نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- تحول تاريخي
- ثوابت سياسية
- معالم مستقبلية

تحتفل ألمانيا هذه الأيام بمرور 18 عاما على سقوط جدار برلين، واحتفلت قبل شهر واحد بمرور 17 عاما على إعادة توحيدها، بعدما بقيت أكثر من 40 عاما مجزأة إلى دولتين: غربية رأسمالية وشرقية شيوعية.

وكان سقوط جدار برلين عام 1989 أبرز المؤشرات المرئية على نهاية الحرب الباردة. وخلال العام التالي وإلى أن اكتمل سقوط ألمانيا الشرقية وأصبحت "الولايات الخمس الجديدة" في ألمانيا الموحدة، كان على المسؤولين الألمان بذل جهود ضخمة لإزالة المخاوف الأوروبية -لاسيما الفرنسية والبريطانية والبولندية- من عودة "العملاق الألماني" إلى الظهور على المسرح الدولي، واحتمال أن تتجدد المطامع الألمانية في النفوذ والسيطرة شرقا وغربا في القارة العجوز.

وفي إطار إزالة تلك المخاوف تم عقد اتفاقية ماستريخت للمضي بالوحدة الأوروبية قدما، جنبا إلى جنب مع تأكيد ربط الوحدة الألمانية وسياسة الدولة الموحدة بالوحدة الأوروبية وسياسة الاتحاد الأوروبي.

"
من أبرز ما يلاحظ حاليا في صعود ألمانيا الموحدة السريع نسبيا إلى قمة صناعة القرار الدولي أنه لا يستغنى عنها في المفاوضات الجارية حول الملف النووي الإيراني الأكثر سخونة بالمنظور الغربي
"
تحول تاريخي
ألمانيا ترأس في الوقت الحاضر مجموعة الثمانية "الكبار" لفترة عام، وكانت نشأة المجموعة نفسها وليدة مبادرة ألمانية فرنسية في عهد هيلموت شميدت وجيسكار ديستان بعد ثورة أسعار النفط الخام.

وألمانيا كانت ترأس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2007، ولا أحد ينكر أن جهودها في تلك الفترة كانت وراء إنقاذ المسيرة الأوروبية، وإن اعتمدت على "معاهدة" جديدة بدلا من دستور أوروبي مشترك.

ولألمانيا مكانتها وصوتها المسموع في منظمتي صندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي، وليس دورهما الحاسم مجهولا في تحديد مسيرة النظام المالي والاقتصادي عالميا.

وكان لموقف ألمانيا من حرب صربيا ضد كرواتيا دوره الحاسم في سقوط الاتحاد اليوغسلافي وتفككه، وتتبع لها الآن القوة الأكبر عدديا في إطار القوات الأطلسية والأوروبية في البوسنة والهرسك وكوسوفا، كما كانت القوة الرئيسية في إطار القوات الأوروبية أثناء الانتخابات الأخيرة في الكونغو.

ومن حيث عدد القوات تأتي ألمانيا في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية في إطار القوات الغربية في "الحرب على الإرهاب" وإن توزعت ما بين أفغانستان غربا ومياه خليج عدن والبحر العربي شرقا.

على أن من أبرز ما يُلاحظ حاليا في صعود ألمانيا الموحدة السريع نسبيا إلى قمة صناعة القرار الدولي، أنه لا يُستغنى عنها في المفاوضات الجارية حول الملف النووي الإيراني -الأكثر سخونة بالمنظور الغربي- الذي تجمع المفاوضات حوله ألمانيا والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، رغم أنها لم تصل بعد إلى هذه العضوية التي تتطلع إليها منذ فترة.

ومما تنوه به في هذا الصدد أنها لا تشارك في مختلف المهام العسكرية التابعة للأمم المتحدة فحسب، بل تأتي أيضا في المرتبة الثالثة عالميا في تمويل المنظمة الدولية.

