ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

منذ سنوات، تحديداً منذ عام 2002 عندما شكّل رجب طيب أردوغان حكومته الأولى إثر فوزه في الانتخابات التشريعية، لم يتوقف الجدل حول تجربة "الإسلام السياسي" التركي، تحديداً حزب العدالة والتنمية، سواء في أوساط الإسلاميين أنفسهم، أو فيما بينهم وبين العلمانيين واليساريين من جهة أخرى.

خلال الشهور الأخيرة تجدد الجدل مرة أخرى إثر أزمة الرئاسة في تركيا بعد ترشيح عبد الله غل وما ترتب عليها من انتخابات مبكرة أسفرت عن فوز العدالة والتنمية بنسبة أعلى من الأصوات، وبعد ذلك إعادة ترشيح غل للرئاسة وصولاً إلى فوزه في الجولة الثالثة من الاقتراع.

جوهر الجدل تمثل في بعدين؛ الأول إذا ما كان أردوغان إسلامياً يمارس التقية من أجل تنفيذ برنامجه الإسلامي، أم أنه تغير بالفعل وأصبح علمانياً كما أكد ويؤكد على الدوام، أما الثاني فيتعلق بالدروس التي ينبغي للإسلاميين في العالم العربي أن يأخذوها من التجربة التركية، وفرصهم في تكرارها عربيا.

"
الأسباب الكامنة خلف فوز العدالة والتنمية في تجربته الأولى، ومن ثم الثانية لا تتعلق بعلمانيته، ومن ثم نجاحاته الاقتصادية, بل يتعلق بشكل أساسي بهوية القائمين عليه، وهم أناس لهم تراثهم السياسي المستند إلى ما يسمى الإسلام السياسي
"
فيما يتعلق بالبعد الأول الذي سنركز عليه أكثر يمكن القول إن السؤال الذي يطرح نفسه ابتداء يتعلق بأسباب الفوز الذي تحقق. وهنا يمكن التأكيد أن الأسباب الكامنة خلف فوز العدالة والتنمية في تجربته الأولى ومن ثم الثانية لا تتعلق بعلمانيته، ومن ثم نجاحاته الاقتصادية كما يردد بعض العلمانيين واليساريين، وبالطبع في محاولة لتخريب فرحة الإسلاميين بالفوز.

بل يتعلق بشكل أساسي بهوية القائمين عليه، وهم هنا ليسو مجموعة من النكرات، وإنما أناس لهم تراثهم السياسي المستند إلى ما يسمى "الإسلام السياسي" في الساحة التركية.

ومن يتبوأ منصب زعيم الحزب هو نفسه الذي سجن قبل سنوات ليست بعيدة وحرم من مزاولة حقوقه السياسية لأنه ردد أبياتاً من قصيدة شهيرة في التراث التركي تقول "المآذن رماحنا، والقباب خوذاتنا والمساجد حصوننا والمصلون جنودنا"، ثم إنه هو ذاته الذي ترأس بلدية إستنبول نيابة عن حزب يقوده شيخ الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان.

فهل يعقل أن هذه السيرة الذاتية للرجل قد تلاشت من عقل المواطن التركي لتحل محلها عبارات تؤكد احترامه للعلمانية يفسرها الناس على أنها إعادة تقييم لتجربة الإسلاميين في التعامل مع الواقع التركي الصعب الذي يتزعمه عسكر متطرفون يعتبرون أنفسهم حراسا لعلمانية أتاتورك؟!

الأكيد أن العقل الجمعي للشارع التركي بكل فئاته قد تعامل مع أردوغان وأصحابه بوصفهم إسلاميين وليسو شيئاً آخر، بصرف النظر عما إذا كانوا مصرين على هويتهم أم لا، ما يعني أن الفوز الذي تحقق، وأقله جزء كبير منه، هو حصة الإسلاميين.

وعندما يحصل حزب الرفاه الذي ورثه أردوغان وأصحابه مطلع التسعينيات على 22% من الأصوات، فإن من الطبيعي في ظل الصحوة الإسلامية العارمة التي تجتاح الشارع التركي كجزء من العالم الإسلامي أن يحصل ورثته في العدالة والتنمية على أكثر من ذلك بكثير.

من الطبيعي أن يسأل البعض هنا عن السبب الذي يمنح حزب العدالة والتنمية فوزاً كبيراً كالذي تحقق، ثم لا يحصل حزب السعادة بهويته الواضحة والمحسومة، وبدعم شيخ الحركة الإسلامية التركية (أربكان) إلا على 25% من الأصوات.

والإجابة بكل بساطة هو أن الكتلة الأكبر من أبناء الحركة الإسلامية قد انحازت إلى أردوغان وغل وليس إلى أربكان وصاحبه رجائي كوتان زعيم السعادة، الأمر الذي له صلة بالزعامة والكاريزما.

ونتذكر هنا حالة مشابهة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، إذ وقع انشقاق في صفوف الحركة الإسلامية بسبب الجدل حول دخول الكنيست الإسرائيلي، خرج على أثره الشيخ رائد صلاح بالكتلة الأكبر من الحركة، فيما بقي الآخرون مع رئيسها عبد الله نمر درويش.

لا يعني ذلك أن التدافع بين الحزبين أو التيارين في الساحة التركية قد انتهى تماماً على هذا النحو، فقد يتغير الموقف في حال حسم العدالة والتنمية هويته العلمانية وتزعم السعادة رجل يتميز بقدرات استثنائية فتنقلب المعادلة لصالحه على نحو من الأنحاء.

أما قصة النجاح الاقتصادي كسبب للنجاح، فهي صحيحة من جهة، لكنها لا تفسر ما جرى بشكل كامل، فضلاً عن أن أساس النجاح هو النزاهة وعدم الفساد، وهي أخلاق يتميز بها الإسلاميون، أقله في المراحل الأولى من خوضهم غمار السياسة.

وإذا كان أردوغان قد نجح رئيسا لأكبر بلدية في تركيا، فلماذا يستغرب نجاحه بعد ذلك رئيسا للوزراء؟!

"
قصة النجاح الاقتصادي سببا لنجاح حزب العدالة والتنمية صحيحة من جهة، لكنها لا تفسر ما جرى بشكل كامل، فضلاً عن أن أساس النجاح هو النزاهة وعدم الفساد، وهي أخلاق يتميز بها الإسلاميون، أقله في المراحل الأولى من خوضهم غمار السياسة
"
خلاصة القول هي أن فوز العدالة والتنمية في المرة الأولى والثانية له صلة كبيرة، بل كبيرة جداً بهوية الحزب والقائمين عليه، وليس فقط بإنجازاتهم، مع أن تلك الإنجازات ينبغي أن توضع في سيرتهم الذاتية كإسلاميين أو متدينين في أقل تقدير دخلوا الحياة السياسية كرساليين يريدون تقديم نموذجهم الخاص، بصرف النظر عما إذا كان قد غيروا بضاعتهم الفكرية أم حافظوا عليها.

نأتي إلى السؤال الآخر المتعلق بالجدل حول الوضع الحالي لقادة العدالة والتنمية، وإذا ما زالوا إسلاميين أم تحولوا بالفعل إلى علمانيين.

وهنا نميل إلى القول إن تأكيد بعض الإسلاميين على أن القوم لم يغيروا هويتهم وأنهم إنما يتحايلون على الواقع الصعب هو أقرب إلى الأمنيات منه إلى التحليل العلمي لتحولات السياسة والسياسيين.

ونحن هنا بالقطع لا نتبنى مقولات نجم الدين أربكان حول عمالة أردوغان وأصحابه للولايات المتحدة والصهاينة، بقدر ما ندرك تحولات السياسة واستحقاقاتها التي تتمرد على الأفكار في كثير من الأحيان.

لو تتبعنا سيرة القوم منذ تشكيل حكومتهم الأولى عام 2002 وحتى الانتخابات الأخيرة وأثناءها وما بعدها فلن نعثر على أي شيء يشير إلى هويتهم الإسلامية، اللهم إلا حجاب زوجة أردوغان وبنتيه وزوجة غل، مع العلم أن من العبث اختزال الإسلام في الحجاب الذي يقال إن زوجة أتاتورك كانت ترتديه، من دون أن نتجاهل البعد الرمزي للقضية.

في السياسة المحلية لم يفعل أردوغان شيئاً فيما خص الحجاب وحرية ارتدائه، إذ بقي الحال على ما هو عليه طيلة سنواته في الحكومة، كما لم يفعل شيئاً عندما حرم خريجو المدارس الدينية من الالتحاق بالجامعات، والأهم لم يفعل سوى ما فعله أربكان من قبله فيما يتعلق بالفصل المتكرر لضباط وجنود في الجيش يتهمون بنشاطات أصولية لا تتعدى في واقع الحال إقامة الصلاة أو ارتداء بنت أحدهم أو زوجته للحجاب.

على صعيد السياسة والأخلاق يمكن القول إن أردوغان قد ذهب في الاتجاه العلماني وليس الإسلامي، فأن يسعى للانتساب إلى الاتحاد الأوروبي فإن ذلك يعني الالتزام بمعاييره الأخلاقية من زنا وشذوذ وخلافه، فضلاً عن الالتزام بمواثيقه ومعاهداته وكثير منها ضد العالم العربي والإسلامي.

في السياسة الاقتصادية لم يظهر أردوغان أي نزوع إسلامي يذكر، وكل التطور الذي وقع نتج عن استثمارات أجنبية ترتبط في معظمها بقرارات سياسية للدول الكبرى، ما يعني أنها ليست راسخة الجذور بما يسمح بالتحرك باستقلالية في سياسات تمس مصالح تركيا ومحيطها الإسلامي.

"
أردوغان ذهب في الاتجاه العلماني وليس الإسلامي، لأنه يسعى للانتساب إلى الاتحاد الأوروبي وهذا يعني الالتزام بمعاييره الأخلاقية من زنا وشذوذ وخلافه، فضلاً عن الالتزام بمواثيقه ومعاهداته وكثير منها ضد العالم العربي والإسلامي
"
أما العلاقة مع الولايات المتحدة والدولة العبرية، وهما ألد أعداء العرب والمسلمين، فقد تعززت. صحيح أن الرجل قد رفض المشاركة في حرب العراق، كما أدان اغتيال قوات الاحتلال للشيخ أحمد ياسين وسواه، وهو ما يذكر له، لكنه ما لبث أن غيّر المسار عندما لوّح له الأميركيون بالعصا الغليظة.

فجاء إلى الدولة العبرية في زيارة تاريخية ومعه معظم وزرائه، فيما زار واشنطن ووقع عقوداً عسكرية معها، مع العلم أن رضا واشنطن ينبع من رضا تل أبيب التي أعلنت رضاها عن الرجل بعد الزيارة، مع أن الوضع قبلها كان على ما يرام لولا التصريح السياسي إياه. ولعلنا نشير هنا إلى أن "غل" نفسه كان عراب العلاقة مع الإسرائيليين.

في ذات سياق العلاقة مع الدولة العبرية نتذكر حديث بعض المعلقين الإسرائيليين عشية فوز العدالة والتنمية في الانتخابات، ففي تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت نشر في اليوم التالي لظهور النتائج قال الصحفي إيتمار آيخنر "في إسرائيل راضون.. ولكن يخشون". ثم أضاف "نتائج الانتخابات في تركيا استقبلت في إسرائيل بمشاعر مختلطة: فمن جهة هناك رضا عن انتصار حزب السلطة الذي في عهده ضربت العلاقات الإسرائيلية التركية أرقاماً قياسية غير مسبوقة (لاحظ غير مسبوقة). ومن جهة أخرى، في إسرائيل مثلما في كل العالم الغربي، ثمة قلق من عملية الأسلمة التي تمر بها تركيا".

بعد ذلك تحدث التقرير عن بعض تفاصيل العلاقة بين الدولتين في عهد أردوغان بالقول إن إجمالي التجارة بينهما قد بلغ عشرة مليارات دولار. مضيفاً أن المسؤولين الإسرائيليين يفسرون ذلك بجذور الحزب الإسلامية وسعيه إلى نفي تهمة التطرف عن نفسه، حتى أن كل قادة الحزب قد زاروا إسرائيل، وأن سفارة الدولة العبرية تعرف معظم أعضاء البرلمان التابعين للحزب وعلى علاقة طيبة معهم. والكلام للصحفي الإسرائيلي.

من الدلالات الأكثر أهمية على نزوع أردوغان الجديد نحو تأكيد الهوية العلمانية لحزبه استبعاده لمعظم الرموز الإسلاميين من قوائم الانتخابات الأخيرة واستبدالهم بعدد كبير من العلمانيين واليساريين وغير المتدينين، الأمر الذي أثار سخطاً في أوساط الإسلاميين.

ويتوقع أن تكون له تداعياته على مستقبل الحزب وتماسكه في المرحلة المقبلة، حيث لا يستبعد أن يكون مصيره ذات مصير الأحزاب الأخرى في الساحة التركية التي تبدأ كبيرة ثم تأخذ في التراجع بمرور الوقت.

أياً يكن الأمر، فنحن إزاء أسئلة سيحسم الزمن إجابتها، وربما خلال سنوات لن تطول، لاسيما ما تعلق بهوية الحزب، فبسيطرته على الرئاسة يسيطر الحزب على خمسة من مقاعد مجلس الأمن القومي العشرة.

وإذا تمكن من إخراج دستور جديد باستفتاء شعبي يحجّم حضور العسكر في الحياة السياسية، فإن أية حجة لن تتوفر في سياق إظهار الهوية الحقيقية لقيادته.

لو احتمل السياق لناقشنا عبثية الحديث عن غياب النموذج الإسلامي في الحكم، إذ حتى لو افترضنا أن الأمر لا يتعدى الإرشاد العام، فإن هوية إسلامية لا يمكن إنكار وجودها في الاقتصاد والاجتماع، وبعض شؤون السياسة.

"
مشكلة الإسلاميين في العالم العربي ليست في هويتهم أو في برامجهم، بل في منافستهم للنخب الحاكمة، ولو بدلوا هويتهم بأخرى ما تغير الموقف منهم
"
كل ذلك لا يعني بحال التقليل من شأن التجربة التركية، ونحن نتمنى أن تكون كما يحب الإسلاميون وعموم جماهير الأمة، لكننا نشير إلى ذلك كله كي يكون الناس على بينة من أمرهم، ولكي لا يأتي بعد ذلك من يقيم علاقات مع الدولة العبرية، وينفذ من السياسات ما يشاء ثم يبقي على انتسابه للهوية الإسلامية، أو نجد من يصغي إلى علمانيين متطرفين يطالبون الإسلاميين بمثل ما فعل أردوغان لكي يصبحوا مقبولين.

يدخلنا ذلك إلى البعد الثاني المتعلق بإمكانية نقل التجربة إلى الواقع العربي، وهنا نقول إن الديمقراطية التركية على علاتها ديمقراطية معقولة، إذا ما قورنت بديمقراطية الديكور العربية.

أما الأهم فهو أن موقف الأنظمة العربية من الإسلاميين لا صلة له بالأيدولوجيا، وإنما بمعارضتهم أو منافستهم لنخبة حاكمة سيطرت على السلطة والثروة، ولو كان المنافسون يساريين أو علمانيين أو حتى من الإخوة أو أبناء العمومة لما تغير الموقف منهم.

لذلك كله لن يقترب الحكام العرب بحال من ديمقراطية حقيقية ستعني بالضرورة فوز المعارضة، وجل ما يمكن أن يحلم به الإسلاميون في ظل الوضع القائم هو "كوتا" محدودة يقررها الحكام لا تغير في الواقع شيئاً، بقدر ما تشرع بؤسه وتنفس غضب الجماهير في آن.

مشكلة الإسلاميين في العالم العربي إذاً ليست في هويتهم أو في برامجهم، بل في منافستهم للنخب الحاكمة، ولو بدلوا هويتهم بأخرى ما تغير الموقف منهم، اللهم إلا إذا وافقوا على العمل تحت عباءة السلطة مقابل تجنب سيف المعز، إلى جانب حصة محدودة من ذهبه ما تلبث أن تتراجع بتراجع تأييد الجماهير لهم، وهي للتذكير جماهير لا تبايع الأشخاص، بل تبايع الأفكار، وبعد ذلك المواقف المنسجمة معها (مع الأفكار).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك