فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


ليست ثمة "مأدبة غداء" في تاريخ العراق الحديث، يمكن تشبيهها بالمأدبة التي دعا إليها رئيس الجمهورية جلال الطالباني في منزله قبل أسابيع، وقام خلالها رئيس الوزراء نوري المالكي بالإعلان رسمياً عن تشكيل "تكتل" سياسي جديد سيقود البلاد من الآن وحتى إشعار آخر؛ سوى مأدبة الغداء الشهيرة التي دعا إليها نوري السعيد رئيس وزراء العراق صيف عام 1958، وأعلن خلالها تشكيل آخر وزارة عراقية له، قبل أن تطيح به ثورةيوليو/ تموز من العام نفسه.

الظروف هي ذاتها –تقريباً- من حيث درجة الاستعصاء في الأزمة السياسية، والجماعات الحزبية المأزومة هي نفسها من حيث درجة ولائها لسادة العراق الملكي، وهم البريطانيون آنذاك.

ولولا الكثير من التغيّرات التي طرأت على عراق ما بعد الملكية، لجاز للمرء القول، إنه العراق ذاته أيضاً، كأن شيئاً لم يتبدل قط، وكأنّا لا رحنا ولا جئنا.

المدعوون أنفسهم، والأسياد أنفسهم أيضاً. ولنتذكر أن العراق –في هذا الوقت– وحين كان الساسة في منزل نوري السعيد يتناولون الطعام وينظفون أسنانهم "بنكاشات الأسنان" كان يشهد حواراً متواصلاً حول عراق "من ثلاث ولايات".

"
لولا الكثير من التغيّرات التي طرأت على عراق ما بعد الملكية، لجاز للمرء القول إنه العراق ذاته في الخمسينيات، كأن شيئاً لم يتبدل قط، وكأنّا لا رحنا ولا جئنا
"
فما أشبه الليلة بالبارحة. على أن التاريخ، مع ذلك جرى بصورة مغايرة للأحاديث التي دارت في ذلك اليوم القائظ. وتلك كانت آخر "مأدبة غداء" يقيمها رئيس وزراء عراقي في منزله.

لقد جرت في النهر مياه كثيرة منذ ذلك الوقت، وبحيث تبدّلت بصورة مذهلة، الأدوار والشخصيات والوقائع وأساليب تنفيذ المناورات. لكن شيئاً من أخلاق البيع والشراء والتلاعب بمصائر الأوطان لا يبدو أنه تغير في عقول بعض الساسة العراقيين، وبعضهم ويا للغرابة من أحفاد وزراء العهد الملكي.

ويتذكر الكثير من العراقيين اليوم، بما يشبه استذكاراً جماعياً للصور المحزنة عن فساد الطبقة السياسية في الخمسينيات من القرن الماضي يوم كان "العراق القديم" ُيدار من السفارة البريطانية ببغداد، كيف أن مآدب الطعام كانت تتخذ طابعاً سياسياً صرفاً، لأنها المناسبة الوحيدة التي يمكن فيها جمع أكبر حشد من القوى والجماعات المتصارعة على المال والنفوذ. وطبقاً للمثل الشعبي "أطعم الفم تستحِ العين".

إن كتّاب التاريخ، يعرفون جيداً كيف أن نوري السعيد، وكلما لاح شبح سقوطه يتراقص أمام عينيه، كان يسارع إلى دعوة رجال السياسة إلى مأدبة طعام في بيته، ليخرج في الصباح التالي قائلاً: إن الأزمة في البلاد لا تقترب من لحظة الانفجار، والحكومة الجديدة سوف "تخرج الزير من البير".

وبالطبع لم يخرج أي زير من أي بئر. حتى رئيس الوزراء نفسه لم يفلت من المصير المحتوم. ومع ذلك، ثمة فارق هائل بين المأدبتين، هو الفارق عينه تقريباً بين نوري السعيد ونوري المالكي؟ فالأخير لا يشبه الباشا في أي شيء بكل يقين، لا في درجة ذكائه ولا دهائه ولا خبرته السياسية, للهم إلا في كونه يحمل الاسم الأول من الشبيه.

لقد استعاد بعض العراقيين، وهم يشاهدون ولادة تكتل رباعي جديد، واحدة من أكثر الصور إثارة للسخرية في تاريخ العراق الحديث، فلقد كانت الوزارات تتشكل أثناء التهام الطعام وتنظيف الأسنان "بالنكاشات"، بينما مسبحة نوري باشا السعيد تطقطق في الصالة وسط قهقهات الساسة المرائين الذين كانوا يدخلون في نقاشات لساعات عدة حول حصة هذا الفريق أو ذاك من الحقائب الوزارية، بينما كان العراق ينزلق إلى الهاوية وتضطرب أحواله ويعّم فيه الفساد والفقر.