هل يمكن القول إن المخاوف الأوروبية من إعادة توحيد ألمانيا تحققت في هذه الأثناء؟ وما الدور الألماني المحتمل في إطار ما بدأ يظهر من معالم نظام عالمي جديد طالت فترة الإعداد له بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاستقطاب الثنائي الدولي؟

يرتبط الجواب ارتباطا وثيقا بالجواب على سؤال آخر: كيف صعدت ألمانيا إلى هذا الموقع الدولي وهي التي كانت الدولة المهزومة المدمرة كليا في الحرب العالمية الثانية -المجزأة مدة أربعة عقود- الخاضعة بسيادة ناقصة لإرادة الدول المنتصرة طوال تلك الفترة وحتى أعيد توحيدها، والتي كان نساؤها -بسبب ملايين القتلى والأسرى من الرجال- يعملن في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين بأيديهن لإعادة بناء البيوت المهدمة من أكوام الحجارة في معظم المدن الألمانية ولإعالة بقايا أسرهن الناجية من الحرب؟

كثيرا ما يُذكر الدعم الأميركي بعد الحرب وتبدل الجبهات عالميا، والواقع أن هذا الدعم -خاصة ما عرف بمشروع مارشال- شمل الدول الأوروبية جميعا، وكانت ألمانيا أكثرها تدميرا وخرابا، ولكنها في الوقت الحاضر القوة الاقتصادية والمالية الأولى أوروبيا دون جدال، ويُعتمد عليها اعتمادا أساسيا في دعم الدول الأخرى، لاسيما حديثة العضوية في الاتحاد الأوروبي.

"
كانت الذروة هي وصول ألمانيا إلى مرحلة استكمال سيادتها على صعيد القرار السياسي والأمني دوليا، بدءا بالمشاركة العسكرية في البلقان وانتهاء بالتفاهم مع موسكو وباريس بالدرجة الأولى ضد حرب احتلال العراق
"
ثوابت سياسية
تمكن العودة بالظاهرة الألمانية وأبعادها المستقبلية المرتبطة بمجراها التاريخي الحديث إلى ثلاثة عناصر أو ثلاثة ثوابت بقيت راسخة زهاء ستين عاما، ويوجد ما يكفي من المؤشرات على استمرارها في المستقبل المنظور:

1- إذا كان محور نظرية هتلر النازية التي أدت إلى الدمار هو اعتبار القوة العسكرية والسياسية المهيمنة وسيلة، والنهوض الاقتصادي المهيمن هدفا، ومن ذلك اعتباره شرق أوروبا حتى سيبيريا مصدرا للخامات والطاقة لا بد من السيطرة العسكرية عليه لتحقيق النهوض -وهذا في الواقع محور سياسات استعمارية قديمة وحديثة- فإن محور نظرية ألمانيا منذ نهاية الحرب هو بناء القوة الاقتصادية واعتبارها الوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية مستقبلا.

وساعدها على ذلك -دون قصد- حرمانها رسميا من صناعة الأسلحة النووية التي استهلكت الكثير من طاقات الدولتين المنافستين أوروبيا: بريطانيا وفرنسا، مقابل توفر الطاقات الألمانية لأغراض اقتصادية فقط.

وقد عكست السياسات الدولية الألمانية هذا المحور باستمرار، فلم تكن تساوم على علاقاتها الاقتصادية المتنامية مع مختلف دول العالم، ما بين شرق آسيا وأميركا الجنوبية، ورفض الاستجابة للضغوط الأميركية غالبا للمشاركة في حصار دول أرادت واشنطن حصارها أثناء الحرب الباردة، بدءًا بالصين مرورا بكوبا وانتهاء بليبيا وإيران.

2- الاندماج الأوروبي هو المحور الثاني المعتمد لدى ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، إذ لم تكن معاهدة ماستريخت المشار إليها مطلبا أوروبيا لإزالة المخاوف من ألمانيا الموحدة قدر ما كانت مطلبا ألمانياً، لأن الزعامة الاقتصادية والمالية الألمانية تعتمد اعتمادا رئيسيا على الأسواق الأوروبية القريبة، وكلما ازداد توحيد أوروبا اقتصاديا وسياسيا ازدادت أركان هذه الزعامة رسوخا.

وهذا ما تحاول الدول الأخرى معادلته سياسيا، كما هو الحال مع التحالف البريطاني الدائم مع الولايات المتحدة سياسيا وعسكريا، أو المساعي الفرنسية الدائمة لتثبيت دورها السياسي العالمي الموروث من حقبة الاستعمار الفرنسي.

3- يُضاف إلى ما سبق المسيرة الألمانية الحذرة الدائمة من أجل الحفاظ على درجة -ولو محدودة- من توازن العلاقات بين الأقطاب الدولية، فرغم اندماج ألمانيا الغربية الرأسمالية في المعسكر الغربي كلية بعد الحرب، كان المستشار الأول كونراد أديناور المسؤول عن ذلك، هو من فتح الأبواب الأولى تجاه الشرق الشيوعي وخاصة الاتحاد السوفياتي آنذاك، حتى بدت سياسة فيلي براندت لاحقا لإنهاء الاستقطاب الدولي وبدء مرحلة الانفراج بين المعسكرين حلقة متقدمة من بعده.

ويمكن القول إن الذروة كانت في عهد المستشار السابق غيرهارد شرودر الذي أوصل ألمانيا إلى مرحلة استكمال سيادتها على صعيد القرار السياسي والأمني دوليا، بدءاً بالمشاركة العسكرية في البلقان وانتهاء بالتفاهم مع موسكو وباريس بالدرجة الأولى ضد حرب احتلال العراق.

ولئن خرجت المستشارة أنجيلا ميركل من بعده عن هذا الخط جزئيا في مواقفها الرسمية وأعادت شيئا من التوازن السابق، فإنها لم تمض بذلك شوطا بعيدا، سواء على صعيد حجم المشاركة العسكرية الألمانية ونوعيتها في نطاق ما أثارته واشنطن من حروب، أو على صعيد متابعة تنمية العلاقات التجارية والمالية مع الاتحاد الروسي تخصيصا.

معالم مستقبلية
يمكن أن تشهد السياسات الألمانية الدولية مستقبلا بعض التغيير، ولكن لا ينتظر أن يتجاوز ذلك الفروع والتفاصيل المتبدلة مع تبدل الائتلافات الحزبية إذا تبدلت نتائج الانتخابات من دورة إلى أخرى، ولكن ستبقى المحاور الثلاثة الثابتة في مقدمة ما يحكم السياسات الألمانية، بما ينقض -على الأرجح- كثيرا من التوقعات المتسرعة.

ومنها على سبيل المثال دون الحصر:
1- ما يقال عن ميركل من أنها أشد ميلا من أسلافها للارتباط والتعاون مع الولايات المتحدة، واحتمال ازدياد هذا العنصر ظهورا.

"
الضحية الأكبر لانهيار الأرضية الضرورية لسياسة عربية موحدة هي قضية فلسطين، وهو ما لا يستدعي السؤال عن مستقبل السياسة الألمانية بقدر ما يستدعي السؤال عن السياسة العربية المطلوبة كي تجد تلك القضية تعاملا مميزا لا من جانب ألمانيا فقط، وإنما من جانب القوى الدولية عموما
"
والواقع أن هذا الارتباط والتعاون كان قائما في الماضي وسيستمر في المستقبل، وكانت له حدوده التي تصنعها المصالح الذاتية لاسيما الجانب الاقتصادي، وستبقى كذلك في المستقبل. علاوة على أن ميركل وسواها من الزعماء الألمان لا يمكن أن يتجاهلوا أن السياسات الأميركية في عهد بوش الابن تجد رفضا شعبيا أوروبيا على مستوى غير مسبوق، ولذلك فإن تطوير العلاقات رهن بحدوث تبدل متوقع في السياسات الأميركية، لا الألمانية.

2- ما يقال عن احتمال وصول الخلافات الفرنسية الألمانية إلى درجة قريبة من القطيعة في عهد ساركوزي، وقد بدأت التكهنات بذلك مبكرا، ولكن الأرجح هو أن الاندفاعة القوية التي يظهرها ساركوزي في الأسابيع الأولى من سلطته يمكن أن تضمحل سريعا، سواء نتيجة التبدل القريب وقد بات حتميا في السياسات الأميركية نفسها، أو نتيجة هبوط شعبية ساركوزي داخليا بسبب سياساته الاقتصادية والاجتماعية.

3- المساعي الألمانية للوصول إلى مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي لن تدفع إلى تقديم المزيد على صعيد المشاركة العسكرية أو التشدد في المواقف طلبا للموافقة الأميركية على هذه العضوية، فعلاوة على أن تلك المشاركة بلغت حدا أقصى من حيث الإمكانات الألمانية نفسها، يدرك الساسة الألمان أن العضوية تتطلب موافقة الأعضاء الخمسة الدائمين لا واشنطن فقط، علاوة على تأييد غالبية الدول النامية.

وهذا ما يرجح محاولة الاحتفاظ بقدر معين من السياسات المتوازنة عالميا، وليس اتباع سياسات متشددة قد تثير معارضة متنامية.

ومن معالم ذلك التوازن على سبيل المثال أيضا أن ميركل التي حرصت على إعلان استمرار المهمة الألمانية في أفغانستان أثناء زيارتها لها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، كانت قد أوقفت جزءا من هذه المهمة دون ضجة كبيرة، كما تقرر لاحقا خفض حجم الوجود الألماني في منطقة البحر العربي وسواها.

وفي إطار زياراتها للولايات المتحدة لم تحمل معها جديدا تقدمه بقدر ما حملت "مطالب" مثل ما يتعلق بغوانتانامو وإغلاقه أو ما يتعلق بالمناخ العالمي، وربما حملت في زيارتها الأخيرة -سرا على الأقل- المطالبة بعدم المزيد من التحركات الأميركية التي قد تثير سياسات روسية مضادة، كما هو الحال مع الدرع الصاروخي.

أما المشاركة الألمانية "المتحمسة" في الملف النووي الإيراني جنبا إلى جنب مع تكرار التصريح بالحرص على "المصالح الأمنية الإسرائيلية" فلا تمنع من تأكيد حقيقة أن تلك المشاركة كانت من العوامل الحاسمة في استمرار اعتماد الجهود الدبلوماسية والسياسية واستبعاد تبني الرغبات العسكرية الإسرائيلية والأميركية، ولا يزال هذا النهج مستمرا على الأرجح وإن كان احتمال تبدله قائما أيضا.

ويبقى السؤال عن مستقبل العلاقات الألمانية العربية في إطار تنامي المكانة الدولية الألمانية، والواقع أن هذا السؤال كان مطروحا بقوة قبل عدة عقود، ولم يعد "واقعيا" في الوقت الحاضر.

فهذه العلاقات لم تعد تقوم على التعامل مع "المجموعة العربية" وإنما هي منذ زمن بعيد علاقات ثنائية وفي أفضل الأحوال علاقات أوروبية انفرادية وجماعية، مع مناطق إقليمية عربية مثل الشمال المغاربي والخليج العربي.

وقد تكون الضحية الأكبر لانهيار الأرضية الضرورية لسياسة عربية موحدة أو مشتركة هي قضية فلسطين، وهو ما لا يستدعي السؤال عن مستقبل السياسة الألمانية بقدر ما يستدعي السؤال عن السياسة العربية المطلوبة كي تجد تعاملا متميزا معها، لا من جانب ألمانيا فقط، وإنما من جانب القوى الدولية عموما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك