إبراهيم علوش

من المسؤول عن ارتفاع الأسعار؟
المقالات الإنجليزية والأخرى العربية

بعد هبوطها إلى ما دون خمسين دولارا للبرميل في بدايات شتاء عام 2007، شهدت أسعار النفط ارتفاعا قياسيا في نهاية صيف 2007 وصل في النصف الثاني من شهر أكتوبر/تشرين الأول إلى ما يزيد عن تسعين دولارا للبرميل.

وكانت أسعار النفط قد شهدت صعودا مضطردا من أكثر من ثلاثين دولارا للبرميل في بداية عام 2004 إلى ذروة لامست سعر الثمانين دولارا للبرميل في أواسط عام 2006.

وقد عادت أسعار النفط للانخفاض تدريجيا بعدها، عبر مسارٍ لا يخلو من التقلبات والتذبذب، لتعود للارتفاع في بداية صيف 2007، ومن ثم للانخفاض قليلا لأقل من سبعين دولارا للبرميل في أواسط شهر أغسطس/آب 2007، لتنطلق كالصاروخ بعدها إلى مستويات قياسية في نهايات أكتوبر/تشرين الأول.

ومع تزايد سعر النفط، تأثر المستوى المعيشي للمواطنين سلبا في الدول غير المنتجة للنفط، خاصة في الدول النامية أو الفقيرة، وازدادت كلفة المواصلات والإنتاج الصناعي في الدول الصناعية، مما قلل هامش الربح للشركات غير النفطية، وحول جزءا غير يسير من عوائد النمو الاقتصادي العالمي للدول المنتجة للنفط.

وقد أدى هذا لزيادة القلق على استقرار الاقتصاد العالمي وقدرته على الاستمرار في النمو، إن خرجت الزيادة في أسعار النفط عن السيطرة، وفقد الاقتصاد العالمي قدرته على إنتاج الوظائف والدخل والأرباح فيما تتصاعد أرباح الشركات النفطية في الغرب بشكل خيالي.

من المسؤول عن ارتفاع الأسعار؟

"
الدول الأعضاء في أوبك لا يصلها إلا 13.38% في أحسن الحالات من السعر النهائي للبنزين في الدول المستوردة للنفط، أما الباقي فيذهب لغير الدول المنتجة للنفط
"
يذكر تقرير للجزيرة نت في 14/9/2007 بعنوان "من المستفيد من ارتفاع سعر النفط؟"، نقلا عن دراسة أكاديمية أميركية، أن الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) لا يصلها إلا 13.38% في أحسن الحالات من السعر النهائي للبنزين في الدول المستوردة للنفط، "أما الباقي فهو ضرائب حكومية، ومكاسب تجنيها مصانع التكرير (في دول الغرب غالبا) وشركات النقل وتجار الجملة والتجزئة"، أي أن معظم الزيادة في سعر البنزين مثلا تذهب لغير الدول المنتجة للنفط!

وهذه المعلومة مهمة. ففي ظل التزايد المتصاعد لأسعار الطاقة، تتبادل الدول المنتجة والدول المستهلكة للنفط الاتهامات بشأن هوية المسؤول عن الارتفاع الحالي لأسعار النفط.

فدول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD)، وهي ثلة الدول الصناعية المتقدمة، الأكثر استهلاكا للنفط العالمي طبعا، ما برحت تصب جام غضبها على أوبك باعتبارها كارتلا. واحتكار قلة، كما يقال في علم الاقتصاد، يهيمن على السوق النفطي العالمي ويحبس الإنتاج لكي يرفع سعر برميل النفط.

ومن هنا جاءت مناقشة خطة في مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين مرارا، آخرها في بداية صيف 2007، لمحاكمة دول منظمة أوبك بتهمة الاحتكار والتلاعب بالأسعار.

وتجد الكتاب ومراكز الدراسات والأبحاث في الدول الغربية يفسرون ارتفاع سعر النفط على المدى الطويل بالبنية الاحتكارية للسوق (أي بوجود أوبك)، ويفسرون تذبذبات المدى القصير بالعوامل العرضية الطبيعية أو السياسية، مثل الأعاصير التي تضرب السواحل في مناطق إنتاج النفط، أو ارتفاع درجة الحرارة نسبيا في شتاء عام 2007 مما قلل الطلب على النفط وبالتالي قلل من سعره، أو مثل التوتر مع إيران وفي أماكن مختلفة من العالم مما صنع توقعات حول إمكانية انقطاع إمدادات النفط وأدى بالتالي إلى ارتفاع سعره حاليا وفي العقود الآجلة.

والحقيقة أن دول أوبك تقف على 75% من احتياطي النفط العالمي المعروف، ولكنها تنتج فقط 40% من النفط العالمي، أي أنها تنتج أقل من طاقتها القصوى، وينتج الباقي دول نفطية غير أعضاء في أوبك مثل الولايات المتحدة نفسها وكندا والنرويج وبريطانيا والمكسيك والصين وروسيا وكزاخستان، مع العلم أن كلفة الإنتاج لديها أعلى منها لدى دول أوبك.

"
إن كانت دول أوبك ذات احتكار للباعة يسيطر على حوالي 40% من السوق، فإنها تقف في مواجهة احتكار آخر للمشترين -منظمة دول التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD)- يبتاع أكثر بكثير من 40% من النفط العالمي
"
ولكن الولايات المتحدة، وقد كانت ثالث أكبر منتج للنفط العالمي عام 2004 مثلا، هي أكبر مستورد للنفط في العالم أيضا بسبب الكميات المهولة التي تستهلكها منه. فإنتاج النفط لا يعني بالضرورة تصديره.

المهم إن كانت دول أوبك ذات احتكار للباعة يسيطر على حوالي 40% من السوق، فإنها تقف في مواجهة احتكار آخر للمشترين هو منظمة دول التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD)، وعلى رأسها الولايات المتحدة، يبتاع أكثر بكثير من 40% من النفط العالمي.

كما أن سوق المنتجات النفطية داخل الولايات المتحدة نفسها تسيطر عليها خمس شركات نفطية عملاقة بزرت بقوة نتيجة الاندماجات بين شركات صغرى على خلفية تخفيف قوانين مكافحة الاحتكار الأميركية في بداية التسعينيات.

المقالات الإنجليزية والأخرى العربية
على كل حال، من يقارن المقالات المتوفرة بالعربية والإنجليزية حول أسباب ارتفاع أسعار النفط يكتشف أنها تختلف في توجهاتها اختلاف الليل والنهار، فالمقالات الإنجليزية تركز على وجود أوبك، كما سبق الذكر، وتحرض ضدها علنا.

وتركز على نمو الطلب أكثر من العرض، مع تزايد الطلب العالمي على النفط بسبب النمو الاقتصادي، خاصة الطلب الصيني والهندي بسبب معدلات نموهما الاقتصادي المرتفعة جدا.

أما المقالات العربية، خاصة في الصحف ومواقع الإنترنت المملوكة سعوديا، فتؤكد ما تذهب إليه أوبك من أن السوق لا يعاني من نقص في النفط الخام، بل في النفط المكرر بسبب ضعف طاقة المصافي، إما لضعف الاستثمار فيها أو بسبب إعصار كاترينا الذي دمر المصافي على الساحل الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة عام 2005، مما أدى لنقص منتجات النفط النهائية لا النفط الخام نفسه، وهذه مشكلة الدول المستهلكة للنفط، لا المصدرة له.

ويسوق أحد الكتاب مثالا على هذه النقطة بالقول إن الإعصار "دين" ضرب المناطق المنتجة للنفط على سواحل المكسيك وعطل أربعة أخماس الطاقة الإنتاجية للمكسيك وقتها، فبقيت أسعار النفط تنخفض، لأن المصافي المكسيكية لم تتأثر، مما يثبت أن المشكلة ليست في عرض النفط الخام!

كما أن المواد العربية تركز أيضا على تدفق كميات هائلة من أموال صناديق التقاعد والبيوت الاستثمارية المعنية بالمضاربة بالعقود الآجلة على النفط، مما أدى إلى ارتفاع سعره ليس نتيجة زيادة الطلب الاستهلاكي على النفط، بل نتيجة زيادة المضاربة المالية بالعقود النفطية.

"
من المؤكد أن الشركات النفطية العملاقة والدول الإمبريالية لن ترتاح حتى يصبح كل حقل نفطي في الوطن العربي دولة "مستقلة" تسهل السيطرة عليها، خاصة بعد الضربات التي تلقتها في أميركا اللاتينية
"
وفي شهر أغسطس/آب 2007 مثلا انخفضت أسعار النفط قليلا نتيجة هجرة بعض أموال المضاربة من السوق النفطية إلى أسواق الأسهم.

وتركز المقالات العربية أيضا على انخفاض قيمة الدولار، وبالتالي انخفاض قوته الشرائية، مما يؤدي إلى ارتفاع سعر النفط لأنه مسعر بالدولار!

وبين أوبك وضعف الطاقة التكريرية وموجات المضاربة المالية القائمة على التوقعات والعوامل العرضية الطبيعية والسياسية وزيادة الطلب الصيني والهندي على النفط وانخفاض سعر الدولار، فإن الاتجاه العام لأسعار النفط هو التصاعد، حتى لو جاءت الموجة الأخيرة من تزايد أسعار النفط، كما تقول وسائل الإعلام، نتيجة عوامل عرضية أو عابرة تتصل بتوقع شتاء بارد أو بتأثير التوتر مع إيران في منطقة الخليج العربي، فرفعت السعر على المدى القصير أكثر من المتوقع.

وعلى أية حال، من المؤكد أن الشركات النفطية العملاقة والدول الإمبريالية لن ترتاح حتى يصبح كل حقل نفطي في الوطن العربي دولة "مستقلة" تسهل السيطرة عليها، خاصة بعد الضربات التي تلقتها في أميركا اللاتينية، كما في فنزويلا، وهو ما يفسر جزئيا مشروع تقسيم العراق كمقدمة لتقسيم البقية الباقية، كما يفسر قبل ذلك قانون نفط العراق الذي يعطي ثلاثة أرباع النفط العراقي مجانا لها.

وحتى يحين وقت التقسيم، لا بد من تدوير الجزء الأكبر من البترودولار العربي بصفقات السلاح الغربية. فهو عنصر قوة لا يجوز أن يظل بأيدي العرب. والتفكيك سوف يبدد المال والنفط والقوة.. وكل شيء.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة