عبد الستار قاسم

لا تنفك أميركا ترسل المبعوثين وتقدم المبادرات وتعقد المؤتمرات وتتبادل الزيارات وتصدر التصريحات من أجل إحلال السلام في المنطقة العربية الإسلامية، حسب أقوالها.

بين كل مبادرة ومبادرة هناك مبادرة، وبعد كل مؤتمر هناك مؤتمر، ولا يكاد مسؤول أميركي يدير ظهره حتى يطل على المنطقة آخر بعينيه.

ولا يتكاسل الأوروبيون كثيرا، فيأخذون نصيبهم من الزيارات والتصريحات والتشديد على ضرورة إحلال السلام، ولا ينسون أن تبقى جيوبهم مليئة بالنقد للتلويح أحيانا وللإسعاف أحيانا أخرى.

المؤتمر الدولي المزمع عقده الخريف القادم هو آخر تقليعة للبحث عن حل، وكغيره من النشاطات سينتهي إلى تصريحات متفائلة تطمئن الجميع بأن السلام قريب.

حتما سيصرح المسؤولون بأن أجواء المؤتمر بناءة وهادفة، ومناقشة المواضيع المختلفة تتم بهدوء وعمق وبأقصى درجات المسؤولية.

ستظهر علينا السيدة رايس بابتسامتها العريضة لتقول إن الولايات المتحدة تأخذ على عاتقها تحقيق السلام ودحر كل القوى الظلامية التي لا ترى لها مصلحة في النور والحرية.

"
إذا كانت أميركا تحقق نجاحا بطحن الماء، فإنه من الغباء السياسي أن تجرب أسلوبا آخر, فالعرب لا يتمردون، ولا يتذمرون، ويشاركون في ترتيب المؤتمرات ويشجعون أحيانا على عقدها، وهم راغبون في صناعة الوَهم لأنفسهم وشعوبهم
"
سلسلة المؤتمرات والقرارات طويلة، لكننا لا نجد تحت الطاولة ما يشير إلى أن المؤتمرين قد شمروا عن سيقانهم لمداعبة الوحل ولو قليلا، بل نجد في قاعات المؤتمرات ما يؤكد ساعات نغنغة قد قضاها المجتمعون.

ما يجري من نشاطات مستمرة وحثيثة أشبه ما يكون بطحن الماء. هناك رذاذ يتطاير لكننا لا نرى طحينا من أي نوع. تدور الأيام، وتلف العجلات، لكن الحمْل كاذب، والطحين بعيد المنال. مرت أربعون سنة على احتلال عام 1967، وذات المشهد يتكرر ويتجدد بأشكال وألوان مختلفة، لكنه يبقى في جوهره واحدا.

واضح أن أميركا وإسرائيل تتسليان، وتلهيان العرب وبالتحديد الفلسطينيين بالوعود البراقة التي لا تحمل غير اللمعان. إنهما تطبخان الحجارة الصلدة، ويجلس العرب بعيدا ينتظرون الطبق اللذيذ؛ والانتظار يطول.

إنهما توهمان العرب بأن حلا يلوح في الأفق، بينما الحل يكمن في سحر الأيام الذي يؤدي إلى الملل والنسيان، والتلهي بهموم داخلية لا تفسح المجال لمعالجة ما يفرضه الآخرون من تحديات.

إذا كانت الراعية ترى أن المصاصة تسكت الطفل، فإنها لن تجد نفسها تحت ضغط إطعامه. وما دام العرب مرتاحين للنشاطات الأميركية والوعود، فإن أميركا لا تجد نفسها مضغوطة أو في عجلة من أمرها؛ وما دام ذات الأمر يتكرر، والعرب لديهم قابلية الابتلاع، فإنها ستستمر في تقديم ذات الطُعْم.

وإذا كانت أميركا تحقق نجاحا بطحن الماء، فإنه من الغباء السياسي أن تجرب أسلوبا آخر. العرب لا يتمردون، ولا يتذمرون، ويشاركون في ترتيب المؤتمرات ويشجعون أحيانا على عقدها، وهم راغبون في صناعة الوَهَم لأنفسهم وشعوبهم.

