الطيب بوعزة

كاتب مغربي

إن الصراع الدولي اليوم ليس فقط صراع هيمنة بالقوة العسكرية والاقتصادية، بل هو أيضا صراع أفكار وأنساق ثقافية يراد لبعضها أن يُعَوْلَمَ ويَسود، ولبعضها الآخر أن يُمْحى ويَزول.

والجريمة الكبرى التي تمارس اليوم هي هذا التنميط الثقافي الممارس من قبل الغرب، الذي رغم لغطه الكثير وتشدقه بعبارات احترام التعددية والاختلاف، يعمل بمختلف الوسائل، سواء بالترغيب أو بالإلزام، على جعل نسقه الثقافي مطلقا كونيا!

لاختصار المسألة ومقاربتها بمثال إيضاحي نستحضر واقع التعدد اللغوي، وما يشهده من اختلالات تؤكد وجود إرادة مقصودة للهيمنة اللغوية.

"
هناك إرادة مقصودة للهيمنة اللغوية, وهذا النوع من الهيمنة ليس مجرد تمدد لسني بل هو تمدد ثقافي أيضا، لأن الأنساق اللغوية ليست مجرد دوال لفظية للاستعمال، بل هي رموز مثقلة بالدلالات الثقافية
"
ومعلوم أن هذا النوع من الهيمنة ليس مجرد تمدد لسني بل هو تمدد ثقافي أيضا، لأن الأنساق اللغوية ليست مجرد دوال لفظية للاستعمال، بل هي رموز مثقلة بالدلالات الثقافية.

وهذا ما تؤكده الملاحظات الأنثروبولوجية حتى على مستوى الإطار الجغرافي المحدود والمتقارب، فالباحث الأنثروبولوجي مايكل كاريذرس يقول في هذا السياق "في جزيرة غينيا الجديدة وحدها 700 لغة، ومن ثم هناك بالمقابل 700 شكل مختلف من أشكال الثقافة والمجتمع".

وتأسيسا على ما سبق، وإبرازا لخطر التنميط المهدد لواقع التعدد الثقافي يكفي أن نستحضر هنا إحصائيات اليونسكو حول الواقع اللغوي، إذ تشير تلك الإحصائيات إلى وجود حوالي 6000 لغة، لكن المفارقة أن 96% من سكان العالم يتحدثون 4% فقط من تلك الآلاف من اللغات!

وتؤكد الإحصائيات أن 90% من لغات العالم غير موجودة على مستوى الإنترنت. وعلى مستوى الاستعمال والتداول اللسني الواقعي ثمة مئات من اللغات في طور الانقراض الفعلي!

في هذا السياق يغدو الدفاع عن التعددية الثقافية مطلبا أساسيا للبشرية جمعاء، لا بد من الدفاع عنه سياسيا وفكريا. وهذا راجع إلى قيمة المكون الثقافي وأهميته في بناء الإنسان والمجتمع:

فالثقافة هي الإطار الرمزي الحامل للمحدد العقدي والقيمي للوعي الجمعي، حيث تشكل مرجعية للتفكير وقيمة معيارية ناظمة للسلوك داخل المجتمع المنتهج لها، وبوصفها كذلك يصح القول: لا شيء ينفلت من المحدد الثقافي.

ولعله من قبيل تكرار البداهات أن نشير إلى أن الثقافات تتنوع وتختلف من إطار مجتمعي إلى آخر، وبفعل هذا التنوع تختلف الرؤى والأذواق، ومن ثم لا مجال لبناء رؤية موضوعية تجاه الثقافات التي نختلف معها، فكل حكم ثقافي هو، بفعل كونه يعكس الخصوصية الثقافية، حكم نسبي. وينبغي الوعي بنسبيته حتى لا نقع في وهم الإطلاق.

وبسب اختلاف الرؤى والأذواق الثقافية، من الطبيعي أن يستشعر كل مجتمع الاعتزاز بثقافته واستهجان ثقافة الآخر. بيد أن الاعتزاز بالانتماء الثقافي إن كان يعكس شعورا طبيعيا ومبررا ، فإن له سلبيتين رئيستين لا بد من التنبيه إليهما:

"
الثقافات تتنوع وتختلف من إطار مجتمعي إلى آخر، وبفعل هذا التنوع تختلف الرؤى والأذواق، ومن ثم لا مجال لبناء رؤية موضوعية تجاه الثقافات التي نختلف معها، فكل حكم ثقافي هو، بفعل كونه يعكس الخصوصية الثقافية، حكم نسبي
"
الأولى وهي أن الاعتزاز الوجداني بالذات الثقافية يؤدي أحيانا كثيرة إلى بناء حاجز نفسي يمنع حسن الإفادة من الثقافات الأخرى، إذ يوقع المنتمي إليه في التقوقع والتمركز حول الذات، فيصنع له "غيتو ثقافيا" ينكمش خلف أسواره.

والسلبية الثانية تتجسد عندما يمتلك ذلك الوجدان القوة المادية التي تمكنه من الهيمنة، حيث يسعى نحو إلزام الآخر ومحو ثقافته، أو على الأقل تهميشها.

وهذان المزلقان السلبيان حكما كثيرا من عهود التفاعل بين الشعوب في الماضي، مثلما يحكم واقعنا الحاضر أيضا. بيد أن الفارق اليوم هو أننا نشهد، بفعل تطور تقنيات الاتصال، تحولا جذريا في واقع الاتصال بين الأنساق الثقافية، ففي زمن "نهاية الجغرافيا" حيث زال حاجز التضاريس، أصبح التقاء الثقافات وانتقال مضموناتها أمرا أكثر حدوثا ووقوعا.

وإذا قلنا من قبل إن الاعتزاز بالذات الثقافية والنزوع نحو تهميش الثقافات الأخرى أمر يلازم كل ثقافة، فإن حاضرنا السياسي يشير إلى أن الثقافة التي تمتلك القوة والهيمنة اليوم هي الثقافة الغربية، وهي إضافة إلى هذه القوة لها ذاكرة فلسفية وتاريخية سيئة في معاملة الاختلاف الثقافي، على عكس ما هو شائع ومكرور في كثير من الكتابات المنبهرة بالتجربة الحضارية الغربية.

إذ منذ ماضيها اليوناني تنظر إلى ذاتها مركزا، وإلى غيرها هامشا للاسترقاق والاستعمال، وترى في رؤى الآخر وأفكاره مجرد "بربرية" تستحق المحو والإزالة أو على الأقل الاستهجان والتهميش.

ولا تزال هذه الرؤية حاضرة في الوعي الغربي وناظمة لسلوكه في التعامل مع الآخر. وهي لا تحكم المواقع السياسية وحسب، بل تحكم أيضا الكثير من المواقع الفكرية.

بل لعل الصحيح هو القول إن هذه المواقع الفكرية هي التي أسست نظريا لتلك المواقف السياسية ونظمت توجهاتها العامة. فالرؤية الاستعلائية العرقية التي بلورها من قبل جوبينو وإرنست رينان نجدها حاضرة في السياسة الاستعمارية وناظمة لمواقفها ومبررة لأعمال الإبادة والمحو الثقافي التي قام بها الاستعمار الغربي.

وفي ظل ثورة تقنية الاتصال -هذه التي نعيش تحت تأثيرها- يبدو أن البشرية مقبلة على تحولات نوعية على مستوى أنماطها الثقافية.

"
النظر في واقع السياسة الثقافية السائدة على المستوى الدولي لا بد أن ينتهي إلى أن التوجه المهيمن هو تنميط الأرض بنمط ثقافي أحادي! وهذا الوضع يستوجب التنبيه إلى خطورته
"
والسؤال الذي يطرح اليوم بإلحاح هو: هل سيؤدي هذا الوضع الجديد –أي وضع القرية الكونية، أو لنقل على نحو أكثر تعبيرا عن واقع الاقتراب والتداخل، وضع المسكن المشترك- إلى تنميط حياة الشعوب بنمط ثقافي واحد؟ أم أن التعدد الثقافي حتمية لا سبيل إلى محوها، وإن تم تهديدها والتقليل منها؟

إن النظر في واقع السياسة الثقافية السائدة على المستوى الدولي لا بد أن ينتهي إلى أن التوجه المهيمن هو تنميط الأرض بنمط ثقافي أحادي! وهذا الوضع يستوجب التنبيه إلى خطورته، والتأكيد على أن الإرث الثقافي واللغوي لجميع الشعوب هو ثروة إنسانية يجب الحفاظ عليها والتمكين لاستمرارها، وأن عولمة ثقافة واحدة هو سقوط في إفقار البشرية وإفلاسها.

وإنه لأمر دال جدا أن الحضارة الإسلامية وقت ريادتها وعالميتها كانت رغم ارتكازها على مرجعية الوحي تعمل على الحفاظ على الاختلاف العقدي والقيمي، حيث لم تعط لنفسها الحق لمحو الخصوصيات الثقافية.

بل كان المد الإسلامي موجها بمبدأ المحافظة على حرية الاعتقاد وعدم إكراه الآخر على تبديل معتقداته وقيمه ومُثله. وفي ذلك درس مهم ينبغي التذكير به والوعي بقيمته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك