طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


تأكيد الواقعة
المشاركون في الاختراق
الأهداف المحتملة
الترجيحات
احتمالات المستقبل

كانت أحداث الساعات المبكرة من صباح يوم 6 سبتمبر/أيلول التي أعلنت فيما صدر عن السلطات السورية من اختراق طائرات إسرائيلية للمجال الجوي السوري، وأن المضادات الأرضية قد فتحت نيرانها عليها، وأنها ألقت حمولتها من الذخيرة وقامت بالفرار، من أكثر الأحداث إثارة للجدل لما أحاط بها من غموض نتيجة لقلة ما صدر عن الجانبين الرسميين.

كما أثارت كثيرا من التقارير من مصادر مختلفة كلها تقريبا صادرة عن جهات غربية، وأغلبها يتسم بالانحياز لإسرائيل، ويخدم الحرب النفسية التي تشنها هي والولايات المتحدة على عناصر المقاومة في الأمة العربية، وليس في لبنان وحده.

لقد أصبحت محاولة كشف الغموض المحيط بالوقائع هامة على المستويين السياسي والعسكري، وأصبح من الضروري الكشف عما يبدو في التقارير والشائعات أنه يمكن أن يكون حقيقيا أو زائفا.

كذلك فإن امتناع الأطراف عن الحديث رسميا عن تفاصيل الواقعة يوحي بأن التفاصيل لم تتم، وأن هناك توابع للحدث، وتختلف احتمالات هذه التوابع.

تأكيد الواقعة

"
المصادر الرسمية في كل من سوريا وإسرائيل أكدت واقعة انتهاك المجال الجوي السوري, أما المصادر غير الرسمية فقد أسهب بعضها في الحديث وصور أمورا تصب في النهاية في الاعتراف بواقعة الاختراق دون الاعتراف بأي تفاصيل أخرى
"
لقد أعلنت سوريا أن طائرات إسرائيلية قد اخترقت المجال الجوي السوري وأن المضادات السورية قد تصدت لها وأجبرتها على الفرار بعد أن أفرغت حمولتها، لكن أحدا لم يصب، كما لم تحدث خسائر.

إسرائيل من جهتها لم تعلق رسميا على الحدث، فلم تؤكده ولم تنفه. ولقد كان من الممكن نفي حدوث الخبر من الجانب الإسرائيلي، إلا أن الحكومة الإسرائيلية قد تصدت لبنيامين نتنياهو حينما صرح بأنه قد أخبر بالتخطيط للهجوم حيث أصبح أول اعتراف رسمي أو شبه رسمي، مما يعني الاعتراف بالواقعة وتأكيد صحتها، وإن كان يمكن إنكار ما أذيع من تفاصيل، خاصة ما أعلن عن عدم حدوث خسائر.

كما أكدت الولايات المتحدة الأميركية وقوع الغارة ولم تذكر تفاصيل كذلك، وأكدت التقارير أن إسرائيل أخطرت الولايات المتحدة بالعملية قبل إجرائها.

أما المصادر غير الرسمية فقد أسهب بعضها في الحديث وصور أمورا تصب في النهاية في الاعتراف بواقعة اختراق المجال الجوي السوري دون الاعتراف بأية تفاصيل أخرى.

نخلص مما سبق إلى أنه من المؤكد أن طائرات إسرائيلية مقاتلة قد انتهكت الأجواء السورية في شمال شرق سوريا، وأنها أسقطت قنابل هناك كما أسقطت خزانات وقود احتياطية في الأراضي التركية.

المشاركون في الاختراق
كثر الحديث عمن شاركوا في العمل الإسرائيلي في شمال سوريا، وما نستطيع أن نؤكد اشتراكه هو طائرات إسرائيلية قامت بإسقاط حمولتها على منطقة في شمال شرق سوريا بالقرب من الحدود السورية التركية.

وقد أفادت بعض المصادر مشاركة ما سمته قوات كوماندوز إسرائيلية أو قوات خاصة، وذهب بعضها إلى القول إنها قامت بالاختراق والعمل في سوريا قبل بدء العمل الجوي.

كما أشارت تقارير إلى دور تركي، عن طريق تزويد القوات الإسرائيلية بالمعلومات عما لدى سوريا، إلا أن المصدر يقول إن المخابرات التركية ساعدت الضربة الإسرائيلية دون موافقة القيادة السياسية التركية.

كذلك تشير تقارير غربية إلى أن إسرائيل أخطرت الولايات المتحدة بالمهمة التي قامت بها الطائرات الإسرائيلية.

الأهداف المحتملة

"
من المحتمل أن يكون الهدف اختبار التحالف السوري الإيراني وقياس رد فعل إيران على اعتداء على سوريا، بينما يذهب احتمال آخر أبعد من هذا إلى التمهيد لهجوم على إيران وأن يكون الهجوم تجربة لضربة مستقبلية ضد المنشآت النووية الإيرانية
"
تشير التقارير إلى باقة كبيرة من الاحتمالات، ويصعب القطع بأيها هو الحقيقي باعتبار أن الأمر يتوقف بدرجة كبيرة على ما توصلت إليه القيادات الإسرائيلية والأميركية من اقتناعات عما وصل إلى سوريا وما تطور بها.

وتشير هذه التقارير إلى أنه من المحتمل أن تكون العملية الإسرائيلية هي استطلاع بقوة تهدف إلى اختبار رادارات الدفاعات السورية ونظام الدفاع الجوي عموما.

وتشير تقارير أخرى إلى أنه من المحتمل أن يكون الهدف تدمير أسلحة واردة من كوريا، ويرى بعض صقور الإدارة الأميركية أن الهدف كان تدمير مشروع نووي سوري كوري شمالي مشترك، ويرى آخرون أن الهدف قد يكون تدمير شحنة أسلحة وخاصة صواريخ مرسلة إلى حزب الله من خلال سوريا، وقد يكون الهدف هو استدراج سوريا إلى معركة مدبرة بواسطة إسرائيل يمكن من خلالها إظهار ضعف النظام السوري وكشفه أمام شعبه وأمام الأمة العربية.

كذلك من المحتمل أن يكون الهدف اختبار التحالف السوري الإيراني وقياس رد فعل إيران على اعتداء على سوريا، بينما يذهب احتمال آخر إلى التمهيد لهجوم على إيران وأن يكون الهجوم تجربة لضربة مستقبلية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

وهناك من يرى أن ضمن الأهداف الإستراتيجية للضربة الجوية الإسرائيلية استعادة قدرة الردع الإسرائيلية التي اهتزت في الحرب مع لبنان.

ومن الأهداف السياسية للغارة المذكورة اختبار رد الفعل الدولي والإقليمي (التركي) والعربي حيال ضرب أهداف سورية ومن بعدها إيرانية.

الترجيحات
من المرجح أن هناك قوة خاصة إسرائيلية عملت -وربما ما زالت تعمل- في الأراضي السورية، ولا يستبعد تعاون المخابرات التركية مع الطيران الإسرائيلي دون موافقة القيادة السياسية.

ويغلب ترجيح أن العملية الإسرائيلية فشلت في تحقيق أهدافها في تدمير أهداف سورية، حيث توقفت السلطات الإسرائيلية عن تقديم أي معلومات رسمية عنها، خاصة أن سوريا قد أعلنت أن النيران الإسرائيلية لم تحدث تدميرا أو إصابات، كما قدمت شكوى إلى الأمم المتحدة عن "الانتهاك الفاضح" لفضائها الجوي.

وقد كان من المتوقع أن تكشف إسرائيل معلوماتها عن نتيجة الضربة، خاصة أن الطائرات عادة تقوم بتصوير نتائج الضربة.

كذلك فإن ما جاء في التقارير عن تعاون نووي سوري كوري شمالي يرجح أنه لم يمكن إثباته خاصة أن كلا من سوريا وكوريا الشمالية قد نفته، وشكل هذا فرصة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة لإثبات كذب التقارير السورية والكورية في حال وجود أدلة مادية على ذلك.

"
من المرجح أن العملية الإسرائيلية فشلت في تدمير أهداف سورية، حيث توقفت السلطات الإسرائيلية عن تقديم أي معلومات رسمية عنها، خاصة أن سوريا قد أعلنت أن النيران الإسرائيلية لم تحدث تدميرا أو إصابات
"
يبدو أن القول بأن القوات الخاصة الإسرائيلية استولت على مواد نووية أثناء غارتها على موقع عسكري سوري قبل أن تقصفه الطائرات غير صحيح، أو على الأقل أن المعلومات الخاصة به ما زالت غير متيسرة لدى السلطات الإسرائيلية والأميركية.

فمن المؤكد أنه يمكن للقوات الخاصة لأي جانب أن تخترق الجانب الآخر، وأن تصل إلى بعض أهدافه، وينطبق هذا على كل من القوات الإسرائيلية والسورية.

لكنه في حال وجود مواد نووية يمكن إثبات أنها جرى الاستيلاء عليها من سوريا وإثبات أن سوريا حصلت عليها من كوريا الشمالية، يكون من المهم إظهار ذلك أمام العالم على نحو ما حاولت الولايات المتحدة أن تفعله قبل العدوان على العراق.

من المؤكد أن العملية الإسرائيلية كانت تهدف ضمن أهدافها إلى الحصول على معلومات عن تطور القوة السورية، وما وصل إلى سوريا من أسلحة ومعدات من الاتحاد الروسي خاصة ما يتعلق بالدفاع الجوي باعتبار أنه يتعامل مع أهم أفرع القوات المسلحة الإسرائيلية.

لكن من المؤكد أيضا أن الهدف لم يتوقف عند الحصول على معلومات، بل كان يهدف أيضا إلى تدمير غرض ما لم يكشف عنه على وجه التأكيد، وإن كان يمكن تصور أن هناك هدفا يتعلق بالأسلحة النووية أو أسلحة تدمير شامل غالبا، ولا يعني هذا أن التصور الإسرائيلي صحيح.

ويرجح ذلك إلى أن الهدف قريب من الحدود الشمالية لسوريا أي حدودها مع تركيا، ولو كان يتعلق بحزب الله أو لبنان لكان الأغلب أنه سيكون بالقرب من الحدود السورية مع فلسطين المحتلة، لكنه قد يكون متعلقا بعلاقات سوريا مع إيران على أساس أن الحدود الشمالية الشرقية السورية قريبة من إيران.

ويرجح أن يكون من أهداف العملية الإسرائيلية استدراج سوريا إلى معركة حيث يتوقع -بعد التطورات السورية الجديدة- في حال تدمير هدف سوري مهم أن تقوم سوريا بعمل انتقامي قد يكون بإطلاق صواريخ على إسرائيل، وأن تتخذ إسرائيل هذا العمل الانتقامي ذريعة لتقوم بعملية مدبرة ضد سوريا متذرعة بالعمل الانتقامي السوري.

ومن خلال هذه العملية يمكن اختبار التعاون العسكري السوري الإيراني، وبذا تكون تجربة لعمل عسكري إسرائيلي أميركي مشترك ضد إيران.

وأيا كان هذا الهدف مقصودا أو غير مقصود فلا شك في أن إسرائيل والولايات المتحدة استفادتا من كل دروس هذه الضربة في التخطيط لضربة ضد إيران في حال حدوثها.

ومن الممكن أن تكون الضربة ضد سوريا تمهيدا لهجوم على إيران سواء من حيث التحضير أو الاقتراب من الهدف أو استخدام الأسلحة والاستفادة من مساعدات أرضية.

رغم الحديث عن استعادة إسرائيل لقدراتها الردعية فإن الواقع أن شيئا من هذا لم يحدث بدليل بقاء الأسرى الإسرائيليين في قبضة حزب الله، كما أن الموقف السوري لم يتغير بعد العملية، ولا يعتبر قبول سوريا المشاركة في المؤتمر المزمع عقده نجاحا للردع الإسرائيلي.

احتمالات المستقبل

"
الاحتمال الأكبر أن هذه العملية ستكون أساسا لعمل عسكري إسرائيلي أميركي ضد كل من إيران وسوريا وحزب الله باستغلال الموقف العربي المتخاذل إزاء العدوان الإسرائيلي على سوريا، وبتصور أن إسرائيل قد استعادت قدرتها الردعية
"
لاشك في أن هناك جانبا مخفيا من العملية، وأنه من المتوقع أن ينكشف في مستقبل ليس بعيد، والأغلب أنه سيتعلق بالقوة الخاصة التي عملت في الأراضي السورية سواء بإمكانية السلطات السورية القبض عليهم أو على بعضهم، أو بإمكانية القوة الإسرائيلية العودة إلى قواعدها في فلسطين المحتلة وهنا قد تكشف إسرائيل ما حصلت عليه من معلومات.

الاحتمال الأكبر أن هذه العملية ستكون أساسا لعمل عسكري إسرائيلي أميركي ضد كل من إيران وسوريا وحزب الله باستغلال الموقف العربي المتخاذل إزاء العدوان الإسرائيلي على سوريا، وبتصور أن إسرائيل قد استعادت قدرتها الردعية.

ويغلب على هذا العمل القيام بضربات جوية موجهة ضد أهداف معينة أساسها المنشآت النووية الإيرانية ومواقع الصواريخ السورية واللبنانية والإيرانية.

ويرجح أن تكون الضربات منفردة أي موجهة ضد بلد واحد في وقت واحد مع الاستعداد لتوسيعها ضد الباقين في حال انضمام الأطراف الأخرى.

 وتعتبر سوريا هي الهدف المباشر، بينما تكون إيران هدفا تاليا باعتبار أن حزب الله يفقد القدرة على التصرف في حال تدمير قدرات كل من سوريا وإيران.

المصدر : الجزيرة