ترى أميركا وإسرائيل أن سقف المطالب العربية يهبط مع الزمن، وما هو مطلوب عربيا الآن لن يكون هو المطلوب بعد عام أو بعد غد. أطلق العرب عام 1967 "اللاآت الثلاث"، لكنهم لم يصبروا حتى قبلوا قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يدعو إلى اعتراف متبادل بين دول المنطقة.

أصروا على عدم التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكنهم ذهبوا بعباءاتهم العربية إلى مدريد عام 1991؛ وقالوا إنهم لن يعترفوا أبدا بإسرائيل، فإذا بهم يتسابقون على الاعتراف.

فإذا كانت سيرة العرب هي عدم الصمود، وعدم الإصرار على الموقف والدفاع عنه، والقبول اليوم بما كان مرفوضا بالأمس، فلماذا تقدم أميركا وإسرائيل لهم شيئا؟.

"
إذا كانت سيرة العرب هي عدم الصمود، وعدم الإصرار على الموقف والدفاع عنه، والقبول اليوم بما كان مرفوضا بالأمس، فلماذا تقدم أميركا وإسرائيل لهم شيئا؟
"
الفلسطينيون ليسوا أفضل حالا من العرب، بل إنهم يقودون عملية التهالك والهبوط بسقف المطالب. هناك استمرارية في هبوط السقف الفلسطيني، ووصل الأمر إلى أن وضع الفلسطينيون لقمة خبزهم بأيدي أعدائهم.

وصل الحد بالقيادة الفلسطينية إلى توظيف أجهزة أمنية لملاحقة من يسمون الإرهابيين، وإلى الافتخار بإنجازات السلطة في تفكيك خلايا المقاومة وضبط مواقع تصنيع المتفجرات.

اللقاءات أصبحت متواصلة مع القيادات الإسرائيلية، ونشاطات التطبيع أصبحت مألوفة على مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فإذا كان بالإمكان وصول السقف الفلسطيني إلى هذا الحد من الهبوط، فإنه يبقى قابلا للمزيد من الانخفاض.

واضح أن الرهان على الزمن من ناحية الإسرائيليين والأميركيين رابح جدا، وأن المزيد من الرهان يأتي، تاريخيا، بنتائج إيجابية. وبات واضحا تماما أمام الإسرائيليين أن ما يرفضه الفلسطينيون اليوم يقبلونه غدا، وأنه من سلامة التكتيك أن يطرحوا أفكارا جديدة باستمرار ليتراجعوا عنها بعدما يقبلها الفلسطينيون.

وقد لاحظت شيئا من هذا القبيل تتم ممارسته بوضوح في السجون الصهيونية. كان ينفذ المعتقلون إضرابا عن الطعام احتجاجا على مسألة معينة أو من أجل تحقيق مطالب محددة. فيقوم الصهاينة بعد ذلك بمعاقبة المعتقلين بحرمانهم من بعض التسهيلات مثل طاولة النرد أو أحجار الدومينو. عندها يتحول الاهتمام عن القضية الرئيسية التي كانت منطلق الإضراب لينصب على استعادة الخسائر الجديدة.

كم كنت أحذر من الوقوع في مثل هذه المزالق، لكن يبدو أن العقلية السياسية للشعب الفلسطيني قد تم ترتيبها بهذه الطريقة الفاشلة.

وإذا كانت الحالة كما هي عليه من تراجعات، فالاعتماد على الزمن يصبح ركنا أساسيا في السياسة الأميركية والإسرائيلية؛ وإذا كان طحن الماء يلهي العرب والفلسطينيين ويعطيهم مبررا أمام شعوبهم للاستمرار في الجري وراء المبادرات والمؤتمرات فإن الماء كثير.

اعتادت أميركا وإسرائيل على العرب وهم يعودون إلى تجربة ما جربوه من قبل وبنفس الطريقة وعلى ذات الدرب الذي فشل. العرب وبالتحديد الفلسطينيون يكررون تجربة التجارب الفاشلة، ويخلقون لأنفسهم الذرائع والمبررات التي تجمّل أعمالهم أمام شعوبهم.

حصل العرب على وعود كثيرة بحل العديد من المشاكل وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لكن حلا لم يتحقق، بل إن المشاكل تعقدت بالمزيد.

قال الأميركيون للعرب قبل وأثناء حرب الخليج عام 1991 إنهم سيعملون على حل القضية الفلسطينية حلا جذريا بعد انتهاء الحرب، ودعوا إلى مؤتمر مدريد.

"
إذا كانت إسرائيل وأميركا مطمئنتان تماما إلى عجز العقل العربي وغياب الإرادة، وإلى الإصرار على الاستمرار في تجارب الفشل، فإنه لا شيء يدفعهما لتغيير سياستيهما تجاه العرب والمسلمين
"
كانت النتيجة أن العرب تخلوا عن طرحهم بالجماعية وذهبوا بوفود منفصلة إلى المؤتمر، وقبلوا ما رفضوه منذ عام 1948، وكانت المأساة العظيمة أن بلاد الشام ذهبت بوفدين، وبثالث من شقين.

هب الرئيس الأميركي بعد معركة العراق عام 2003 ليطرح مبادرات نحو إقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2005. مرت السنوات وستمر، وستبقى الأحلام الفلسطينية تدور مشاهدها في البيت الأبيض.

حتى الآن ما زال هناك فلسطينيون يظنون أن أميركا ستقيم لهم دولة، مثلما صدقوا شارون السفاح عندما أعلن أنه مع إقامة دولة فلسطينية.

نحن نحب أن نُلدغ من ذات الجحر مرارا وتكرارا، وفي كل مرة نحب أن نوهم أنفسنا بأن الأفعى قد تبخرت. لا نقوم بنبش الجحر، ولا نأتي بأدوات القضاء على الجسم اللادغ، ولا نقوم حتى بسده حتى لا يأتينا منه ضرر.

نقع في نفس الخطأ أو الخطيئة مرارا، ولا نريد أن نتعلم. ولا يبدو أن الشعوب أفضل من حكامها، وهي ما زالت تصر بأن الأدعية والابتهالات الخاوية ستحفز الملائكة على اتخاذ إجراءات إلهية ضد الأعداء.

كثيرون منا يظنون أن ما نتلقاه عبارة عن عقاب إلهي، وكثيرون يظنون أننا عاجزون عن رفع هذا العقاب، ولا إرادة لنا ما دامت إرادة الله هي التي تخوض المعارك.

هل لعدو أن يخشى عدوا لا يتقن سوى الدجل على الشعوب وصناعة الأوهام لخداع نفسه وخداع الناس؟ إذا كانت إسرائيل وأميركا مطمئنتان تماما إلى عجز العقل العربي وغياب الإرادة، وإلى الإصرار على الاستمرار في تجارب الفشل، فإنه لا شيء يدفعهما لتغيير سياستيهما تجاه العرب والمسلمين.

صحيح أن المؤتمرات فاشلة، لكن لا مانع من عقدها ما دامت تُكسب إسرائيل الوقت، وتمنح العرب تبريرا جديدا لبث اليأس في نفوس الشعوب.

تريد إسرائيل وأميركا الاطمئنان إلى أن القيادة الفلسطينية التي تحظى بالثقة قوية بما فيه الكفاية بحيث تضمن تطبيق الاتفاقيات خاصة تلك المتعلقة بالقضايا الأمنية.

عبرت إسرائيل مرارا على ألسنة عدد من قياداتها عن عدم ثقتها برئيس السلطة الفلسطينية لأنه ضعيف وغير قادر على اتخاذ قرارات حاسمة. تبعا لذلك، لا يوجد مبرر سياسي قوي أمام إسرائيل لكي تسلم ملفا أمنيا لعباس الذي سيتردد كثيرا في ضرب فصائل المقاومة.

فضلا عن ذلك، أثبتت الأجهزة الأمنية الفلسطينية -التي من المفروض أن تقاوم ما يسمى الإرهاب- ضعفا كبيرا أمام حركة حماس في غزة، وقررت قياداتها الهرب قبل أن تبدأ المعركة.

صرفت إسرائيل وأميركا أموالا طائلة على تسليح وتدريب وتجهيز الأجهزة الأمنية ظنا منها أنها تصنع جيشا قادرا على تنفيذ الاتفاقيات مع إسرائيل، لكن المفاجأة كانت عكس التطلعات.

إسرائيل وأميركا مهتمتان الآن بالبحث عن قيادة فلسطينية جديدة تتمتع بمقومات القيادة وقادرة على تنفيذ ما هو مطلوب منها، وهما ليستا على استعداد لتجريب المجرب كما يفعل العرب.

إنهما بحاجة إلى وقت للاهتداء إلى مثل هذه القيادة، ولا مانع من التسلية بالمؤتمرات إلى حين تحقق ذلك. لا أظن أنهما ستنجحان، لكنهما ستحاولان وستستمران في البحث.

"
لن يخلص المؤتمر إلى وضع حلول جذرية واضحة ومفصلة للقضايا العالقة في الصراع العربي الإسرائيلي، لكن من المتوقع أن يجتر المؤتمرون فيما إذا اجتمعوا قرارات سابقة
"
تراجعت القضية الفلسطينية في عيون أميركا وإسرائيل أمام مثلث الممانعة القائم والذي يؤرقهما كثيرا. المشكلة الكبيرة التي تواجه الدولتين الآن تتمثل في إيران أولا، وسوريا وحزب الله ثانيا، ولا بد لهما من السيطرة على هذا التحدي الجديد قبل أن تخطوا خطوة واحدة في حل أي مشكلة في المنطقة العربية الإسلامية.

الفلسطينيون لا يشكلون هماًّ كبيرا بالمقارنة مع تسليح هذا المثلث الذي ينغص بالفعل على الدولتين مشاريعهما، ويتحدى هيمنتهما على المنطقة.

من المهم بالنسبة للدولتين القيام بنشاطات تخديرية من أجل تبرير وقوف الأنظمة العربية معهما في أي نزاع مسلح قد يطرأ على المنطقة.

عملية تقديم المبادرات وعقد المؤتمرات تساعد على تصعيد الوهم لدى الشعوب العربية، وترفع درجة الظنون بأن أميركا جادة في إقامة دولة فلسطينية، وفي هذا ما يغفر للأنظمة العربية إن هي قررت دعم إسرائيل وأميركا، ولو من طرف خفي، ضد مثلث الممانعة.

أغلب الأنظمة العربية جاهزة للسير في إجراءات تحتوي إيران وتضرب قوة حزب الله العسكرية لأنها تشعر بالخطر الإيراني على استقرار الحكم العربي، وهي تعي تماما أن أميركا وإسرائيل عبارة عن حليف مباشر أو غير مباشر لأنهما مع الاستقرار ومع الحفاظ على أنظمة الحكم العربية.

ولن يخلص المؤتمر إلى وضع حلول جذرية واضحة ومفصلة للقضايا العالقة في الصراع العربي/الإسرائيلي، لكنه من المتوقع أن يجتر المؤتمرون فيما إذا اجتمعوا قرارات سابقة يمكن تلخيصها بالتالي:

سيؤكد المؤتمرون حبهم للسلام وإصرارهم على مواصلة الجهود لغاية تحقيق الهدف المنشود؛ وسياهجمون الإرهاب والإرهابيين؛ وسيدعون حماس إلى التراجع عما قامت به وعن "الإرهاب" الذي تمارسه.

من المتوقع أيضا أن يؤكدوا التزامهم بإقامة دولة فلسطينية دون إعطاء تعريف واضح لها، وعلى دعم السلطة الفلسطينية بقيادة عباس ماليا.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني 

المصدر : الجزيرة