اليوم، وبعد نحو خمس سنوات دامية ومرّوعة من الاحتلال الأميركي للعراق، وبينما البلاد تغطس في المغطس الرهيب للموت المجاني الأكثر فضائحية ومأسوية في التاريخ الحديث للبشرية؛ فإن أكثر الصور إثارة للفزع تبدو -بكل يقين- هي صور الساسة الجدد لا غيرهم، هؤلاء الذين برهنوا على انعدام حس مخيف؛ بل واستهتار بأرواح ومصائر الملايين من العراقيين.

ُترى ماذا يرتجي المواطن العادي من ساسة فاسدين لا يتحرّجون قط، حتى من تندّر مواطنيهم على درجة نهمهم وحجم سرقاتهم وتورطهم في أعمال قتل إجرامية؟.

وفي هذا البلد التعيس حيث تبدو الطبقة السياسية -بكل ما قيل ويقال عن فسادها المالي والإداري وبكل ما يتلازم مع هذا الفساد من مظاهر فوضى سياسية وأمنية- وكأنها قررت أن تسترد من الماضي صورتها القديمة في العراق الملكي، وأن تستعيد من خلالها "تقاليد" تشكيل التحالفات السياسية خلال فترة تنظيف الأسنان من بقايا الطعام؛ فإن الصور الساخرة التي ما برح العراقيون ينتجونها عنها، تكاد تتضمن ما يكفي من الشعور بدرجة الانهيار السياسي والأخلاقي.

"
مصير العراق بأسره بات رهناً بنوع الصفقات التي ينخرط فيها الساسة، كما لو أنهم "رجال أعمال" تلاقوا على مائدة طعام، وعليهم أن يديروا حديثاً سياسياً بلغة الصفقات المالية
"
ذلك أن مصير العراق بأسره بات رهناً بنوع الصفقات التي ينخرط فيها الساسة، كما لو أنهم "رجال أعمال" تلاقوا على مائدة طعام، وعليهم أن يديروا حديثاً سياسياً بلغة الصفقات المالية.

إن حكومة نوري المالكي التي تواجه استحقاق الانهيار المحتوم للعملية السياسية، لا تكاد تجد مناصاً من أن تتوجه بكل قواها نحو "إعادة إنتاج" الأزمة. وربما لهذا الغرض وحده أظهر المالكي ومن ورائه إيران وقوى الائتلاف الشيعي/الكردي، ما يكفي من الانسجام والتوافق على حل ينفرد فيه الشيعة والأكراد، عمن يزعمون أنهم "ممثلو السنة".

لقد قرر الرباعي الجديد أن يترك جبهة التوافق، بكل أوهامها عن "تمثيلها للسنة" تتخبط وحدها في الظلام. ولذلك أوفدت الجبهة طارق الهاشمي إلى أنقرة من أجل تشجيعها على الدخول العلني في قلب الأزمة العراقية.

وأنقرة التي تشعر بالقلق من محاولات الأميركيين تقسيم العراق إلى ثلاث "ولايات" قبل رحيلهم، أسمعت الهاشمي كلاماً على لسان وزير الخارجية وقتها عبد الله غل، عبرت فيه عن رفضها لفكرة التقسيم لأي سبب.

وفي هذا النطاق ينبغي أن يُلاحظ، أن الأميركيين لا يبدون ساخطين على خطوة الرباعية العراقية، فهي على الأقل تتيح لهم فرصة رؤية عراق يتقاسمه الشيعة والأكراد، بينما يجري الدفع بالسّنة، وبحكم الأمر الواقع المفروض في آخر المطاف، نحو المطالبة "بحصتهم من العراق الفيدرالي" بدلاً من المطالبة بتحرر العراق. ولم لا وهي "مأدبة غداء" من أجل تقاسم الطعام؟.

وبهذا المعنى؛ فإن التحالف الرباعي هو مناورة داخلية قام بها فريق من داخل الائتلاف الحاكم، غرضها إحراج طرف آخر أصبح "مزعجاً" بصورة لا تطاق.

ولذلك لا يبدو التحالف الذي انبثق خلال مأدبة الطعام في منزل الطالباني، سوى المحاولة الأخيرة لتفادي خطر السقوط المحتوم عن طريق تسريع وتيرة تقاسم العراق ونهبه بالجملة، بعدما كان ينهب طوال السنوات الخمس الماضية بالمفرق.

وكما يقال عادة، فليس ثمة ما هو أدّل على النوايا الحقيقية من إظهار شيء وإبطان شيء آخر. فرئيس الحكومة وهو يبرم اتفاق المحاصّة الجديدة، لا يزال يتشدق بالحديث عن "مصالحة وطنية" وشيكة، وعن حرص حكومته بوصفها "حكومة وحدة وطنية" على أن تكون ممثلة لكل "مكونات الشعب العراق".

وهذا التعبير بالمناسبة من أسخف التعبيرات السياسية، وأكثرها استهتاراً بمشاعر العراقيين، فهم في النهاية ليسوا سوى "مكونات" قابلة لأن يجري التخلص من أي مكون منها، في حال ضاق الآخرون به ذرعاً. تماماً كما تخلص الطالباني والمالكي من الدليمي وحرماه من دعوة الغداء. إنه "مكوّن" زائد من "مكونات" يمكن تكييفها وتطويعها حسب الحاجة.

وفي حين يخرج رئيس الجمهورية ليعلن -في كل مرة وبمناسبة أو دونها- عن قرب الشروع في "حوار مع مسلحين" وعن توسيع نطاق المشاركة؛ فإن مجرد الإعلان عن قيام تكتل حاكم، ليس هو في النهاية سوى التكتل الرباعي القديم نفسه الذي هيمن على الحياة السياسية وقام بتهميش حلفائه "السنة"؛ سوف ينسف من الأساس كل المزاعم والهرطقات السياسية عن الوحدة الوطنية.

"
تتردد معلومات موثقة عن خطة أميركية  جديدة تقضي بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق "حكم ذاتي"، والخطوة الأولى في مشروع التقسيم بدأت بإعلان التحالف الرباعي الذي سوف يفرض على السنة إما الانضمام إلى "حفلة تقسيم العراق" أو قبول "بديل سني" مستعد للانخراط في العملية
"
ولذلك جاء الإعلان المفاجئ عن عقد اللقاء الرباعي، والإصرار على استبعاد كل القوى الأخرى بما فيها جبهة التوافق بقيادة الدليمي، والقائمة العراقية بقيادة علاوي، حتى من مجرد الدعوة إلى حضور حفلة الغداء، ومن ثم الاتفاق على تشكيل تحالف جديد ليدعم الحقيقة القائلة إن التحالف الشيعي/الكردي قرر "احتكار" لا السلطة وحدها؛ بل كل العملية السياسية.

لشّدة ما يبدو الحديث عن العراق، وعن تقاسم السلطة فيه أثناء التهام الطعام، كما لو كان –رمزياً- نوعاً من التهام للعراق نفسه، فإن شعور العراقيين بأن بلادهم تؤكل على موائد اللئام منذ نحو خمس سنوات وبصورة وحشية لا رحمة فيها، بينما تجري من حوله المساومات الخسيسة ويصبح الساسة فيه أكثر فأكثر، كما لو كانوا تجاراً محترفين في سوق نخاسة عالمي، إنما هو الشعور الوحيد الأكثر صدقاً وتعبيراًُ عن درجة الانحطاط والمأساة.

وفي هذا السياق تتردد معلومات موثقة عن خطة أميركية تتزامن مع الانسحاب الأميركي، تقضي بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق "حكم ذاتي" وأن الخطوة الأولى في مشروع التقسيم بدأت بإعلان التحالف الرباعي الذي سوف يفرض على من يزعمون أنهم "ممثلو السنة" عاجلاً أم آجلاً، اختيار واحد من حلين إما الانضمام إلى "حفلة تقسيم العراق" أو قبول "بديل سني" مستعد للانخراط في العملية.

ولعل تلميح رئيس الوزراء إلى إمكانية استبدال وزراء التوافق بوزراء من عشائر الأنبار هو مجرد تلميح إلى وجود "خطة" أوسع نطاقاً قد تقضي بزج جماعات جديدة "تزعم أنها ممثلة للسنة" وهي طامعة ومستعدة لمشاركة الشيعة والأكراد في التهام كعكة العراق على مائدة الطالباني.

يتبقى أمر أخير يجدر الانتباه إليه، فالتحالف الرباعي الذي هو نسخة عراقية من الرباعيات التي خلقتها الولايات المتحدة مؤخراً -مثل الرباعية العربية والرباعية الأوروبية- ليس أكثر من أداة لإدارة الأزمة. وهذا يعني أن العراق قد وضع -في هذه اللحظات العصيبة من التاريخ- فوق مائدة الطعام. لا أكثر ولا أقل.

حقاً، في العراق الجديد كل شيء يبدو غريباً ومثيراً حتى مآدب الطعام. فالبعض مثل "جبهة التوافق" يمكن أن يخرج من "المولد بلا حمص".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك