محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمَد بن خليفة في قطر


- العامل الإسرائيلي
- حرب انتخابية؟
- الضحية الأميركية!
- الخطر الأوروبي

حينما سألت المذيعة آمي غودمان الصحفي الأميركي القدير سيمور هيرش في بحر الأسبوع الماضي: لماذا يتحمس المرشحون الديمقراطيون لشن حرب على إيران رغم انتقادهم للحرب الدائرة في العراق، رد ببرودة وبساطة أن السبب هو "المال اليهودي الوافر القادم من نيويورك.. ليس هناك تفسير آخر".

وقد كشف هيرش بهذه الملاحظة التي تشبه فلتة اللسان لندرة مثلها في الإعلام الأميركي عن حقيقة بديهية في الحياة السياسية الأميركية، وهي أنك حينما تترشح للانتخابات الرئاسية فإن كسب الشعب الأميركي لا يضمن لك النجاح، بل لا بد أن تكسب الشعب الإسرائيلي أيضا من خلال ممثليه أعضاء اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة.

وربما يكون ذلك أمرا غريبا، لكن حقائق الميزان السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، ووقائع مدخلاته ومخرجاته تشهد بذلك.

"
اللوبي الموالي لإسرائيل قد اتخذ قرار الحرب على إيران، وليس في وسع أي مرشح للرئاسة أو حتى رئيس منتخب الوقوف في وجه ذلك القرار
"
العامل الإسرائيلي
لقد خصص مراسل صحيفة هآرتس الإسرائيلية في واشنطن شموول روزنر ملفا خاصا بعنوان "العامل الإسرائيلي.. ترتيب المرشحين للرئاسة" تتابع الصحيفة من خلاله أسبوعيا مواقف المرشحين للرئاسة الأميركية ومدى انسجامها مع ما تريده إسرائيل، وتضعهم في سلم تنازلي تبعا لذلك.

ومن ضمن المعايير التي وضعها روزنر لتقييم المرشحين الأميركيين استعدادهم لخوض حرب ضد إيران لضمان تفوق إسرائيل، واحتكارها عوامل القوة والهيمنة في الشرق الأوسط.

وذكر الصحفي الإسرائيلي أن باراك أوباما حينما لاحظ أنه في مستوى واطئ على سلم صحيفة هآرتس غير نبرته لصالح إسرائيل وضد إيران.

يدرك المرشحون للرئاسة الأميركية جيدا أن ميزان القوى الداخلي في الولايات المتحدة لا يسمح لأي منهم بالنجاح، إلا إذا كيَّف رؤيته الشخصية مع الرؤية الإسرائيلية. وإليك المثال من المرشحة هيلاري كلينتون والمترشح باراك أوباما وهما من أوفر المرشحين حظا في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة.

ففي كتابه "الرب وهيلاري كلينتون" (God and Hilary Clinton) يشرح الكاتب الأميركي بول كنغور كيف أن هيلاري بدأت حياتها السياسية شديدة التعاطف مع محنة الفلسطينيين، شديدة البغض للسياسات الإسرائيلية، حتى إنها رفضت عام 1973 دخول بيت أحد المتنفذين من اليهود الأميركيين حينما رأت على بابه آيات من التوراة العبرانية (ص 48).

لكن هذه النظرة سرعان ما تبدلت من النقيض إلى النقيض في معمعة المعركة الانتخابية لعام 1981 التي خاضها زوجها كلينتون للفوز بمنصب حاكم ولاية أركنساس للمرة الثانية، حين جعلت هيلاري وزوجها حجَّهما إلى إسرائيل جزءا مهما من حملتهما الانتخابية، سعيا إلى كسب اليهود الأميركيين.

ومثل هيلاري كلينتون بدأ باراك أوباما حياته السياسية يساريا متعاطفا مع الفلسطينيين، لكنه سرعان ما أدرك ميزان القوى الداخلي وفهِم ديناميكية الحياة السياسية الأميركية.

ففي مقال بعنوان "كيف تعلم باراك أوباما محبة إسرائيل" يحكي الكاتب الصحفي علي أبو نعمة قصة لقائه مع أوباما عام 1998 في حفل للجالية العربية الأميركية كان المتحدث الرئيسي فيه هو الأستاذ الراحل إدوارد سعيد. ويذكر أبو نعمة أن أوباما كان يومها شديد النقد للسياسات الأميركية في فلسطين. ثم يبين فيما بعد التحول التدريجي في خطاب أوباما من متحمس للفلسطينيين إلى موال للإسرائيليين.

ولعل إحدى المقابلات الانتخابية مع أوباما يوم 1 مايو/أيار 2007 تعكس هذا التحول في أبلغ صورة، فقد سأل الصحفي أوباما قائلا "لقد صرحتَ مؤخرا أن لا أحد يعاني مثل ما يعاني الشعب الفلسطيني، فهل أنت متمسك بهذه الملاحظة؟" فأجاب "ما قلته هو أن لا أحد يعاني مثل ما يعاني الشعب الفلسطيني من فشل قيادته في الاعتراف بإسرائيل وفي إدانة العنف". وهكذا انتقل أوباما من النقيض إلى النقيض بصياغات لفظية بهلوانية.

إن موقف المرشحين للرئاسة الأميركية من الحرب القادمة ضد إيران –شأنه شأن موقفهم من القضية الفلسطينية- لا يخضع لرؤاهم الشخصية، ولا لتصورهم للمصلحة الأميركية في الشرق الأوسط، بقدر ما يخضع لموازنات داخلية يدركها المرشحون جيدا.

وأهم هذه الموازنات في الوقت الحاضر أن اللوبي الموالي لإسرائيل قد اتخذ قرار الحرب على إيران، وليس في وسع أي مرشح للرئاسة أو حتى رئيس منتخب الوقوف في وجه ذلك القرار.

"
جورج بوش ونائبه ديك تشيني اللذان يتخذان قرار الحرب يوشكان على نهاية ولايتهما الثانية، وحتى لو سارت أمور الهجوم على إيران على غير ما يرام أميركيا فإن ذلك لن يؤثر على المستقبل السياسي لمن ليس له مستقبل سياسي
"
حرب انتخابية؟
ونظرا لمستوى الإجماع السياسي بين المرشحين للرئاسة الأميركية على خوض الحرب ضد إيران لصالح إسرائيل، فإن من المحتمل جدا أن يبادر الرئيس بوش بشن الحرب على إيران قبيل الانتخابات الرئاسية، أملا في كسب انتخابي لحزبه الذي تضعضعت قوته السياسية بسبب الحرب العبثية على العراق.

ومما يزكي هذا الطرح عدة أمور:
أولها، أن الحرب عادة ترفع من شعبية الرئيس الذي يخوضها على المدى القريب مهما تكن نتيجتها البعيدة كارثية، لأن أجواء الشحن العاطفي والتعبئة الإعلامية وصناعة الإجماع الموازية لبدء الحرب ستكون فرصة الحزب الجمهوري الأخيرة لكسب الرأي العام الأميركي قبيل الانتخابات الرئاسية.

ثانيها: أن جورج بوش ونائبه ديك تشيني اللذين يتخذان قرار الحرب يوشكان على نهاية ولايتهما الثانية، فليس لدى أي منهما مطامح سياسية بعد نهاية العام 2008. وحتى لو سارت أمور الهجوم على إيران على غير ما يرام أميركيا، فإن ذلك لن يؤثر على المستقبل السياسي لمن ليس له مستقبل سياسي.

ثالثها: أن اليهود الأميركيين بقوتهم الإعلامية الاستثنائية قادرون على إعطاء جورج بوش وهو المتعطش إلى المجد، شيئا من الإحساس بالإنجاز والمجد الوهمي، يعوض به المهانة التي ألمت به جراء المقاومة العراقية التي أفشلت كل مطامحه الشخصية والسياسية.

وقد كتب بعض الكتاب اليهود الأميركيين المتنفذين إطراء جورج بوش وشحذ نرجسيته في سبيل دفعه إلى ضرب إيران، ومن أمثلة ذلك مقال نورمان بودورتز الصادر خلال يونيو/ حزيران الماضي في مجلة كومنتاري بعنوان "مسوغات قصف إيران" الذي حشده بالثناء على جورج بوش ووصفه بأنه "الرجل الذي يعرف الشر ويواجهه بشجاعة"!! داعيا بوش إلى "مواجهة إيران ونواياها الشريرة" ومختتما مقاله بالقول "إني أدعو من أعماق قلبي أن يفعل الرئيس ذلك".

وتلك لغة إنجيلية أثيرة إلى قلب الرئيس الأميركي صاحب مصطلح "محور الشر" سيئ الصيت.

الضحية الأميركية!
حينما يتم اتخاذ قرار الحرب إستراتيجيا، يبقى موضوع إخراجه وتسويقه أمرا ثانويا، والمتتبع لصناعة القرار الإستراتيجي في الولايات المتحدة لن يجد صعوبة في إدراك الحقيقة الساطعة، وهي أن قرار الهجوم على إيران قد اتخذ وأن خطة الهجوم العسكرية قد صيغت وتم فرض الإجماع عليها بين أطراف النخبة السياسية بوسائل المال والإعلام والابتزاز.

ولم يبق سوى انتظار اللحظة المناسبة، وتمهيد الظروف لاختلاق الذرائع الملائمة لبدء الهجوم. ويبدو أن الذرائع هذه المرة ستكون مختلفة تماما عن الذرائع التي تم بها تدمير العراق.

وقد كشف مستشار الأمن القومي الأسبق في الولايات المتحدة "زبيغنيو بريجنسكي" –وهو ممن يتّسمون بحس إستراتيجي عميق وشيء من النزاهة الفكرية النادرة في الساسة الأميركيين- عن معالم تسويق الحرب القادمة، فقال "إن جزءا مهما من الأمر يتوقف على مستوى حماقة الإيرانيين، وقدرتهم على التخفيف من لغة أحمدي نجاد، والسيطرة على عنترياتهم.. فنحن في هذه المرة –على عكس الحالة العراقية- سنلعب دور الضحية"!

ويقصد بريجنسكي بذلك أن القادة الأميركيين سيقدمون الهجوم على إيران في صيغة دفاع عن أرواح جنودهم في العراق، وسيفتعلون ذريعة للحرب تظهرها بمظهر ردة الفعل الشرعية على عدوان إيراني لا مبرر له، وستكون عنتريات أحمدي نجاد أهم ذخيرة لحربهم الدعائية التي تمهد للحرب الدموية.

ومن السهل جدا افتعال ذريعة للمواجهة في ظروف الاحتكاك بين الطرفين على أرض العراق وحدوده. ومهما تكن نبرة الحملة الانتخابية القادمة في الولايات المتحدة، فإن المرشحين للرئاسة من الديمقراطيين والجمهوريين لا يختلفون كثيرا على هذا الأمر.

فالديمقراطيون يحسنون انتقاد الرئيس الجمهوري جورج بوش، لكنهم أكثر منه عداء لإيران وحرصا على إسرائيل. ومن أسباب ذلك أن حضور اليهود الأميركيين في الحزب الديمقراطي أكبر منه في الحزب الجمهوري. وقد دعم المرشحون من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء قرار الكونغرس الأخير الذي يعتبر الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

"
عزاء الشعوب العربية أن الحريق القادم –على آلامه وأحزانه- سيهز المنطقة هزة لا سابق لها، وسيكنس بعضا من مظاهر الخيانة والنذالة السياسية الضاربة بأطنابها في المنطقة العربية
"
الخطر الأوروبي
على أن الخطر على إيران ليس محصورا في القائد الأميركي القادم بانتخابات 2008، بل يتجاوز ذلك إلى القادة الأوروبيين الحاليين.

وربما يكون من سوء حظ إيران أن الخريطة السياسية الأوروبية اليوم تختلف عنها كثيرا عشية غزو العراق، ففي حين وقفت فرنسا وألمانيا –أكبر دولتين أوروبيتين- في وجه الحرب على العراق عام 2003، فإن كلتا الدولتين محكومة اليوم بقوى سياسية جديدة موالية لإسرائيل، ومقربة من التحالف اليميني الصهيوني في الولايات المتحدة.

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي منحدر من أسرة يونانية يهودية، وقد كتب رانان ألياز في صحيفة الأنباء اليهودية الأسترالية أن لأجداد ساركوزي وأعمامه تاريخا عريقا في الإيمان بالقضية الصهيونية ودعمها، بما في ذلك بناء جامعة بحيفا. كما أن وزير خارجية ساركوزي برنار كوشنر ينحدر من نفس الأصول، فأبوه يهودي الديانة وأمه مسيحية بروتستانتية.

وكل من ساركوزي وكوشنر يكن عطفا عميقا لإسرائيل، والتزاما قويا بالوقوف إلى جانبها، وتميل المستشارة الألمانية ميركل إلى الرؤى الإسرائيلية الأميركية في قضية إيران، كما ينتهج رئيس الوزراء البريطاني الجديد نفس النهج.

فالذي ينظر للحرب القادمة من منظور أوروبي يدرك أنه لا يوجد وقت أنسب لخوض حرب ضد إيران من هذا الوقت الذي توجد فيه قيادات فرنسية وألمانية وبريطانية تتبنى نفس الخط الإسرائيلي الأميركي.

ولعل هذا من أهم أسباب التعجل الإسرائيلي على شن الحرب، رغم إدراك الإسرائيليين أن إيران تحتاج إلى عقد من الزمان لصنع قنبلة نووية. هذه تقديرات (سي آي أي) على الأقل، وهي غير متهمة بالتعاطف مع الإيرانيين.

والخلاصة أن حربا مدمرة قادمة إلى الشرق الأوسط نهاية هذا العام أو خلال العام القادم، بغض النظر عن رؤية المرشحين للرئاسة الأميركية، فقد تضافرت كل العوامل الصلبة إسرائيليا وأميركيا وأوروبيا لخوض الحرب.

ويبقى أن الدول العربية في المنطقة ستكون أكبر خاسر من الحريق القادم، لكن قادة هذه الدول -الذين تم تجويع شعب العراق عبر حدودهم ثم تدميره انطلاقا من أرضهم- لن يترددوا في لعب نفس الدور المتواطئ ضد شعب إيران.

لكن الحريق القادم لن يكون حربا محدودة كما يتصور القادة الأميركيون وامتداداتهم العربية، بل سرعان ما سيتحول إلى حرب استنزاف إقليمية تدوم عقدين من الزمان على الأقل -كما توقع بريجنسكي بحق- ويمتد لهبه إلى العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان وباكستان ودول الخليج، ثم يتطاير شرره عبر العالم.

وسيكون هذا الحريق الهائل بكل تأكيد آخر الحروب الأميركية في الشرق الأوسط.

ولعل عزاء الشعوب العربية أن الحريق القادم –على آلامه وأحزانه- سيهز المنطقة هزة لا سابق لها، وسيكنس بعضا من مظاهر الخيانة والنذالة السياسة الضاربة بأطنابها في المنطقة العربية.

المصدر : الجزيرة