليس وتداعياتها.

فالمنطقة كلها تقف على براميل بارود، وجميع الأزمات التي تولدت عن الحروب العدوانية التي شنتها إدارة بوش خلال السنوات الست الماضية بصورة مباشرة كأفغانستان والعراق، أو بصورة غير مباشرة كفلسطين ولبنان أو بالوكالة كالصومال، وإلى جانبها تأجيج الانقسامات الداخلية، وربما الحروب الأهلية في فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال، قابلة للانفجار أو متجهة إليه.

ومع أول تفجير جديد تتوارى المفاوضات إلى الخلف، على أن الأهم يكمن في الإعداد الأميركي الإسرائيلي لحرب عدوان على إيران.

وهذه الحرب إذا ما وقعت سوف تتجاوز من حيث حدتها وخطورتها وتداعياتها كل ما سبقها من حروب. فكيف تبقى وعود مؤتمر أنابوليس وما سيطبق من مفاوضات مجربة وهمية خادعة محكوم عليها بالفشل بعد ذلك؟

هذا من دون التذكير بتجارب المفاوض الفلسطيني الذي كان يجد أمامه بعد كل تنازل تنازلا آخر ينتظره ويصعب عليه ابتلاعه ولو إلى حين.

ومع ذلك يظل الحكم الفصل في مصير المفاوضات وما ستؤول إليه على الضد من كل الوعود التي تقدم الآن، إنما هو المستقبل ليس البعيد بل القريب خلال بضعة أشهر.

إذا كان مصير المفاوضات بكل هذا الوضوح واليقين فهل يخفى ذلك على إدارة بوش أو على حكومة أولمرت. فكلاهما يعلمان أن إطلاق مفاوضات جادة مجرد طمأنة لاستدراج المشاركة الفلسطينية والعربية.

وإذا كان الأمر كذلك فالمقصود هو المؤتمر نفسه وليس المفاوضات، لأن إطلاق مفاوضات جادة ليس بحاجة إلى عقد مؤتمر بهذا الحجم وبهذه السرعة وبكل هذا التلفيق.

والدليل على ذلك المفاوضات التي أشرفت عليها إدارة بيل كلينتون، غير أن الأعجب هو انطلاق المفاوضات الثنائية قبل مؤتمر أنابوليس من أجل تأمين انعقاده ليعود بدوره فيؤمن إطلاقها، وقد انطلقت إذا كان المقصود إطلاقها بعد المؤتمر.

"
المؤتمر مقصود لذاته وما يتوخاه بوش وأولمرت منه غير إطلاق مفاوضات ليست بحاجة إليه لتنطلق، وهذا يعني أن ثمة هدفا حقيقيا يراد للمؤتمر أن يحققه غير إطلاق المفاوضات
"
وبدَهي أن إطلاق المفاوضات ليس بحاجة إلى المؤتمر ما دامت الرغبة متوفرة لدى أولمرت وبوش ومحمود عباس، وهو ما سيدعمه كل من ذهبوا إلى المؤتمر محرجين، خاصة أنه لا داعي إلى الإحراج الذي تسببه المشاركة في مؤتمر هدفه الوحيد المعلن هو إطلاق "مفاوضات جادة".

وبهذا يتأكد أن المؤتمر مقصود لذاته وما يتوخاه بوش وأولمرت منه غير إطلاق مفاوضات ليست بحاجة إليه لتنطلق، وهذا يعني أن ثمة هدفا حقيقيا يراد للمؤتمر أن يحققه غير إطلاق المفاوضات.

لو راجعنا مسار عقد المؤتمر منذ اقتراحه من قبل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في يوليو/تموز الماضي، لوجدنا أمامنا اقتراحا مرتجلا، وقد تبين لاحقا أنه لم يدرسه جيدا، ولم يستشر المعنيين به قبل إطلاقه.

وعندما طرح على بعض الدول العربية، مرورا بمجلس الجامعة العربية تبين أن المؤتمر بلا أجندة، ولم يحدد موعده ولا مكانه، فحتى إطلاق المفاوضات الثنائية لم يذكر هدفا وحيدا للمؤتمر في حينه.

وبالمناسبة عندما أثير كل ذلك لم تجب إدارة بوش ولا حكومة أولمرت بعد أن تبنته بأن الهدف يكمن في إطلاق مفاوضات جادة.

فهذا الهدف أعلن عنه لامتصاص المطالبة العربية والفلسطينية (بعض الفلسطينية) بأن يخرج بنتائج "ملموسة" وبأن يحدد إطارا زمنيا لقيام الدولة الفلسطينية. وقد ارتبط الاقتراح بتحقيق وعد بوش بـ"حل الدولتين" (يوم كان يعد للحرب على العراق).

ومنذ ذلك التاريخ -يوليو/تموز- إلى اليوم والجهود كلها منصبة للضغط على الرئيس الفلسطيني، والأطراف العربية المعنية، من أجل التخلي عن اشتراط الإطار الزمني أو التوصل إلى "نتائج ملموسة".

وبالفعل بدأ مسلسل التراجع ممثلا بداية في إعلان الرئيس الفلسطيني على لسان وزير الإعلام في حكومة سلام فياض "مبادئ ستة" تضمن أولها: "الإقرار بالحاجة إلى تبادل الأراضي والإقرار بأن تكون القدس الغربية عاصمة للدولة العبرية".

وهذا يعني التراجع عن برنامج الحد الأدنى الذي تتبناه حركة فتح وهو إقامة الدولة في حدود ما قبل حزيران1967 لأن تبادل الأراضي يتضمن التنازل عن أهم أراضي الضفة الغربية والأجزاء الأكبر من القدس الشرقية، وعن الحدود وعمقها من أراض ستضم إليها، فضلا عن التنازل عما تحتها من مياه.

وقد يمتد "مبدأ التبادل" إلى تبادل مستوطنين بسكان فلسطينيين داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وذلك مقابل رمال من صحراء النقب.

أما الإقرار بأن القدس الغربية عاصمة لدولة الكيان الصهيوني فهو ما لم تجرؤ عليه بعد أية دولة غربية بما فيها الولايات المتحدة الأميركية نفسها، وهو تنازل خطير عن ثابت فلسطيني عربي وإسلامي، وحتى عن قرارات دولية.

ثم وصل التنازل إلى حد الموافقة على اقتراح أولمرت بإصدار بيان مشترك يستند إليه لإعلان عقد مؤتمر أنابوليس، ولكن حتى هذا البيان بما سيمثله من عمومية وغموض، تأخر التوصل إليه فأعلن عن عقد المؤتمر في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، في 21 تشرين نوفمبر/الثاني ليستعاض عنه ببيانين منفصلين في حالة الإخفاق في التوصل إليه في الأيام المتبقية.

والسؤال لماذا كل هذه العجلة؟ وكيف، مرة ثانية، يعقد مؤتمر على وعد المفاوضات التي ستنطلق منه في حين لم تستطع المفاوضات الجادة السابقة أن تخرج ببيان مشترك شكلي ملفق يحافظ على ماء الوجه حتى اللحظة الأخيرة قبل انعقاد مؤتمر أنابوليس.

هنالك تفسير سريع لهذه العجلة ولهذه الأيام القليلة بين عقده والإعلان عنه، هو تجنب اندلاع المعارضة الشعبية العربية والفلسطينية ضد المشاركة فيه.

أما التفسير الأهم فيرتبط بالسؤال الأساسي: ما هو الهدف الحقيقي لبوش وأولمرت من المؤتمر ما دامت حجة إطلاق مفاوضات جادة إنما هي ذريعة واهية ومفضوحة؟

من يتابع السياسات الأميركية منذ مطالع عام 2007 يلحظ أن الإعداد لحرب عدوان على إيران أصبح يحتل رأس أجندتها وأولوياتها في الأشهر القليلة المتبقية لولاية جورج دبليو بوش.

وهذا قرار متخذ من قبل المحافظين الجدد وحكومة شارون قبل العدوان على العراق، بل دار نقاش أيهما (العدوان على العراق أو العدوان إيران) يفضل أن يكون الأسبق.

إذا صحت مجموعة الدلائل والتقديرات التي ترى أن الحرب على إيران ارتفعت إلى موقع الأولوية في الإستراتيجية الأميركية فهذا يقضي بالضرورة، أن تخضع كل السياسات الأميركية الأخرى لخدمة هذه الأولوية، مما يؤكد أن الهدف من مؤتمر أنابوليس، حين يصبح مطلوبا لذاته، وعندما يصبح هدفه المعلن "إطلاق مفاوضات جادة"، خاصة عندما تصحبه كل هذه العجلة وكل هذا التلفيق، هو خدمة حرب العدوان على إيران، أي خدمة أولوية الإستراتيجية الأميركية الإسرائيلية في هذه المرحلة.

ولكن السؤال هو كيف يخدم الحرب على إيران من دون أن يتطرق إليها ويبدو تركيزه كله على الموضوع الفلسطيني؟

بداية، يفترض في إيهود أولمرت أن يكون الآن مستقيلا وأن تكون الدولة العبرية في حالة انتخابات، لأن أولمرت متهم بالمسؤولية عن فشل الجيش الإسرائيلي في عدوانه على لبنان ونزول هزيمة عسكرية به على يد المقاومة بقيادة حزب الله.

"
بسبب قلة وقت لقاء أنابولس لا يبقى للمشاركين غير وقت قصير يجعل مشاركتهم شكلية أو أقرب إلى أن يكونوا شهود زور على تظاهرة أريد منها دعم أولمرت وبوش لا إطلاق مفاوضات لما يسمى حل الدولتين، لأن هذه الأخيرة قنبلة دخان لا أكثر
"
وجاء تقرير لجنة فينوغراد ليؤكد هذا الفشل ويتهم أولمرت بالمسؤولية الأولى عنه، الأمر الذي كان يفرض وفقا للأعراف الإسرائيلية أن يستقيل فورا كما فعلت غولدا مائير في حرب أكتوبر 1973.

وكانت التهمة لحكومتها بالتقصير لا بتحمل المسؤولية الأولى، وهي من الآباء المؤسسين فكيف لا يستقيل أولمرت والحالة هذه؟

الجواب يكمن في الحاجة إلى بقائه، وعدم الدخول في مرحلة انتخابات جديدة، وذلك من أجل قرار الحرب ضد إيران وهذا ما فرض على نتانياهو وباراك وحتى ليفني السكوت على بقائه في حين أن كلا منهم يتحفز للحلول مكانه.

أما أولمرت الذي أبقي عليه فقد هبطت شعبيته إلى 3% وهو ضعيف متهاوٍ يحتاج إلى إسناد.

والأمر كذلك بالنسبة إلى الرئيس الأميركي بوش الذي تداعى بدوره في الوقت الذي يعد فيه لحرب جديدة.

من هنا جاء اقتراح عقد مؤتمر على نحو مؤتمر أنابوليس ليدعم أولمرت بالدرجة الأولى، لاسيما إذا خطت السعودية خطوة تطبيعية باتجاهه.

وهو يدعم أيضا الرئيس بوش حين يرعاه ويستضيفه، ويجعل منه تظاهرة دولية من حوله وحول أولمرت ليبدو قادرا وناجحا وهو الذي لاحقه الفشل في عين الرأي العام الأميركي من دون نجاح واحد.

ولهذا كان لا بد من اللجوء إلى الاحتيال باستخدام الانكباب لإيجاد حل للقضية الفلسطينية من خلال إطلاق المفاوضات، في حين أن الهدف الحقيقي لا علاقة له بالتوصل إلى حل الدولتين ولا إطلاق مفاوضات جادة.

فالمؤتمر يراد منه دعم أولمرت وبوش وإخراجهما من عزلتهما وإخفاء وصمة إخفاقاتهما المتكررة، وبهذا يصبحان أفضل وضعا في اتخاذ قرار الحرب ضد إيران.

وأخيرا وليس آخرا، يتأكد هذا الاستنتاج حول الهدف الحقيقي للمؤتمر، بالنظر إلى عقده ليوم واحد فقط في 27/11/2007، بل لنصف يوم بعد أن يلقي كل من بوش وأولمرت وعباس وكوندوليزا رايس والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خطبهم.

وهذا النصف سيوزع على ثلاث جلسات مدة كل منها 90 دقيقة، إحداها لدعم المفاوضات والثانية للاقتصاد وإصلاح المؤسسات الفلسطينية، والثالثة عامة تتناول الحل الشامل.

وبهذا لا يبقى للمشاركين غير وقت سريع يجعل مشاركتهم شكلية وهم أقرب إلى أن يكونوا شهود زور على تظاهرة أريد منها دعم أولمرت وبوش وليس إطلاق مفاوضات لما يسمى حل الدولتين. لأن هذه الأخيرة قنبلة دخان لا أكثر.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك