ممدوح الولي

أسباب ترك الدولار يتراجع
الانخفاض زاد التضخم بالخليج
تراجع الاحتياطات بالدولار
اتساع الآثار السلبية عالميا
خفض حقيقي لأسعار النفط

تراجع سعر صرف الدولار الأميركي تجاه اليورو بنسبة 31.1% في الفترة منذ صدور اليورو عام 1999 وحتى نهاية العام الماضي, وواصل الدولار هبوطه أمام اليورو خلال العام الحالي وحتى أواخر سبتمبر/أيلول بتراجع 7.9%.

كما هبط سعر صرف الدولار إزاء الجنيه الإسترليني بنسبة 31.6% ما بين عامي 2000 و2006. وواصل هبوطه خلال العام الحالي وحتى سبتمبر/أيلول بتراجع 4.2%.

وانخفض الدولار أمام الين الياباني ما بين عام 1995 وحتى يونيو/حزيران من العام الحالي بتراجع 19.8% . كما تراجع الدولار الأميركي أمام الدولار الأسترالي بنسبة 13% ما بين 1995 ويونيو/حزيران من العام الحالي. وتراجع الدولار الأميركي أمام الدولار الكندي ما بين عام 2000 ويونيو/حزيران من العام الحالي بنسبة 29.1%.

كما انخفض سعر صرف الدولار الأميركي أمام سلة من ست عملات رئيسية لأقل مستوى له خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة ليصل مؤشر الدولار 77.93 أواخر سبتمبر/أيلول.

إلا أنه من الواضح أن هذا الانخفاض لسعر الصرف يتم تحت سيطرة الإدارة الأميركية التي تدرك أن هناك حدا أدنى للخفض بحيث لا تتم الإساءة إلى مكانة الدولار كمهيمن مصرفي دولي، وبحيث توظف الولايات المتحدة هذا الانخفاض لتحقيق مصالحها.

وتعود الأسباب الجوهرية لانخفاض الدولار إلى معاناة الاقتصاد الأميركي من عجز مزمن بالميزان التجاري والذي بلغ العام الماضي 832 مليار دولار.

"
انخفاض سعر الدولار يتم تحت سيطرة الإدارة الأميركية التي تدرك بأن هناك حدا أدنى للخفض بحيث لا تتم الإساءة إلى مكانة الدولار كمهيمن مصرفي دولي وبحيث توظف أميركا هذا الانخفاض لتحقيق مصالحها
"
وأسفرت محصلة العجز المزمن بكل من الميزان التجاري وميزان التحويلات وميزان الدخل والفائض المحدود بالميزان الخدمي العام الماضي عن وجود عجز بميزان المعاملات الجارية الأميركي بلغ 857 مليار دولار. ومن هنا كان لابد من اللجوء إلى الاستثمارات الأجنبية بنوعيها المباشرة وغير المباشرة لسد تلك الفجوة.

وهناك عجز أميركي آخر تمثل في العجز المستمر منذ خمس سنوات بالموازنة الأميركية بعد أن كانت تحقق فائضا حتى عام 2001.

وبلغت قيمة العجز بالموازنة خلال العام الماضي 209.3 مليار دولار بنسبة 1.6% من الناتج المحلى الأميركي.

ويتوقع بلوغ العجز بالموازنة الأميركية خلال العام الحالي نحو مئتي مليار دولار. ولا يتوقع الخروج من حالة العجز بالموازنة قبل عام 2012 خاصة مع الاتجاه لخفض الضرائب واستمرار الإنفاق العسكري بالعراق وأفغانستان.

أسباب ترك الدولار يتراجع
ولعل من أهم أسباب ترك الإدارة الأميركية سعر صرف الدولار ينخفض أمام العملات الرئيسية الأخرى أو ما يسمى بالدولار الضعيف, هي محاولة تشجيع الصادرات الأميركية للنفاذ إلى الأسواق العالمية نتيجة رخص سعر المنتجات الأميركية, وزيادة كلفة الواردات إلى السوق الأميركي وبالتالي تقليل العجز التجارى المتزايد خاصة مع دول آسيا: اليابان والصين وكوريا.

فالصين تحقق فائضا كبيرا في تجارتها مع الولايات المتحدة بلغ 232.5 مليار دولار العام الماضي مقابل 202 مليار دولار العام الأسبق و140 مليارا عام 2004.

كما تتسبب سلعها الرخيصة بالسوق الأميركية في فقد مئات الآلاف من الوظائف بالاقتصاد الأميركي. كذلك بلغ الفائض التجاري لليابان مع الولايات المتحدة 76.8 مليار دولار العام الماضي.

ولقد أشار رئيس مجلس الاحتياط الفدرالي الأميركي بن برنانكي إلى عامل آخر لتراجع الدولار عندما ذكر أن التباطؤ الذي يشهده سوق الرهن العقاري الأميركي قد يستمر فترة أطول من المتوقع مما كبد الدولار خسائر إضافية أمام العملات الأخرى.

كذلك ساهمت أرقام التضخم التى زادت عن التوقعات في انخفاض الدولار. كذلك تراجع أرقام الوظائف بنحو أربعة آلاف وظيفة خلال شهر أغسطس/آب الماضي.

"
التباطؤ الذي يشهده سوق الرهن العقاري الأميركي قد يستمر فترة أطول من المتوقع مما كبد الدولار خسائر إضافية أمام العملات الأخرى
"
وإذا كان انخفاض الدولار يؤدى لزيادة الصادرات الأميركية ويقلل القيمة الفعلية للديون الخارجية الأميركية. فإن انخفاض الدولار قد يؤدى في نفس الوقت إلى هروب رؤوس الأموال القادمة إلى أميركا. ويساعد على تسرب رؤوس الأموال للخارج وتراجع أسعار السندات والأسهم. كما أن ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة قد يؤدى إلى التضخم.

لهذا فقد لجأت الولايات المتحدة مسبقا إلى رفع سعر الفائدة على الدولار 17 مرة منذ منتصف 2004 وحتى منتصف 2006 لتصل إلى 5.25% في يونيو/حزيران من العام الماضي لتشجيع قدوم الودائع الأجنبية إلى السوق الأميركية لمعالجة فجوة الادخار الموجودة.

ففي العام الماضي بلغت نسبة الادخار للناتج المحلى الإجمالي الأميركي 13.7% بينما كانت نسبة الاستثمارات للناتج 20%. إلا أن رفع الفائدة على الدولار يؤدي إلى رفع تكلفة الاقتراض مما يبطئ الإنفاق الاستهلاكي وإنفاق الشركات ويضر بفرص انتعاش سوق العقارات وبالتالي يقلص النمو الاقتصادي.

وكان معدل النمو الاقتصادي قد تراجع إلى 0.6% خلال الربع الأول من العام الحالي مما ساهم في تراجع الدولار أمام العملات الأخرى بعد أن بلغت نسبة النمو 3.3% خلال العام الماضي. وإذا كان معدل النمو الأميركي قد بلغ 3.8% خلال الربع الثاني من العام الحالي إلا أن صندوق النقد يتوقع بلوغ نسبة النمو خلال العام الحالي 2% فقط.

وتسببت مشكلة تعثر المقترضين الأميركيين عن سداد قروض الرهن العقاري عالية المخاطر في توقع حدوث كساد بالاقتصاد خاصة مع حدوث إضطرابات بالأسواق المالية الأميركية. والتي انتقلت عدواها إلى الأسواق المالية الأوروبية والآسيوية واليابانية، مما دفع البنوك المركزية في العديد من البلدان لضخ سيولة بالأسواق لتهدئتها. إلا أن ذلك لم يفلح في استقرار الأسواق.

وقد دعا هذا البنك المركزي الأميركي لتوجيه رسالة لتهدئة الأسواق وطمأنتها من خلال خفض الفائدة على الأموال لمدة ليلة بنحو نصف درجة مئوية في الثامن عشر من سبتمبر/أيلول الماضي. إلى جانب خفض سعر الخصم على القروض التي يمنحها مجلس الاحتياط الفدرالي على القروض المباشرة للبنوك بنصف درجة مئوية إلى 5.25% وهو ما يعد ثاني خفض لهذا المعدل خلال شهر.

إلا أن خفض الفائدة على الدولار يضر بالاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة مثلما حدث مع خفض الفائدة بداية من عام 2000 وتحول ميزان الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأميركي بعدها من تحقيق فائض إلى تحقيق عجز بداية من عام 2002 واستمر حتى العام الماضي.

الانخفاض زاد التضخم بالخليج
أما عن أثر انخفاض سعر صرف الدولار عربيا فيوضحها قرار البنك المركزي الكويتي في العشرين من مايو/آيار من العام الحالي بالتخلي عن الارتباط بالدولار والتحول إلى اتخاذ سلة من العملات.

"
انخفاض سعر الدولار كانت له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الكويتي كما ساهم في تراجع القوة الشرائية للدينار الكويتي مما ساهم في زيادة معدلات التضخم المحلية, وهو ما حدث أيضا في الإمارات وقطر والسعودية وسلطنة عمان
"
مبررا بأن انخفاض سعر صرف الدولار كانت له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الكويتي كما ساهم في تراجع القوة الشرائية للدينار الكويتي مقابل العملات الرئيسية باستثناء الدولار مما ساهم في زيادة معدلات التضخم المحلية.

وهو ما تكرر في ارتفاع التضخم في الإمارات وقطر والسعودية وسلطنة عمان. مع بقاء خمس دول خليجية تثبت أسعار صرف عملاتها بالدولار, وإزاء ذلك سعت دول الخليج إلى تنويع احتياطياتها واستثماراتها بعملات أخرى لاسيما اليورو.

ولقد أشار صندوق النقد العربي إلى أن الواردات العربية من دول الاتحاد الأوروبي قد بلغت نسبتها 43.6% من إجمالي الواردات العربية خلال عام 2005، في حين بلغت نسبة الواردات من الولايات المتحدة 9.7% فقط .

كما لاحظ البنك الاستثماري ميريل لينش قيام العديد من المستثمرين الخليجيين من مؤسسات وأفراد بزيادة معدلات تحويل جزء من محافظهم الاستثمارية المقومة بالدولار الأميركي إلى عملات أخرى وخاصة اليورو والجنيه الإسترليني. إلى جانب اتجاه المزيد من ثروات منطقة الشرق الأوسط إلى الاستثمار في آسيا بداية من العقارات والأسهم وصفقات التملك.

تراجع الاحتياطات بالدولار
وحدث ذلك لأن انخفاض الدولار يؤثر على الدول التي لديها احتياطات دولارية ضخمة, وبالتالي كان رد فعل عدد من البلدان إزاء انخفاض قيمة الدولار تقليل نسبة تواجده في احتياطياتها حتى أن حصة العملة الأميركية من مجمل الاحتياطيات الدولية قد هبطت إلى أدنى مستوياتها خلال العشر سنوات الأخيرة لتصل إلى 64.2% من إجمالي الاحتياطات بالربع الأول من العام الحالي مقابل 64.6% بالربع الأول من العام الماضي.

وعلى الجانب الآخر ارتفعت حصة اليورو من تلك الاحتياطات إلى 26.1% مقابل 25.9% إلى جانب نصيب قليل لكل من الجنيه الإسترليني والين الياباني.

وأعلن البنك المركزي الروسي في يونيو/حزيران من العام الماضي أنه قلص احتياطياته من العملات الأجنبية بالدولار إلى 50% بعد أن كانت نسبته 75% من الاحتياطي.

اتساع الآثار السلبية عالميا
ولأن مكاسب اليورو أمام الدولار يمكن أن تعوق النمو الاقتصادي بمنطقة اليورو فقد قال وزير المال الفرنسي إريك وورث إنه يجب عمل كل شيء ممكن لمنع اليورو من الارتفاع في شكل أكبر أمام الدولار.

وإذا كانت دول أوروبا تستفيد من تراجع الدولار في خفض كلفة النفط الذى تجاوز الثمانين دولارا للبرميل في سبتمبر/أيلول وكذلك بالنسبة لأسعار ما تستورده من معادن، فإنه يؤثر سلبيا على صادراتها التي تصبح أعلى سعرا عند دخولها الأسواق الأميركية.

ويزداد الأثر السلبي في بلد مثل ألمانيا التي تصل نسبة صادراتها إلى حوالي 50% من ناتجها المحلي الإجمالي.

ودفع هذا الأمر العديد من الشركات الأوروبية الكبرى مثل بى إم دبليو وفولكسفاغن وجلاكسو سميث كلاين للأدوية إلى اتخاذ أساليب للحماية من تقلبات أسعار الصرف بإنشاء مصانع إنتاجية حول العالم.

حيث ذكرت شركة إيرباص الأوروبية أنها تخسر مليار يورو في كل مرة يتراجع فيها الدولار أمام اليورو عشرة سنتات. كما أن السياح الأميركيين يشكلون الحصة الأكبر من السياح الأجانب في أوروبا ومن هنا فإن بطء الاقتصاد الأميركي يعني قلة عدد السياح الأميركيين القادمين إلى أوروبا.

نموذج آخر يمثله قطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي الذي تضرر من ارتفاع قيمة العملة المحلية الروبية أمام الدولار الأميركي مما زاد من الصعوبات أمامها لدخول السوق الأميركية التي تعد السوق الرئيسية لها، كما أدى ذلك لتراجع قيمة أسهم تلك الشركات الهندية, حيث تراجعت قيمة الدولار تجاه الروبية الهندية بنسبة 25.8% ما بين عامي1995 و2006.

خفض حقيقي لأسعار النفط

"
الدولار يظل مؤثرا بالأسواق الدولية خاصة وأنه يمثل نحو ثلثي الاحتياطات الدولية و80% من مبادلات سعر الصرف كما أن نصف الصادرات العالمية يتم دفع قيمتها بالدولار
"
وفيما يخص أثر انخفاض الدولار على قطاع النفط فقد أشار تقرير منظمة أوبك لشهر يوليو/تموز 2007 أنه بالرغم من تسجيل أسعار النفط أسعارا قياسية في يونيو/حزيران من العام الحالي فإنه عند احتساب معدلات التضخم والتغير في أسعار الصرف العالمي فإن أسعار النفط الحقيقية قد انخفضت بمقارنتها بأسعار العام الماضي.

فإذا كان متوسط سعر البرميل قد زاد إلى 66.76 دولارا للبرميل في يونيو/حزيران مقابل 64.36 دولارا في مايو/أيار بنمو 3.7%. إلا أن الأسعار الحقيقية بعد احتساب التضخم وأسعار الصرف قد أشارت إلى ارتفاع متوسط سعر البرميل إلى 43.6 دولارا للبرميل خلال يونيو/حزيران وهو سعر أقل مما كان عليه البرميل خلال نفس الشهر من العام الماضي حينما بلغ 44.3 دولارا للبرميل.

والمعروف أن سوق الذهب تستفيد من انخفاض الدولار بارتفاع أسعار الذهب في محاولة من المتعاملين للحفاظ على القيمة الحقيقية للذهب. وساعد على ارتفاع أسعار الذهب كذلك تراجع الإنتاج العالمي له.

وهكذا يظل الدولار مؤثرا بالأسواق الدولية خاصة وأنه يمثل نحو ثلثي الاحتياطيات الدولية و80% من مبادلات سعر الصرف كما أن نصف الصادرات العالمية يتم دفع قيمتها بالدولار.
ــــــــــــــ
كاتب مصري 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك